واحة العلوم

البشر بعد 100 ألف سنة من الآن

هل توجد لدينا أيّ نماذج علمية تتعلّق بكيفية تغيّر جسمنا ومخنا وقدرتنا على الحركة وغير ذلك خلال المدة (10- 100) ألف سنة المقبلة؟ هذا الأمر هو ما سنعرفه هنا.

جميع صور الحياة على وجه الأرض في تطور مستمر، وهي عملية لا تتوقف، والبشر بوصفهم كائنات حية ما زالوا في تطور، والسؤال الآن: هل أصابنا التطور بأيّ طريقة؟ الإجابة في الواقع: نعم؛ فهناك آلاف الجينات التي تطورت حديثاً في الأربعين ألف سنة الأخيرة، ومن بين التغيّرات التي نراها مقاومة الأمراض، والزيادة في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، والأعين الزرقاء؛ فالتحليل الوراثي يقول: إن أول إنسان أزرق العينين ظهر منذ نحو 6-10 آلاف سنة في منطقة البحر الأسود، ولسبب ما غير معروف صار هذا النمط الظاهري شديد الشيوع؛ إذ تمخّض عن فرصة تكاثر أكبر بنسبة 5%، ويوجد الآن نحو نصف مليار شخص من ذوي الأعين الزرقاء.

هناك مثال آخر شهير يتمثّل في الهيموجلوبين المنجلي، وهو جين يُكسب البشر مناعةً ضد مرض الملاريا القاتل الأول للبشر؛ لذلك كان منطقياً أن ظهرت طفرة جينية في نهاية المطاف تجعل خلايا الدم الحمراء لدى البشر مقاومة لطفيليات الملاريا، وقد ظهر هذا الجين بكثرة بين القطاعات السكانية العرضة للملاريا في منطقة جنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا. والمؤسف أن هذا الجين ذاته يسبّب أيضاً مرض فقر الدم المنجلي؛ فكلّ إنسان منا لديه نسختان من كلّ جين في جسمه؛ إحداهما موروثة من أمه، والأخرى من أبيه، ولو كانت واحدة فقط من هاتين النسختين هي جين الهيموجلوبين المنجلي الطافر المقاوم للملاريا فلا ضير عليك في ذلك، أما إذا كانت كلتا النسختين طافرتين فإنك تُصاب بمرض الخلايا المنجلية. والنبأ السار هو أن هناك جينات أخرى كثيرة تُكسب الإنسان مقاومةً ضد الملاريا، كما بدأنا نرى أيضاً جينات أخرى مقاومة للجذام والسل آخذة في الظهور كذلك.

من الأمثلة الأخرى على ذلك الجين المسؤول عن تحمّل اللاكتوز؛ فقد كان الإنسان البدائي يشرب اللبن وهو رضيع، ثم لا يعود إلى شربه أبداً بعد ذلك؛ لذا كانت كمية إنزيم اللاكتاز، الذي يقوم بهضم نوع شائع من السكر موجود في اللبن، وهو اللاكتوز، تنخفض بعد مضيّ بضع سنوات من العمر، لكن مع مرور الوقت تطوّر البشر على نحو جعل قطاعات سكانية معينة تظلّ تنتج الإنزيم حتى مرحلة متأخرة من البلوغ. وكما هو متوقّع، تظهر سمة تحمّل اللاكتوز غالباً في المناطق التي تطوّرت فيها صناعة الألبان أولاً، وصارت فيها الألبان جزءاً مهماً من النظام الغذائي (العرق القوقازي). ويُفترض أن تحمّل اللبن لم يتطوّر إلا منذ نحو 3-8 آلاف سنة، وهو يوجد الآن بين نحو 95% من سكان شمال أوروبا.

فهناك كثير من البشر يُولدون من دون ضرس عقل، أو تنمو ضروس العقل لديهم في مرحلة متأخرة عن الطبيعي إن نمت أصلاً. وكانت ضروس العقل نافعةً قبل ظهور السكاكين والطهي عندما كان البشر يفقدون ضروسهم بسبب مضغ الأطعمة الصلبة، ويحتاجون إلى ضروس العقل بديلاً للحلول محلها. أما اليوم فهناك 35% من البشر يفتقرون إلى ضروس العقل على الرغم من أن الجينات المسؤولة عن ذلك غير معروفة؛ لذلك فنحن لا نعرف بعدُ لماذا يحدث ذلك؟

إذاً، كيف ستبدو هيئتنا بعد 100 ألف سنة من الآن على افتراض أنه سيُكتب لنا البقاء حتى ذلك الوقت من المستقبل؟ حتى لو تجاهلنا التكنولوجيات الجديدة، والسفر بعيداً من كوكب الأرض، ومختلف ضغوط الانتخاب الطبيعي، يظلّ التطور يحمل إلينا مفاجآته بالطفرات العارضة؛ فمنذ عشرة آلاف سنة لم يكن هناك أحد لديه عينان زرقاوان؛ فمن ذا الذي يمكنه من البشر أن يتنبّأ بما يخبّئه لنا التطور بعد عشرة آلاف سنة من الآن؟

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *