د. علي بن سعيد الزهراني - المدير التنفيذي للمركز الخليجي لمكافحة السرطان

إستراتيجية مكافحة السرطان في دول الخليج: سباق مع الزمن

السرطان-في-دول-الخليج-1سعى المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى التصدي لموضوع مكافحة السرطان منذ عام 1997م؛ استجابةً للحسّ الإنساني الكبير والدراية التامة بمعاناة مرضى السرطان وأسرهم، من خلال سلسلة طويلة من قرارات مجلس وزراء الصحة وهيئته التنفيذية الرامية إلى إعداد وترسيخ برامج وطنية للوقاية من السرطان، ومكافحته، وعلاجه بكلّ دولة، ومواجهة العبء المتزايد الذي يسبّبه في المجتمعات الخليجية. وأنشأ المكتب التنفيذي بالتعاون مع مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض عام 1998م المركز الخليجي لتسجيل السرطان؛ ليشكّل قاعدة بيانات خليجية مرتبطة بسجلات السرطان الوطنية في جميع دول مجلس التعاون، ولتساعد على رصد حالات السرطان المكتشفة، وإصدار التقارير والمؤشرات الإحصائية لحدوث السرطان في منطقة الخليج؛ ليكون ذلك خطوةً إستراتيجيةً أوليةً طويلة الأمد تهدف إلى محاربة السرطان من خلال وضع التدابير الوقائية الفعالة، وتقديم البرامج المناسبة لمكافحة السرطان.

السرطان-في-دول-الخليج-2صدرت الموافقة عام 2004م باعتماد الخطة الإستراتيجية الأولى (2004- 2009م) لمكافحة السرطان لدعم الدول الأعضاء في تطوير خطط عمل وطنية لمكافحة السرطان، تلاها اعتماد الخطة الخليجية الثانية (2010- 2020م)، التي شكّلت الانطلاقة الفعلية للبرنامج الخليجي لمكافحة السرطان وفقاً لخطط تنفيذية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل. وصدرت موافقة معالي وزراء الصحة بدول مجلس التعاون عام 2011م باعتماد مذكرة التفاهم التي وقّعت بين المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة بدول مجلس التعاون ومستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث الرامية إلى تطوير البرنامج الخليجي لمكافحة السرطان من خلال إنشاء المركز الخليجي لمكافحة السرطان برؤية واضحة تهدف إلى وقاية وتعزيز الحياة في المجتمع الخليجي من خلال مكافحة أمراض السرطان بمشاركة جميع المؤسسات الحكومية والأهلية ضمن مفهوم الشراكة في صحة المجتمع. وبدأ المركز منذ تأسيسه بمراجعة وتطوير الخطط الإستراتيجية الرامية إلى تعزيز الوعي الصحي لدى المجتمع الخليجي حول السرطان، وعوامل الخطورة المؤدية إليه، وتنسيق الجهود لتقديم خدمات متعددة الاختصاصات للوقاية من السرطان وعلاجه وفقاً للأسس العلمية المبنية على البراهين؛ إذ يعمل المركز من خلال هيئة استشارية ممثّلة في عضوين من كلّ دولة، وعددٍ من الخبراء الخليجيين والعالميين، وممثّلين عن الجهات والهيئات الأخرى ذات العلاقة، على المساهمة في رسم سياسات المركز وتوجّهاته، وشُكّل عدد من اللجان الفنية المتخصصة لوضع المعايير الإقليمية، والإشراف على برامج: الوقاية، والتشخيص المبكر، والأدلة الوقائية والعلاجية، والتدريب والتطوير، والبحوث العلمية؛ ليواكب العمل الخليجي المستجدات العالمية في هذه المجالات. ومن أهم ثمار المركز صدور وثيقة الرياض عن المؤتمر الدولي الأول حول أعباء السرطان في منطقة الخليج، الذي عقد في أكتوبر عام 2014م تحت شعار (سد الثغرات)، وتضمّنت 11 توصية تهدف إلى تخفيف أعباء السرطان، وتقليص معدلات الإصابة والوفاة منه بنسبٍ ملموسة خلال العقد المقبل، وتحديث الخطط الخليجية التنفيذية لمكافحة السرطان لمواكبة المستجدات العالمية.

السرطان-في-دول-الخليج-3ودعت الوثيقة إلى إنشاء جهة مرجعية تُعنى باقتصاديات وأعباء أمراض السرطان، يتمّ تأسيسها ضمن الهيكل التنظيمي الخاصّ بوزارات الصحة للقيام بإعداد قاعدة بيانات عن الوضع الراهن، وتوقّع العبء الاقتصادي المستقبلي لأمراض السرطان على النظام الصحي على المستوى الوطني والخليجي، والمساعدة على إعداد السياسات التي تعزّز الأساليب الصحية للحياة، والتعامل مع عوامل الخطورة الأخرى المسببة للسرطان، وتعضيد الجهود الوطنية والإقليمية والدولية المشتركة للحد من أعبائه. كما دعت الوثيقة إلى تعزيز البحث العلمي، ونشر نتائج البحوث والأنشطة الدولية والإقليمية في مجال اقتصاديات وأعباء أمراض السرطان، وتدعيم البحوث والدراسات الخاصة بمرض السرطان، ودعم السجلات الوطنية للسرطان. ودعت الوثيقة كذلك إلى رفع مستوى الوعي والثقافة الصحية بمسببات السرطان، وأعراضه، وطرائق الكشف المبكر، من خلال تفعيل الأطر الإقليمية والعالمية في مجالات تعزيز الصحة كافةً وأنماط الحياة، ونشر المعلومات الخاصة بأمراض السرطان لوسائل الإعلام العامة لزيادة الوعي والتثقيف المجتمعي، والحد من مؤشرات الخطورة لهذه الأمراض، وتمكين القياديات وراسمي السياسات والتشريعات والإستراتيجيات الصحية الوطنية في جميع الوزارات والجهات الحكومية وغير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة من التعاون الإيجابي مع القطاع الخاصّ، وتشجيع الاستثمار الوطني، والحصول على المعلومات الخاصة باقتصاديات وأعباء السرطان ضمن أطر تعزيز الصحة لزيادة الوعي، وتفعيل البرامج، وضمان رصد الميزانيات اللازمة، وإجراءات الدعم لأخرى، وتسهيل صدور السياسات والتشريعات الملائمة للحد من أعباء السرطان. كما وجّهت الوثيقة إلى ضرورة تفعيل دور الرعاية الصحية الأولية في مكافحة السرطان والوقاية منه ضمن برامج الرعاية الصحية المجتمعية الشاملة المتكاملة والتوجّه الصحي للحياة، خصوصاً في مجالات التوعية والتثقيف الصحي، والكشف الدوري الصحي المنتظم المبنيّ على البراهين، والكشف المبكر لأمراض السرطان المستهدفة، واتّباع نهج الرعاية المشتركة بين مستويات الرعاية والخدمة الصحية المختلفة، وتحسين نظام الإحالة بين مستويات الرعاية الصحية بمختلف مراحلها، ومتابعة علاج مرضى السرطان في إطار نهج متعدد التخصصات، وتقديم الرعاية التلطيفية وإدراجها ضمن مبادئ التعاليم الدينية والروحية الخاصة بتعزيز الصحة ضمن برامج العلاج التلطيفي والتأهيل النفسي، وتأهيل الكوادر الصحية في ظلّ مفاهيم النظرة الشاملة والمتكاملة للنفس البشرية، وتعزيز حقوق المريض من المنظور الصحي والاجتماعي والإنساني والنفسي.

وجرى في ضوء ذلك تحديث الخطة الإستراتيجية (2010- 2020م) لتواكب المستجدات العالمية لمكافحة السرطان، وصدرت النسخة المعدلة منها (2016- 2025م)، التي جرى إقرارها من مجلس وزراء الصحة في دول مجلس التعاون الخليجي في مؤتمره الثمانين، الذي عُقد بمدينة الرياض في أكتوبر عام 2016م. واشتملت الخطة الخليجية التنفيذية لمكافحة السرطان على سبعة أهداف رئيسة تغطّي جميع مناحي مكافحة السرطان والوقاية منه، بوصفها مسؤولية مشتركة بين القطاع الحكومي والأهلي وأفراد المجتمع، وحدّدت لكل هدف عدداً من الغايات والإستراتيجيات وآليات ومؤشرات التطبيق تساعد على متابعة ما يتم إنجازه من أهداف الخطة بشكل دوري وفعال.

معـــدلات الإصـــــابة بالـســــرطان فـــي دول مـجـلــس الـتعـــاون

يشير التقرير التجميعي للمدة (1998- 2012م) لمعدلات الإصابة بمرض السرطان في دول مجلس التعاون الخليجي (دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، ودولة قطر، ودولة الكويت) إلى تسجيل 164.888 حالة سرطان بين مواطنيها؛ إذ بلغ عدد حالات السرطان المسجلة بين الذكور 79.364 حالة (48.1%)، وبين الإناث 85.524 حالة (51.9%)، وسجّلت المملكة العربية السعودية أعلى نسبة من ناحية عدد الحالات المسجلة، بلغت 122.969 حالة (74.6%)، تلتها سلطنة عمان بعدد 14.229 حالة (8.6%)، ثم دولة الكويت بعدد 11.876 حالة (7.2%)، ثم مملكة البحرين بعدد 7.029 حالة (4.3%)، ثم دولة الإمارات العربية المتحدة بعدد 5.982 حالة (3.6%)، ودولة قطر بعدد 2.803 حالات (1.7%). ولوحظ ارتفاع معدل الإصابة بالسرطان بنسبة 84%؛ إذ سُجّلت 8065 حالة عام 1998م، و14.819 حالة عام 2012م. ويتوقّع المركز الخليجي لمكافحة السرطان أن يستمر عدد حالات السرطان الجديدة بين مواطني دول مجلس التعاون الخليجي بالارتفاع ليتجاوز 21 ألف حالة بحلول عام 2030م.

السرطان-في-دول-الخليج-5

شكل رقم (1): حالات السرطان المسجّلة والمتوقّع تسجيلها بين مواطني دول مجلس التعاون الخليجي في المدة (1998- 2030م)

وكانت أكثر أنواع السرطان شيوعاً لدى الذكور سرطان القولون والمستقيم بعدد 8.029 حالة بنسبة (10%) من إجمالي عدد السرطان لدى الذكور، يليه في المرتبة الثانية سرطان الجهاز اللمفاوي غير هودجكين بعدد 6.931 حالة ونسبة (8.7%)، يليه سرطان الدم (ابيضاض الدم) بعدد 6.348 حالة (7.9%)، وجاء سرطان الرئة في المرتبة الرابعة بعدد 5.762 حالة (7.2%)، ثم سرطان الكبد في المرتبة الخامسة بعدد 5.618 حالة ونسبة (7%) من إجمالي عدد الحالات لدى الذكور من مواطني دول مجلس التعاون. بينما جاء سرطان الثدي في المرتبة الأولى كأكثر أنواع السرطان شيوعاً لدى النساء في جميع دول مجلس التعاون الخليجي بعدد إجمالي 21.772 حالة ونسبة (25.4%)، يليه في المرتبة الثانية سرطان الغدة الدرقية بعدد 8.237 حالة (9.6%) ثم سرطان القولون والمستقيم بعدد 6.852 حالة (7.9%)، ثم سرطان الجهاز اللمفاوي غير هودجكين بعدد 4.926 حالة (5.7%)، وسرطان الدم (ابيضاض الدم) في المرتبة الخامسة بعدد 4.721 حالة ونسبة (5.3%) من إجمالي عدد الحالات لدى المواطنات في دول مجلس التعاون

السرطان-في-دول-الخليج-4

جدول رقم (1): توزيع حالات السرطان الأكثر شيوعاً حسب الجنس لدى مواطني دول مجلس التعاون المسجّلة في المدة (1998- 2012م)

ولأن معدل هذه الإصابات يزداد بزيادة عدد السكان فإنه من المتوقع أن تتضاعف الأعداد المكتشفة في دول مجلس التعاون خلال العقدين المقبلين، خصوصاً عند الأخذ في الحسبان أن في المملكة العربية السعودية وحدها يتوقّع أن يرتفع عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً أكثر من سبعة أضعاف خلال العقدين المقبلين، وهو ما يزيد العبء على النظام الصحي في دول المنطقة بشكل خاص.وتظهر السجلات الوطنية للسرطان في دول مجلس التعاون وجود درجة كبيرة من التباين في أنواع أمراض السرطان ونسب انتشارها مقارنةً بدول العالم؛ فعلى سبيل المثال: يحتلّ سرطان الغدد اللمفاوية لدى الرجال المرتبة الأولى بنسبة قدرها 8.8% من إجمالي حالات الأورام المسجلة لدى الجنسين، بينما لا تتجاوز نسبته 3% في الدول الغربية. كما تشير بعض الدراسات السريرية إلى وجود فارق في المراحل العمرية للإصابة ببعض الأورام السرطانية، وكذلك في درجة الاستجابة للعلاج، مقارنةً بالدول الأخرى؛ فتشير التقارير الإحصائية الصادرة عن المركز الخليجي لتسجيل السرطان إلى أن ما يزيد على 50% من حالات السرطان المشخصة للمرضى الخليجيين يُكتشف في مراحل متقدمة من المرض، كما أن أكثر الإصابات تشخص ضمن فئات عمرية أقلّ من المعدلات العمرية في الدول المتقدمة.

جدول رقم (2): توزيع حالات السرطان الأكثر شيوعاً حسب الجنس في دول مجلس التعاون الخليجي خلال المدة (يناير 1998- ديسمبر 2012م)

السرطان-في-دول-الخليج-6

مملكة البحرين

السرطان-في-دول-الخليج-7

دولة الكويت

 

سلطنة عمان

سلطنة عمان

 

السرطان-في-دول-الخليج-9

 

دولة قطر

دولة قطر

السرطان-في-دول-الخليج-11

المملكة العربية السعودية

السرطان-في-دول-الخليج-12

الإمارات العربية المتحدة

وأدى التقدّم السريع في مجال الرعاية الصحية بمختلف فئاتها الأولية والثانوية والمتقدمة إلى إمكانية السيطرة على مرض السرطان، وزياد فرص الحياة؛ فتشير كثير من الدراسات العالمية إلى أهمية تثقيف المجتمع بعوامل الخطورة، واتّباع أنماط الحياة الصحية. وأكّدت منظمة الصحة العالمية ضرورة مكافحة التبغ والتدخين بجميع أشكاله، والتشجيع على الإقلاع عن استخدامه، وأهمية اتّباع العادات الغذائية الصحية، وممارسة النشاط البدني، والمحافظة على الوزن الصحي. ويوضّح عدد من الدراسات أن ما يقارب 40% من أمرض السرطان يمكن الوقاية منها، و40% أخرى يمكن شفاؤها بإذن الله، إذا جرى تشخيصها مبكراً، وخضعت للعلاج السريع، مع إمكانية التعامل مع النسبة المتبقية من المرضى، وقدرها 20%، من خلال تقديم رعاية تلطيفية متقدمة تقلّل من معاناة المرضى، وتخفّف آلامهم.

ويُطلق المركز الخليجي لمكافحة السرطان الأسبوع الخليجي للتوعية بالسرطان تحت شعار (40×40) في جميع دول مجلس التعاون خلال الأسبوع الأول من شهر نوفمبر من كل عام في إطار تعزيز دور المجتمع المدني، وتدعيم المشاركة المجتمعية في مجالات مكافحة أمراض السرطان بشكل تكاملي لتعزيز الصحة في مختلف المجالات المجتمعية والتوعوية والدينية والاقتصادية، مع التركيز في دور حماية صحة المجتمع.

السرطان-في-دول-الخليج-14

المراجع:

(1) قرارات مجلس وزراء الصحة في دول مجلس التعاون الخليجي.

(2) الخطة الإستراتيجية التنفيذية لمكافحة السرطان في دول مجلس التعاون (2016- 2025م).

(3) التقارير الإحصائية لمعدلات الإصابة بمرض السرطان في دول مجلس التعاون الخليجي في المدة (1998- 2012م)، الصادرة عن المركز الخليجي لمكافحة السرطان.

(4) التقرير الدولي لأمراض السرطان عام 2014م، الصادر عن منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *