د. خالد قطب - أستاذ فلسفة العلوم في قسم العلوم الإنسانية بكلية الآداب والعلوم في جامعة قطر

هل العلم في حاجة إلى فلسفة؟

وصل العلم في نهاية القرن العشرين إلى نهاية حقبة جمعت بين ثلاث ثورات علمية تمتزج معاً وتتزاوج على نحو لم نشاهده من قبلُ في تاريخ العلم، ويحول هذا الأمرفي بعض الأحياندون أن نعي المخاطر الناجمة عن عمليتي التمازج والتزاوج هاتين؛ فقد امتزجت في هذه الحقبة ثورة الكوانتم وثورة البيولوجيا الجزيئية وثورة الحاسوب (الكمبيوتر)، وتوصّل العلماء إلى القوانين الأساسية التي تحكم المادة (ثورة الكوانتم)، والحياة (ثورة البيولوجيا الجزيئية)، والمعلومات (ثورة الحاسوب)؛ فمكّنت فيزياء الكوانتممع بدايات القرن الحادي والعشرينالعلماء من فتح آفاق جديدة داخل العلم ذاته، وأعني بذلك القدرة على التحكم في المادة، وتصميم أشكال جديدة منها حسب الرغبة. كما امتد تأثير هذه النظرية إلى التطورات التي حدثت في مجال الحاسوب، حتى تمّ اكتشاف الترانزستور (الشرائح والأنظمة الذكية)، والليزر الذي جعل شبكة المعلومات (الإنترنت) ممكنةً ومتاحةً لمستخدميها.

واستطاعت أيضاً ثورة البيولوجيا الجزيئية أن تمكّننا من قراءة الشفرة الوراثية للحياة؛ فأصبحت الحياة كتاباً مفتوحاً، بل غدا التحكم في الحياة يدور في فلك إرادتنا عن طريق نشأة نوع جديد من الطب يُسمَّى (الطب الجزيئي)، الذي يكافح الأمراض على مستوى الجزيئات، والتنبؤ بالأمراض قبل حدوثها.

ironmanباتت هذه الثورات الثلاثإذاًتشكّل مجتمعةً نظاماً معرفياً متكاملاً، وبدأنا ندرك أن المشكلات الكبيرة، والأخطار المباشرة، ودواعي القلق الحقيقية، غير مرتبطة بالضرورة بهذه الثورة أو تلك منفردةً، بل بتفاعل الثورات الثلاث معاً وتأثيراتها المتبادلة؛ لذلك تمثّل لحظة التمازج والتزاوج الراهنة التي نعيشها منعطفاً حاسماً في العلم وعلى مستوى الحياة الواقعية التي نعيشها، بل يمكن القول: إن هذا المنعطف من أهم المنعطفات التي مرّت على البشرية طوال تاريخها الطويل. والخطورة في هذه اللحظة التاريخية أن البشرية تمضي فيها بسرعة هائلة في مناخ يشهد تطرّفاً في كل شيء، خصوصاً في الممارسات التي تتمّ في بعض العلوم، ومنها العلوم البيولوجية على سبيل المثال؛ كاستعمال أنسجة تحمل جراثيم فتّاكة لنقلها إلى أجساد أخرى؛ إذ تقوم بعض الشركات العاملة في تجارة الأنسجة البشرية، والسماسرة في هذا المجال، بأخذ أجزاء من الجثث وإعدادها لبيعها، كما تتّجه بعض هذه الشركات إلى زيادة استثماراتها وجنيها الأموال عن طريق فتح مراكز علمية طبية لإنتاج الخلايا الجذعية من الأجنة الناتجة من عمليات الإجهاض، أو تلك التي يتمّ إلقاؤها في سلة المهملات الطبية، وهذه الأجنة يمكن استنساخها والمحافظة عليها مدةً ليست بالقصيرة لاستخدامها في إنتاج الخلايا الجذعية، أو الممارسات المشبوهة في تجارة الأعضاء البشرية وتهريبها، ويبلغ حجم هذه التجارة مليارات الدولارات. وغدا تهريب الأعضاء البشرية تجارةً دوليةً رائجةً؛ فقوائم الانتظار الطويلة للمرضى على مستوى العالم، المضطرّين إلى زراعة عضو بشري، أنشأت سوقاً رائجةً للمتاجرة بالأعضاء البشرية، وتبنّى هذه التجارة المهرّبون وجماعات الجريمة المنظمة الدولية. كما بدأ يتردّد في مجال التقنية البيولوجية ما يُسمَّى بـ(الإرهاب البيولوجي)؛ إذ سيتمّ إنتاج الجراثيم والوسائل التقنية التي تنقل هذه الجراثيم المسبّبة للأمراض الفتاكة.

أثارت هذه التطورات المتسارعة في العلوم، خصوصاً البيولوجية، في العقد الأخير من القرن العشرين مخاوف كثيرة، بل ربما لم يسبق لأيّ قرن أن أثار هذا المستوى من الخوف والخشية، وأدخلهما في وعي الإنسان، فزالت الثقة في العلم والعلماء والمعرفة العلمية ذاتها. والآن عندما يُعلن عن كشف جديد في هذه العلوم فإن الأسئلة الحائرة تبدأ في الظهور، من قبيل: ما المنافع التي ستُجنى من هذا الكشف أو ذاك؟ وما الضرر الذي يؤثر في الإنسان ليعجّل من نهايته؟

وأدّت كلّ هذه التحديات، التي ترتبطبشكل مباشر أو غير مباشربالعلم وتطوره وتقدّمه، إلى طرح أسئلة ومخاوف كثيرة، منها على سبيل المثال: هل هذه الكوارث التقنية والمشكلات البيئية التي أصبحت غير قابلةفي أحيان كثيرةللتحكم فيها أو السيطرة عليها، وتزايد الخلل في التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين الدول الفقيرة والغنية، يقودان إلى الارتياب في العلم ذاته، والمعرفة العلمية الناتجة منه أيضاً؟ وهل إنسان القرن الحادي والعشرين لديه الاستعداد الأخلاقي أو القيمي الذي يتناسب مع التقدّم العلمي المتسارع؟

نخلص إلى القول: إن التطورات التي شهدها العلم في السنوات القليلة الماضية تحتّم وجود فلسفة للعلم تطرح خطاباً معرفياً جديداً يُبرز: العلاقة المتداخلة بين الفلسفة بمعناها غير التقليدي والعلم في تصوّره الجديد، والتداخل بين الوقائع والقيم في العلم والمعرفة العلمية الناتجة منه.

التداخل بين الفلسفة والعلم

حاول كثير من العلماء والفلاسفة الكلاسيكيين وضع مجموعة من الفروق والاختلافات الجوهرية بين العلم والفلسفة؛ لكي يصلوا منها إلى نتيجة تقول: لا يمكن أن تكون ثمة علاقة بين الفلسفة والعلم، أو أن يوجد أيّ ترابط بينهما؛ فعلى سبيل المثال: يهدف العلم إلى وصف الظواهر والأحداث في الطبيعة، بينما تهدف الفلسفة إلى تفسير بعض الظواهر تفسيراً كلياً شاملاً لا يهتمّ بالجزئيات والتفاصيل، والعلم وصفي في الأساس لذلك فهو يستحقّ عن جدارة سمة الموضوعية؛ لأنه يلجأ إلى الملاحظة والتجربة في كلّ المراحل التي تتّخذها النظرية العلمية حتى تكون نظريةً علميةً صادقةً، بينما الفلسفة تأمّلية نظرية ذاتية لا يمكن فيها فصل ذات الفيلسوف بخلفياته وميوله الثقافية والسياسية الأيديولوجية عن فكره الفلسفي الذي يقدّمه على هيئة فلسفة، فضلاً عن أن حدود الفلسفة تتجاوز العالم المحسوس لتبحث في قضايا ما وراء هذا العالم، بينما حدود العلم هي حدود العالم المحسوس الذي نراه ونلمسه، ولا يتجاوزه بأيّ حال من الأحوال، وجعل هذا الأمر العلم يعتمد في حكمه على أحكام تقريرية، بينما الأحكام التي تعتمد عليها الفلسفة هي أحكام معيارية؛ أي: أحكام تبحث فيما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني وفقاً للقيم الكبرى التي هي قيم الحق والخير والجمال. وأخيراً، فإن العلموفقاً للتصور الكلاسيكي الذي يعدّد الفروق والاختلافات بينه وبين الفلسفةمنفصل عن تاريخه؛ لأن تاريخ العلم لا يمكن أن يفيد العلم المعاصر بأيّ حال من الأحوال؛ لأن النظريات والنتائج التي يزخر بها تاريخ العلم تمّ تجاوزها، وأصبحت في سلّة مهملات العلم، بينما الفلسفة لصيقة بتاريخها، ولا يمكن انفصالها عنه؛ لأنه هو مادة التفلسف. لكن هذه النظرة تجعل العلاقة بين العلم والفلسفة علاقة تصارع؛ لأنها تغفل عمداً حاجة العلم إلى الفلسفة، وحاجة الفلسفة إلى العلم.

%d8%a7%d9%84%d8%a9صحيحٌ أن الفلسفة والعلمبوصفهما مظهرين ثقافيينيسعى كلّ منهما بطريقته إلى الوصول للحقيقة أو الصدق، وهو ما يؤكّده تاريخ الفلسفة والعلم معاً؛ لأن هذا التاريخ هو تاريخ العقل الإنساني ذاته الذي يسعى إلى كشف المجهول على المستويين الإنساني والطبيعي؛ فإذا كان منهج الفلسفة هو منهج السؤال بهدف الكشف عن غموض العالم من حولنا من أجل الإنسان ذاته فإن منهج العلم يسعى إلى تحقيق هذه المهمة أيضاً من خلال البحث عن الوسائل التي تحقّق لنا السيطرة على الطبيعة من أجل رفاهية الإنسان. وعلى طول تاريخ سعي الفلسفة والعلم نحو تحقيق هذه المهمة وجدنا تقدّماً على المستويين الفكري العقلي (الفلسفة)، والنظري التطبيقي العملي (العلم)، وهو ما يدلّ على أن أيّ تقدّم منشود في المستقبل يستلزم وجود الفلسفة والعلم معاً، أو قُل: وجود فلسفة العلم القادرة على وضع منظومة معرفية علمية يُدرك على أساسها الإنسانُ العالمَ من حوله ويفسّره؛ إذ من دون هذه المنظومة المعرفية العلمية التي تضعها فلسفة العلم يتحوّل وعي الإنسان إلى مجرّد آلة أو ظاهرة بيولوجية تخضع للدراسة وفقاً لمناهج العلوم الرياضية والفيزيائية البحتة. ولما يشهده واقعنا العربي من تراجع على مستوى التفكير العلمي من جهةٍ، ومستوى التفكير الفلسفي من جهة أخرى، بات من الضروري إيجاد فلسفة للعلم تقدّم لنا نظرةً شاملةً نعي من خلالها العلم؛ لأن هذا الوعي يساعدنا على فهم الأبعاد الحضارية والثقافية التي تساعد على التقدم العلمي الذي نحن في حاجة ماسة إليه.

لقد سادت في المرحلة المتأخرة من القرن العشرين رؤية عقلانية تؤكّد أن أساسيات الفهم العلمي الصحيح للظواهر والأحداث التي تدور في العالم الطبيعي لا تعتمد على مجموعة من القوانين الثابتة والجامدة، وإنما تتدخل في هذا الفهم التفسيرات الإنسانية للظواهر، والخلفيات المعرفية والقيم التي تحرّك هذا العالِم أو ذاك الفيلسوف؛ لذلك انتفت الموضوعية المحايدة الساذجة من العلم، كما انتفت فكرة وجود منهج علمي فردي ثابت يتميّز بالتناسق والدقة والصرامة، وهو ما أدّى إلى انتفاء أشكال السلطة المعرفية العلمية والفلسفية المختلفة التي تحاول فرض الشرعية وفق قواعد وأهداف ومناهج ونظريات بعينها على كلّ إنجاز علمي أو فلسفي، إضافةً إلى رفض هذه الرؤية العقلانية الصدق المطلق أو الحقيقة المطلقة في العلم والفلسفة معاً؛ ذلك الصدق الذي كان يهدف إلى تمييز نظرية علمية أو فلسفية من أخرى. ومن هذا المنطلق رفضت الرؤية العقلانية السمة المحافظة التي اتّصف بها العلم الكلاسيكي، وكذلك الفلسفة الكلاسيكية؛ تلك الطبيعة التي كانت تتّجه نحو الاستقرار والثبات، وتتّجه إلى تثبيت كلّ وضع قائم وتسويغه بوصفه أفضل الأوضاع الممكنة.

ومن جهةٍ أخرى، تقدّم لنا فلسفة العلم الوسائل التي تمكّننا من فهم ظاهرة العلم وكيفية تقدّمه في عصر من العصور. كما تقدّم فلسفة العلم الوسائل التي نعرف من خلالها الأسباب التي تؤدي إلى تراجع العلم ذاته؛ لذلك يمكن القول: إن فلسفة العلم تساعد العلماء على فهم أكبر للعالم، وهو ما ينعكس على القرارات المصيرية التي يتّخذها العلماء في بعض الأحيان بشأن القضايا الكبرى التي يكون لها تأثيرها في المجتمع؛ كقضايا البيئة، والهندسة الوراثية، والقوى النووية، وغيرها من القضايا المهمة، فضلاً عن أن فلسفة العلم تقدّم حلولاً متعددةً، وإجابات متنوعة، للمشكلات والأسئلة التي تركها العلماء بلا حلّ أو إجابة؛ لاعتقادهم أنها ليست مشكلات على الإطلاق، أو لظنّهم أن الأسئلة المثارة من الفلاسفة ليس لها معنى، كتلك الأسئلة التي تركها البيولوجيون من دون إجابات، مثل: ما مفهوم الإنسان وطبيعته؟ وما معنى الحياة والغرض منها؟

لنفترض أن شخصاً ما ادّعى أنه لا يوجد أيّ سؤال لم يستطع العلم الإجابة عنه لا في الماضي ولا في الحاضر، وأن أيّ سؤال لم يستطع العلم الإجابة عنه يعدّ سؤالاً زائفاً لا معنى له، أو يتنكّر في صورة سؤال مشروع؛ فعندئذٍ نقول: لا يمكن تسويغ هذا الادعاء بأيّ حال من الأحوال؛ فعندما أسأل: ما الإنسان؟ وما طبيعته؟ وما معنى الحياة؟ فليس معنى ذلك أن هذه الأسئلة ظلّت قروناً بلا إجابات، بل هناك كثير من الإجابات التي قدّمها تاريخ الفلسفة والعلم، لكن وجاهة الإجابات تتحدّد من خلال الحُجج والأدلة التي يقدّمها العالم أو الفيلسوف، ولابد لأيّ حُجّة أن تحتوي على خاصيتين جوهريتين ترتبطان معاً:

الأولى: لابد أن تعتمد الحُجج بشكل كبير على فهم طبيعة العلم ذاته، وهي خاصية لا يمكن للعلم أن يقدّم لنا تفسيراً بشأنها، بل فهم طبيعة العلم من شأن فلسفة العلم.

الثانية: أن العلم لا يستطيع أن يشيّد حُججاً بذاته، بل هذه المهمة من شأن فلسفة العلم؛ إذ يستند تشييد حُجة ما على نظرية في المعرفة، تلك النظرية التي تدرس طبيعة المعرفة وتسوّغها، وهو ما يعني أنه لا يمكن تجنّب الفلسفة لدى العلم؛ إذ لا مفرّ من وجود الفلسفة، أو إذا شئنا الدقة قلنا: لابد من وجود فلسفة العلم التي تضطلع بهذه المهمة.

%d8%a7%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%84هناك كثير من المشكلات الفلسفية التي يسعي الفلاسفة إلى تقديم حلول لها، ولا يتطرّق إليها العلم أو العلماء، خصوصاً تلك المشكلات المعرفية التي تنشأ نتيجة السؤال عن طبيعة المعرفة، والفرق بين المعرفة والمعتقد، وكيفية التمييز بينهما، ومصادر المعرفة التي يمكن الركون إليها بوصفها مصدراً معرفياً موثوقاً من صدقه، وكذلك تلك المصادر المعرفية التي لا يمكن الوثوق من صحتها، ولا نجد مسوّغاً على صدقها، وما مدى إمكانية وضع أساس لمعتقدٍ ما أم أن الأسس تُوضع للمعرفة التي يمكن تسويغ صدقها أو كذبها فقط. وعلى الرغم من أن العلم في جوهره هو إنتاج للمعرفة إلا أن ذلك لا يدعو إلى الدهشة أو التعجّب؛ لأننا نجد مشكلات معرفية ناشئة عن العلم ذاته داخل السياق العلمي أو المجتمع العلمي من الصعب على العلم أن يقدّم حلولاً لها؛ لأنها في حاجة إلى الفلسفة، مثل: مشكلة الفرضيات التي يقدّمها العلماء، والكيفية التي نستطيع من خلالها التحقّق من صحتها أو كذبها، وهل هناك منهج علمي قادر على التحقّق من صحة الفرضيات، والأهمّ من ذلك كيفية صياغة العالم فرضياته.

تحتلّ الفرضية العلمية مكانةً كبيرةً في العلم، حتى إن أحد تعريفات العلم هو أنه نسق من الفرضيات الناجحة القادرة على الوصف والتفسير والتنبّؤ؛ لذلك فأحد الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الفرضية العلمية الناجحة هو القدرة على تقديم تنبؤات جديدة؛ بمعنى أنها تفتح آفاقاً جديدةً للبحث، وبذلك يتحقّق التقدّم العلمي. ومن هنا كان التقدم العلمي الذي حدث في ماضي العلم، وكذلك التقدم العلمي المنشود في المستقبل، نتيجة وجود فرضيات علمية متقدمة افترضها العلماء وغير العلماء، وبعبارة أخرى: الفرضيات العلمية المتقدمة التي تؤدي إلى تقدّم علمي ملحوظ توضّح مكانة العقل وموقعه داخل منظومة العلم؛ فالفرضية العلمية لا يمكن أن تُستمدّ من التجربة كما كان شائعاً في التصوّر الكلاسيكي للعلم، وإنما هي من ابتكار العقل الإنساني الحر، وهو ما يجعلها عرضةً للتغيرات والتبدّلات الدائمة والمستمرة في ظلّ تقدّم المعرفة العلمية ونموها. لذلك يمكن أن ننتهي إلى نتيجة تقول: الفرضيات العلمية تخمينات؛ لأن مصدرها العقل الإنساني وحده. ويؤدي الخيال دوراً بارزاً في بناء الفرضيات العلمية، التي تعدّ إبداعاً؛ لأن الفرضية هي فكرة في ذهن العالم، والفكرة ليست بالضرورة نابعة من عمل إرادي متعمّد، بل ربما تخطر على ذهن العالم بمحض المصادفة؛ لذلك قيل: الخيال يُتيح لنا رؤية ما لا يمكن رؤيته، وهو الذي يُهدي الوقائع الميتة حياةً؛ لأن من شأن الخيال أن يتجاوز حدود الزمان والمكان، لكنه يظلّ في الوقت ذاته على صلة وثيقة بهذا الواقع من أجل تجاوزه وتخطّي العقبات التي حالت دون تقدّمه. وكذلك يُعيد الخيال صياغة هذا الواقع، ويرسم آفاق مستقبله. والخيال الذي نقصده هنا هو الخيال الذي يتّصف بالعلمية؛ أي: الخيال الذي يُبدع مزيداً من الفرضيات العلمية التي تشكّل نسق النظريات العلمية، أو نسق العلم ذاته، وهنا يأتي دور فلسفة العلم التي تضع منهجاً علمياً يساعد العلماء على طرح فرضياتهم وصياغتها، والتحقق من صحتها النظرية والتجريبية.

التداخل بين العلم والقيم

%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%93%d9%84%d9%8aتأسّس العلم الكلاسيكي الحديث على الفيزياء الكلاسيكية، وساهم في عملية التأسيس هذه عدة علماء وفلاسفة، وضعوا الأساس الذي قام عليه هذا العلم الكلاسيكي الحديث، وكذلك الفلسفة الحديثة، وأعني النظام الآلي الميكانيكي الذي لا مجال فيه للمصادفة أو الاستثناء؛ لأن كلّ ما في الكون يخضع لقوانين الفيزياء الثابتة، وأصبح هناك مبدآن يفسّران الظواهر الطبيعية والإنسانية على حدٍّ سواء، هما: المادة، والحركة.

أحدث العلم الحديث على سبيل المثال، خصوصاً مع جاليليو، تمييزاً صارماً بين العلوم الفيزيائية والعلوم البيولوجية، بوصف الأخيرة تستند إلى التفسير الغائي، وهذا التفسير لا يُجدي نفعاً في فهم الظواهر الطبيعية (الفيزيائية) والكيمائية؛ لذلك وقف العلم الكلاسيكي الحديث والفلسفة ضد الدعوات التي تحاول أنسنة الطبيعة، ثم أنسنة العلم ذاته، وبعبارة أخرى: رفضت الفلسفة الكلاسيكية الحديثة أيّ تداخلات بشرية قيمية داخل مجال البحث العلمي؛ فلم يطرح العلماء أو الفلاسفة نتيجةً لذلك سؤال القيم في العلم الكلاسيكي الحديث؛ ففي ظلّ الاعتماد على الوقائع الملاحظة داخل العلم، وعدّ القوانين الفيزيائية (العلمية) أداة العلم التفسيرية للظواهر التي يتمّ رصدها، أصبح سؤال القيم أو الأخلاق سؤالاً بلا معنى، وهو ما فطنت إليه فلسفة العلم التي أوضحت دور الأحكام المعيارية في قبول فرضية ما أو نظرية علمية من النظريات أو رفضهما، فضلاً عن سعي هذه الفلسفة إلى وضع قواعد لممارسات العلم التطبيقية التي تتنافى مع القيم الأخلاقية؛ إذ تضع بعض القواعد الإلزامية التي ينبغي إقرارها من ممارسي العلم والبحث العلمي. ويفسّر ذلك سبب استدعاء فلسفة العلم الأحكام المعيارية في بناء الحجج، على خلاف العلم الذي يقدّم لنا وقائع مادية صرفة؛ فتأتي أهمية هذه الأحكام المعيارية التي تضعها فلسفة العلم لكي يضعها العلم والعلماء في الحسبان، ويلتزموها، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال تجاهلها؛ لأنها تمثّل عنصر الأمان لمستخدمي العلم وتطبيقاته. كما تأتي أهمية الأحكام المعيارية التي تضعها فلسفة العلم عندما يتمّ اتخاذ قرار مسؤول بشأن قضية ما من قضايا العلم، أو إجابة يتكفّل العلم بتقديمها.

تنشأ القضايا الأخلاقية داخل السياق العلمي بعدة طرائق؛ فمن الواضح أن الاختراع التقني يمكن أن يؤدي إلى إمكانيات جديدة تحمل تقييماً أخلاقياً ما؛ فعلى سبيل المثال: أصبح شائعاً في الحقبة المعاصرة الإمكانية التكنولوجية لاستنساخ عدد كبير من الثدييات، مثل الخراف، وهو ما يؤكّد الإمكانية التكنولوجية لاستنساخ الموجودات البشرية (حتى كتابة هذا المقال لا توجد تقارير تؤكّد أن هذا الأمر حدث بالفعل)؛ فكثير من الناس يُصابون بحالةٍ من الرعب عندما يفكّرون في إمكانية الاستنساخ البشري، ويطرحون كثيراً من الأسئلة حول إمكانية عمل نسخة جينية من الإنسان، أو الاستفادة من الاستنساخ بوصفه صورةً من صور التكنولوجيا الإنجابية، خصوصاً لدى الأزواج والزوجات الذين يعانون مشكلات في الحمل أو الإنجاب، فضلاً عن وجود مجموعة أخرى من القضايا التي نشأت نتيجة إجراء تجارب على الإنسان والحيوان لا مجال لذكرها هنا. لكن بعض العلماء يزعم أنه إذا كانت ثمة موافقة من أشخاص يريدون طواعيةً أن تُجرى التجارب عليهم بعد اطّلاعهم على المخاطر والفوائد المحتملة التي تنطوي عليها هذه التجارب فعندئذٍ لا معنى للحديث عن الجوانب الأخلاقية في إجراء التجارب. كما أن هناك كثيراً من القضايا الأخلاقية الخاصة بإجراء التجارب على الحيوانات؛ فإذا كان بعضهم يسوّغ إجراء التجارب على الإنسان بعد موافقته، ومعرفة المخاطر التي سيتعرّض لها، فإن الوضع مع الحيوانات سيكون مختلفاً؛ إذ إنه من الصعب أخذ هذه الموافقة المسبقة، بل هي مستحيلة. ويمكن أن نقدّم مثالاً آخر على القضايا الأخلاقية التي تهتم بإثارتها فلسفة العلم، وتقدّم حلولاً لها، وهو تقديم التمويل اللازم لبحث علمي ما دون الآخر؛ فقرار تمويل بحث بعينه سيمنع تمويل مشروعات أخرى، سواء داخل العلم أم خارجه، فمن الذي يتّخذ قرارات التمويل: هل هم العلماء أو جهات أخرى سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية أو مذهبية؟ وهل يمكن أن يتشارك الجمهور العريض من غير العلماء في تقرير ما إذا كان هذا البحث أو ذاك يحتاج إلى تمويل أم لا وفقاً لاحتياجات الجمهور الحقيقية؟

2 تعليقان

  1. أ.د. يمنى طريف الخولي

    دراسة أية في الرصانة.. أفكار مرتبة وتعبيرات واضحة سديدة.. معقولية وعمق وشمولية لا يستطيعها إلا أستاذ فلسفة علوم متمكن مثل الدكتور خالد قطب.. تحتاج ثقافتنا لمثل هذه الإسهامات.

  2. عمل متميز به جدة ويفتح آفاق جديدة في عالم فلسفة العلم

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *