الذكاء الاصطناعي يساعد ضحايا الحروق

يحتاج الأطباء إلى سنوات، بل عقود من الزمن، لكي يكتسبوا الخبرة التي تمكّنهم من ملاحظة التفاصيل التي تظلّ بعيدةً من إدراك العين غير المدرّبة، وقد تشكّل هذه المهارة -اعتماداً على تخصّص الطبيب- الفرق بين طبيب الأورام الذي يميّز ورماً خبيثاً من كيس حميد، ويمكنها مساعدة طبيب القلب على تحديد سرعة تدفّق الدم عبر ثقبٍ موجودٍ في القلب، أو معرفة جرّاح التجميل إذا كان أحد الحروق الشديدة في طريقة إلى الاندمال كما ينبغي أم أنه عرضة لخطر العدوى؛ فلا شيء مما سبق يُعدّ سهلاً ما لم تكن تعرف كيف ترى بطريقة معينة.

يقول جوناثان كانيفسكي؛ جراح التجميل في المركز الصحي التابع لجامعة ماكجيل في مونتريـال: «كلما قطعتُ شوطاً أبعد في تدريبك صرت أقدر على ملاحظة الفروق الدقيقة، لكن كلّ طبيب مقيّد بعدد الحالات التي اطّلع عليها خلال مشواره المهني». وبإمكان الذكاء الاصطناعي تغيير هذا كلّه؛ فالتخصّصات الطبية التي تعتمد اعتماداً كبيراً على تكنولوجيات التصوير توشك أن تشهد تحولاً كبيراً في عصر التعلّم الآلي، وهو نوع من أنواع الذكاء الاصطناعي تستطيع فيه أجهزة الحاسب الآلي التي تعرّضت لمجموعات بيانات هائلة أن تخرج تلقائياً باستنتاجات من واقع ما تراه. ويمكن لاستخدام كميات هائلة من الصور الطبية إحداث ثورة في الرعاية الصحية كما يقول كانيفسكي؛ لأن «الأشياء التي تشتمل على مكوّن مرئي يمكن ترجمتها إلى صورة، ويمكن عندئذٍ ترجمة هذه الصورة إلى نقطة بيانات، ويمكن استخدام هذه النقطة في التعلّم الآلي».

الذكاء-الاصطناعي-2ونستطيع أن نقول بعبارة أخرى: آلات اليوم على مستوى كافٍ من التطور لكي تستمد رؤى ثاقبةً غير بادية للعيان من صور معقّدة، ولولا ذلك سيغيب هذا المنظور عن ملاحظة البشر، حتى عن أولئك الأكثر خبرةً وتمرّساً منهم؛ فبالتدريب المناسب تستطيع الآلات أن تُري الأطباء البشر ما لا يرون، يقول كانيفسكي: «على سبيل المثال: ما نمط العدوى المعيّنة التي تتسبّب فيها بكتريا معينة؟»؛ فمثل هذا النمط قد يكون دقيقاً جداً لدرجة أن يتعذّر على البشر معرفته، ومع ذلك تستطيع آلة تعتمد على مجموعة بيانات كبيرة بما يكفي أن تميّزه. ويعطينا كانيفسكي مثالاً آخر، عائداً بذاكرته إلى مريض عالجه مؤخراً من إصابة ألمّت به في انفجار خزان لغاز البروبان، يقول كانيفسكي: «الحروق مشكلة كبيرة»؛ لعددٍ من الأسباب؛ فمن أول الأشياء التي كان يجب عليه هو وزملاؤه فعلها استجابةً لذلك الموقف تقييم مدى إصابات المريض، ومن الطرائق التقليدية لأداء تلك المهمة في مجال جراحة التجميل افتراض أن مساحة سطح راحة يد المرء تساوي 1% من جسمه، وهي طريقة ليست مضبوطة أو حتى دقيقة بالضرورة؛ إذ يقول كانيفسكي: «إننا نستخدم تقديراً بدائياً جداً»، لكن من المهمّ أن يتوصّل الأطباء إلى تقديرٍ؛ لأن معرفة مقدار ما هو محروق من جسم الشخص مؤشّر على عُرضته للموت، وتساعد الأطباء على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن أفضل طريقة للعلاج، بما في ذلك تقييم مقدار ما يحتاج إليه المصاب من سوائل عن طريق الوريد في الأيام الأولى التالية للإصابة، وتحديد نوع الاستجابة الجراحية الأنسب له. وتستطيع الخوارزميات بالفعل تحديد مدى عمق الحرق، والتنبّؤ بدقةٍ بالمدة التي سيستغرقها اندمال هذا الحرق.

وبالفعل، توجد في المتناول تطبيقات تعلّم آلي لم يكن يتخيّلها عقل في السابق لتوفير الرعاية للمرضى الأفراد وفقاً لمقالٍ عن التعلّم الآلي نشرته مجلة الجمعية الطبية الأمريكية في فبراير الماضي، وتوجد على الأقلّ عشر شركات مبتدئة متخصّصة في الذكاء الاصطناعي، وينصبّ تركيزها على الرعاية الصحية، ومع ذلك فما زال هناك كثير من العمل الذي يجب القيام به قبل أن يعهد الأطباء الإكلينيكيون بعياداتهم إلى الآلات، «ولا تقلقوا أيها الأطباء؛ فلن تحلّ الروبوتات محلّكم الآن»؛ لأن تعليم الآلة يستغرق وقتاً، والتعلّم تحت إشرافٍ يحتاج إلى إمداد الحاسب الآلي بتغذية استرجاعية عن طريق تأكيد صوابه عندما يكون مصيباً، ووضع العلامات على الصور وتصنيفها، و«تدريب الخوارزمية حتى يمكنها أن تقول: يبدو لي أن هذا الجرح سيندمل» على حد قول كانيفسكي. وبالاهتمام الكافي، والبيانات البكر، يمكن للطريقة التي ترى بها الآلة أن تتفوّق بسرعة على قدرة البشر؛ فعلى سبيل المثال: تملك شركة إنليتيك المبتدئة المتخصّصة في التعلّم المتعمّق خوارزميةً أدقّ بنسبة 50% من اختصاصيي الأشعة البشر في اكتشاف سرطان الرئة على حدّ قول الشركة.

الذكاء-الاصطناعي-3وفي سياقات أخرى، أثبتت الآلات أنها تضارع الأطباء البشر على الأقلّ في أداء مهام حاسمة؛ فقد ذكر كاتبو إحدى المقالات المنشورة في مجلة (ميديكال إيمدج أناليسيس) المتخصّصة في تحليل الصور الطبية عام 2012م أن هناك «تطبيقات كثيرة يتساوى فيها أداء الأنظمة المستندة إلى التعلّم الآلي مع أداء اختصاصيي الأشعة المتمرسين»، وكان ذلك من أربع سنوات، وهي مدة تساوي دهراً بمقاييس الذكاء الاصطناعي.

يُؤمن كانيفسكي بأن التعلّم الآلي سيسمح بوجود ما يشبه الصندوق الأسود في الطب، في ظلّ قيام خوارزميات معقّدة بتسجيل وفكّ تشفير جوانب مستعصية من جوانب صحة المرء على مستويات لم تكن ممكنة قطّ، ولو جمعنا بين البُشرى التي يحملها التعلّم الآلي والكميات الهائلة من البيانات التي يمكن جمعها من خلال الأجهزة الفردية القابلة للارتداء سيكون بإمكان الأطباء البدء بالاعتماد على «الخوارزميات التي تستطيع تحقيق الاستفادة المثلى من المعلومات الشخصية في الزمن الحقيقي» -كما قال كاتبو المقال المنشور في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية- لاكتشاف الشذوذات، واختيار طرائق العلاج. وستشهد التكنولوجيا المستخدمة في تسجيل بيانات المرضى تحسّناً مذهلاً في حدّ ذاتها، يقول كانيفسكي: «سيكون اقتران هاتين القوتين -الذكاء الاصطناعي، وتطوّر تكنولوجيا التصوير- شيئاً عظيماً».

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *