علاج السرطان: علاج كيميائي مُفعم بالحياة

بينما تستعدّ الخلية للانقسام فإن هناك قطعاً صغيرةً من هيكلها العظمي الداخلي، تُعرف باسم (الأنابيب الدقيقة)، تنظّم نفسها في هيئة مغزل يسمح بالكروموسومات المكملة لها بالانقسام إلى حزمتين، وتمضي هاتان الحزمتان فتصبحان نواة الخلايا الوليدة؛ لذلك فإن تشكيل المغزل يعدّ جزءاً حاسماً من عملية الانتساخ. ولأن انتساخ الخلايا الخارج عن السيطرة هو السبب الكامن وراء الإصابة بالسرطان، فقد حازت مسألة تطوير عقاقير تتداخل مع نشاط الأنابيب الدقيقة على اهتمام كبير منذ مدة طويلة. ولسوء الحظ، تعمل معظم الأدوية التي تمّ تطويرها لهذه المهمة على تخريب الأنابيب الخاصة بكلٍّ من الخلايا السرطانية والسليمة، وهو ما يتسبّب في آثار جانبية رهيبة، ويعني أنه يتوجّب على الأطباء استخدام جرعات أقلّ من المثالية إذا كان هدفهم الوحيد هو القضاء على السرطان. لكن أوليفر ثورن- سيشولد وديرك ترونر، وهما كيميائيان في جامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونيخ بألمانيا، يأملان في تغيير هذا الوضع؛ فهما يحاولان تطوير عقار يتحكم في الأنابيب الدقيقة، ويمكن تبديل وضعه بين التشغيل والإيقاف باستخدام الضوء.

ليست فكرة العلاج الكيميائي المُتحكَّم فيه بصرياً بالجديدة، وقد حاولت عدة فِرق طبية تضمين العقاقير في أقفاص جزيئية يمكن فتحها من خلال تسليط الضوء عليها؛ لأن توجيه الضوء في المكان المناسب من شأنه أن يضمن عدم تحرير العقار إلا في المنطقة التي يكون فيها مفيداً. وكان هذا التفكير ذكياً بقدر الهدف المنشود، لكن ذلك يعني أنه بمجرد تحرير العقار لا يمكن استعادته أو السيطرة عليه، ويظلّ بإمكانه أن يُحدث أضراراً جانبيةً، وإن كان أقلّ من عقار غير مُتضمَّن في قفص جزيئي، وإضافةً إلى ذلك كان الضوء المطلوب لفتح القفص يتكوّن من أشعة فوق بنفسجية مكثّفة، وهذا الأمر -في حدّ ذاته- ضارّ جداً. لذلك فكّر الدكتور ثورن- سيشولد والدكتور ترونر في أنه من الأفضل لهما البدء من الصفر، وأن يحاولا العثور على جزيء يعمل بوصفه عاملاً معطّلاً للأنبوب الدقيق، لكنه يتمتّع في حدّ ذاته بحساسية للضوء بطريقة تسمح بتبديل وضعه بين الإيقاف والتشغيل. ويعتقد الكيميائيان أنهما اكتشفا مثل هذا الجزيء في صورة مادة تسمى (كومبريتاستاتين)، وهي موجودة في لحاء شجرة صفصاف الدغل bushwillow في جنوب إفريقيا؛ إذ تحتوي هذه الشجرة على عدة أنواع من مادة كومبريتاستاتين، وهي مواد جيدة بشكل ملحوظ في تعطيل نشاط الأنابيب الدقيقة، الذي يفترض أن يساعد على حماية النباتات من الآفات والطفيليات. وقام الدكتور ثورن- سيشولد والدكتور ترونر بفحص النسخة المعروفة باسم كومبريتاستاتين A-4 فحصاً دقيقاً، وهي تظهر في ترتيبتين يُعرفان باسم (الأيزومرات)؛ إذ يكون لهما الصيغ الكيميائية نفسها، لكن بأشكال مختلفة، وأحد الأيزومرات معطّل ضعيف لنشاط الأنابيب الدقيقة، بينما الآخر يعمل بكفاءة كبيرة، والسؤال الذي ينبغي على الباحثين الإجابة عنه هو: كيف يمكن تحويل أيزومر إلى الآخر باستخدام شعاع ضوء، وكذلك إعادته إلى حالته الأولى مرة أخرى؟ وقادهما القليل من جلسات توليد الأفكار الكيميائية الجديدة إلى إدراك إمكانية القيام بعمليتي التحويل على حدٍّ سواء من خلال استبدال ذرات نيتروجين باثنين من ذرات الكربون المتجاورة في الجزيء، وتعني الرابطة الكيميائية التي تمّ توليدها على هذا النحو أن الأيزومر غير السامّ، الذي لا يفعل سوى القليل لتعطيل الأنابيب، يتغيّر إلى آخر شديد السُمِّيَّة عند تسليط ضوء أزرق عليه، ويتم عكس هذا التحويل بكلّ بساطة عن طريق إيقاف تشغيل الضوء، وعلى عكس الأشعة فوق البنفسجية يُعدّ الضوء الأزرق غير ضارّ.

ويفيد الباحثان في مجلة (سيل Cell) بأن نظامهما يعمل بنجاح في طبق بيتري؛ فقد قاما بخلط مادة كومبريتاستاتين المعدَّلة، التي يسمّونها (فوتوستاتين photostatin)، بخلايا سرطان الثدي، ثم تركا بعض العينات في الظلام، بينما قاما بتعريض الأخرى لنبضات من الضوء الأزرق كلّ خمس دقائق، وأثبت العقار أنه أكثر سُمِّيَّة 200 مرة عند تعريضه للضوء بهذه الطريقة عما كان عليه في الظلام، بل صار أكثر سُمِّيَّة 250 مرة ضعف قوته في الظلام عند تعريضه للأشعة البنفسجية. وعلى العكس من ذلك، كان أكثر سُمِّيَّة بنسبة 75 مرة فقط عند تعريضه للضوء السماوي؛ لذلك تبدو مركبات فوتوستاتين كما لو أنها قابلة للضبط لإحداث تأثير معين حسب المطلوب.

كثيراً ما يتمّ الإعلان عن علاجات جديدة محتملة للسرطان، لكن لا يخرج منها إلى النور شيء؛ ففي الواقع لا يخرج من المختبر إلى العيادات الطبية إلا أقلّ القليل، وإذا تغلّبت مركبات فوتوستاتين على الصعاب فستُحدث تقدّماً لافتاً للنظر. وينصبّ التركيز المألوف للأورام في الوقت الراهن على حشد الجهاز المناعي لمهاجمة المرض، ويؤكّد مثل هذا العمل أنه مازالت هناك حيوية في الأفكار التي ترمي إلى تحسين طرائق التعامل الأقدم مع المرض أيضاً.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *