مناهل الماجد - مترجمة: سعودية

البرمجيات الجديدة التي يمكن أن تغيّر عالم الصحافة هل يهدّد الذكاء الاصطناعي وظيفة الصحفيين؟

تعوّدنا في الأعوام القليلة الماضية أن نفوّض كلّ أنواع المهام الصعبة والمملّة إلى أجهزة الحاسوب؛ فإذا أردنا الحصول على توصيات للموسيقا، أو معرفة اتجاهات القيادة، أو الاطّلاع على التقييم الأكاديمي، فإننا نتّجه إلى أجهزتنا الذكية بلا تردّد؛ فهي تنفّذ المهامّ بدقة أفضل، ومجهود أقلّ. أما في وقتنا الحالي، فقد أثبت جهاز الحاسوب تفوّقه في جانب آخر من حياة الإنسان، وهو كتابة التقارير الصحفية التي كانت في السابق حكراً على الصحفيين المُدرَّبين؛ إذ طوّرت شركة نارتيف ساينس Narrative Science الناشئة، التي تتّخذ من مدينة شيكاغو الأمريكية مركزاً لها، برنامجاً مبتكراً يستطيع كتابة التقارير الصحفية كما يفعل البشر تماماً. وركّزت الشركة في بداياتها في الأسواق والعملاء المتخصّصين، الذين يعدّون قصصاً متكرّرةً، ويمتلكون كميات كبيرة من البيانات الرقمية؛ لكتابة المقالات الرياضية أو التقارير المالية؛ لأن تحليل مجموعة من البيانات، واستخراج مدلولاتها، وكتابة قصة تستند إلى حقائق، هو أمر قابل للتطبيق على نطاق واسع؛ فقد أكّد مؤسّسو الشركة أن باستطاعة البرنامج تقديم تحليل موثوق وسهل القراءة.

وتعدّ مجلة (فوربس) الشهيرةعلى سبيل المثالأحد العملاء البارزين الذين يستخدمون هذا البرنامج لإعداد ما يصفه لويس دفوركينأحد صحفيي المجلةبأنه «أخبار عن أرباح الشركة مولَّدة بالكمبيوتر»؛ فكلّ يوم يفرز البرنامج بيانات الأسهم الأخيرة، ويقدّم لمحةً عن أداء الشركة. كما تستخدم شبكة (بيج تن) البرنامج في كتابة ملخصات رياضية تلقائياً؛ مثل: مَن سجّل الأهداف، وبيانات اللاعبين. ومع أن هذه المقالات تفتقر إلى الحيوية، كما يصفها الصحفي الرياضي تشاك كلوسترمان، إلا أن البرنامج قابل للتعديل بدرجة كبيرة، ويستطيع أن يكتب عبارات أكثر تعاطفاً مع الفريق الخاسر، وأخرى تشجيعية للفريق الفائز، ويستخدم العبارات المختزلة لمشجعي الرياضة؛ مثل: «كان فريق سينسيناتي محظوظاً في المباراة؛ إذ أحرز تسع رميات ثلاثية من خارج القوس من أصل 23 رمية، بنسبة 39%». وعلى نحو مماثل، فإن تطبيق الآيفون جيم تشانجر Gamechanger، الذي يستخدمه المدربون وأولياء الأمور لتسجيل فلذات أكبادهم في دوري فريق الصغار، يتميّز بخدمة تقديم (ملخص) عن المباراة جاهز للطباعة تقدّمه نارتيف ساينس، كما يمكنك تلقّي ملخصات عن أداء طفلك، ونقاط ضعفه، بضغطة زرّ واحدة.

سافرتُ إلى مدينة شيكاغو لمقابلة مؤسسي شركة نارتيف ساينس، ومعرفة المزيد عن طبيعة عملهم؛ فهم يدّعون أن تقنيتهم ستعيد رسم طريقة استخدامنا البيانات ووسائل الإعلام، وطريقتنا في تبادل المعلومات. قضيتُ عدة ساعات في إجراء المقابلات، ومعرفة المزيد عن تقنية الشركة، واقتنعتُ بالفكرة، وأصبحت أصدّقها الآن. وقد أثارت قدرة البرنامج على كتابة عدة محتويات في لمح البصر بتكلفة منخفضة مخاوف بعض الأوساط التي تخشى من أن يغزو عالم الصحافة، ويحلّ محلّ الصحفيين، لكن الواقع أكثر تعقيداً.

بداية ظهور الصحفي المبرمج

%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%8a%d9%81%d9%86لكلّ شركة ناشئة رؤية وردية عما تريد تقديمه من أجل العالم؛ فعلى سبيل المثال: يريد مارك زوكربيرجمؤسس موقع الفيسبوكأن يجعل الناس أكثر تواصلاً، ويريد سيرجي برينأحد مؤسسي شركة جوجلأن يكون المحتوى الرائع سهل العثور عليه، ويريد كريس هاموندأحد مؤسسي شركة نارتيف ساينس، ومدير قسم تقنية المعلوماتأن يجعل الأشياء أسهل للقراءة، وقد قال لي هاموند: «تشكّل البيانات قيمةً هائلةً بنحو لا يُصدَّق، لكنها لا تعدّ ذات قيمة بمجرّد احتوائها على جداول فقط، بل على المعلومات التي يمكن جمعها من خلالها»، وأكّد هاموند أننا نسبح في بحر من البيانات الرقمية، ونوشك على الغرق، ويثير هذا الأمر دهشته واستغرابه. قد يكون السبب في إهمال الأرقام أن معظم الناس في الحقيقة لا يحبّون التعامل معها؛ فقراءة الجداول تحيّرنا؛ لأن العقل البشري يفكّر في سرد القصص، لا تحليل الأرقام؛ لذلك فمن وجهة نظر هاموند يجب أن يكون لدينا محتوى إخباري بدلاً من الأرقام، وهنا يأتي دور شركة نارتيف ساينس، مضيفاً: «تقنيتنا في النهاية وسيطة بين البيانات والخبرة الإنسانية». وعندما سألتُهُ: ماذا يعني ذلك للصحفيين؟ أشار إلى أن عمله هو ثمرة تعاون بين علماء الحاسوب والصحفيين منذ مدة طويلة؛ فقد كان خلال عمله المستمر في مختبر المعلومات الذكية في جامعة نورث وسترن يعمل بشكل دوري مع طلاب وأعضاء هيئة التدريس في كلية ميديل للصحافة على إنشاء (فرق متعددة الوظائف) من الصحفيين والمبرمجين، ويعدّ هذا الأمر في حدّ ذاته خطوةً رائدةً؛ لأن الصحفيين وعلماء الحاسوب لم يعتادوا العمل معاً في مجال المعرفة أو الحياة العامة. وقد أدّى هذا العمل المشترك إلى ابتكار برنامج ستايتس مونكي Stats Monkey، الذي يقدّم ملخصات عن مباريات البيسبول، وأصبح نموذجاً لبرامج التأليف في وقتنا الحاضر.

يتمتّع لاري بيرنبوم وكريس هاموند، اللذان تخرّجا في جامعة ييل، ويعملان أستاذين لعلوم الحاسوب، بخلفية أكاديمية عن الأنظمة اللغوية، وتجلّى اهتمامهما بعلم القصص في ابتكار شركة نارتيف ساينس، وأسّسا للصحفيين والمبرمجين الخطة الهرمية نفسها؛ لأن كلاً منهما يساهم في عمل قيّم؛ فعمل المبرمجين مهم جداً؛ لأنهم يحافظون على أداء برنامج التأليف ويطوّرونه؛ لأنه أساس هذه الشركة. لقد قال لي ستوارت فرانكل؛ الرئيس التنفيذي لشركة نارتيف ساينس: «نستطيع أن نكتب عن أيّ نوع من المحتوى باستخدام أيّ نوع من البيانات». لكن لدى العميل قواعد مختلفة؛ مثل: أسلوب الكتابة المتّبع، وطريقة النشر، والمفردات المتخصّصة، إضافةً إلى أنهم ينشرون أنواعاً مختلفة من القصص؛ لذلك تحتاج شركة نارتيف ساينس إلى الصحفيين. وعندما توقّع الشركة صفقةً مع عميل جديد يبدأ الصحفيون بالعمل على تخصيص البرنامج الحالي من خلال الإعدادات؛ فالجزء الأسهل هو تخصيص الطريقة المتّبعة في كتابة الأسماء والتواريخ، ومتى يُستخدم الخط المائل، وما شابه ذلك، أما الجزء الأصعب، الذي يأخذ وقتاً أطول، فهو تعيين الحقائق والاستدلالات التي يتمّ الحصول عليها من بيانات العملاء، وجمع المقالات وترتيبها لتوليد زوايا القصة؛ ففي مجال رياضة البيسبول يتعلّم البرنامج المفاهيم الأولية لسجل النتائج؛ مثل: انتصار ساحق، وذهاباً وإياباً، وجهد الفريق، وموسم لامع، وأُجّلت بسبب الأمطار، وغير ذلك.

وبهذه الطريقة لا يفكّر صحفيو نارتيف ساينس في قصص محددة، إنما يحدّدون شبكةً من الاحتمالات للقصة؛ فقد أخبرني فرانكل أنهم يعرفون كيفية ضبط التقنية حتى يصبح لديهم صحفي آلي ذو قدرات عالية يستطيع كتابة الملايين من القصص في وقت واحد، على خلاف كتابة قصة واحدة في كلّ مرة، وقد يزداد عدد الصحفيين الذين يعملون على هذا المستوى كلما تطوّر البرنامج.

نحن نفرّ من الملل

قد يقول بعض الناس: إن استخدام نارتيف ساينس في كتابة مقالات عن مباريات البيسبول يشبه إلى حدٍّ كبير دقّ مسمار في قنبلة ذرية، ويقول هاموند رداً على ذلك: إن محرّك استدلال البرنامج مدعوم بـ(تحليلات للبيانات المعقدة)، التي يمكنها معالجة المعلومات الضخمة والمعقدة جداً، والبيانات التي تحيّر العقل البشري، وقد يكون هذا البرنامج يوماً ما مساعداً متكاملاً للصحفيين. تخيّلعلى سبيل المثالأن بالإمكان معرفة كيف يشعر مستخدمو تويتر تجاه المرشحين الجمهوريين للرئاسة في يوم معين؛ فالصحفي البشريّ ببساطة لا يمكن أن يفعل ذلك؛ لأن محاولة رصد أيّ حجم عينة ذي أهمية يعدّ أمراً مستحيلاً، ويستعصي ذلك عليه؛ لأن تويتر يتحرك بسرعة كبيرة، وذو حجم كبير، وسيستغرق ذلك وقتاً طويلاً؛ لذلك كتب هاموند في مدوّنته: «المشكلة مع وسائل الإعلام الاجتماعي هي كثرتها». وتعمل نارتيف ساينس في مرحلة الاختبار التجريبي لمبادرة يمكنها رصد محتوى جميع الوسوم الأكثر رواجاً في تويتر باستخدام المتنافسين الجمهوريين بوصفهم إطاراً لها؛ فقد ذكر البرنامج في فبراير عام 2015م: «حظي نيوت جينجريتش بشعبية في تويتر؛ فقد ظلّ وسمه متداولاً بين الناس في الموقع خلال الأيام الأربعة الماضية، ومع أن الطابع العام لتغريدات نيوت جينجريتش كان إيجابياً إلا أن الرأي العام المتعلّق بالمرشّح والقضايا الشخصية كان متداولاً بصورة سلبية». ميزة هذا البرنامج أنه سيكون في المستقبل مفيداً للصحفيين، فضلاً عن المُعلنين، بينما نحاول تنظيم فوضى وسائل الإعلام الاجتماعية.

لك الآن أن تتفكّر في أهمية هذا النوع من توحيد البيانات للمحقّقين الصحفيين؛ فقد قال ديفيد فوستر والاس في روايته (الملك الشاحب): إن عصر السرية انتهى وولّى، وذكر أنه «من ضمن اكتشافات العلاقات العامة العظيمة في الديمقراطية الحديثة أنك إذا جعلت قضايا الحكم الحساسة مملّةً وغامضةً فلن تكون لدى المسؤولين حاجة إلى إخفاء الأمور أو التصنّع؛ لأنه ليس هناك أحد له علاقة مباشرة بالأمر سيُولي اهتماماً، ويسبّب المتاعب، ولن ينتبه أحد إلى أنه لا يهتم أحد بذلك؛ فنحن نفرّ من الملل»؛ فالمغزى الحقيقي من ذلك لا يمكن قياسه؛ لأنه ليس هناك أحد يملك الوقت أو الموارد للبحث عنه. لكن نارتيف ساينس غيّرت هذا المفهوم؛ فأصبح باستطاعة البرنامج العمل بوصفه فريقاً من المتدرّبين للبحث في شتى الجوانب، وإيجاد المعلومات المهمة وتقديمها، كما يمكن للبرنامج مساعدة الصحفيين في العثور على إبرة في كومة من القشّ؛ إذ بإمكانه فرز أكوام من مستندات الشركات والوثائق الحكومية وترتيبها.

ومن الجدير بالذكر أن معظم الصحفيين لن يكونوا قادرين على تحمّل تكاليف خدمات شركة نارتيف ساينس وحدهم؛ لذلك حرصت بعض وسائل الإعلام، مثل مجلة ذي أتلانتيك، على إتاحة هذه الخدمة لصحفييها.

جمهور من قارئ واحد فقط

%d9%83%d9%84%d9%83ذكر هاموند وفرانكل أن برنامج شركة نارتيف ساينس سيحلّ محلّ وظيفة الصحفي بكلّ تأكيد في بعض أنواع الكتابة، وأنهما متحمسان لتلك القصص التي نادراً ما يغطّيها الصحفي؛ لأن الكاتب الصحفي يختار أن يكتب مقاله تبعاً لأذواق أغلبية القراء، ولن يضيع وقته وجهده في كتابة مقال ذي أهمية لشخص واحد فقط، أو قلة من الناس؛ فعلى سبيل المثال: لن يكتب الصحفي الرياضي عن مباريات دوري الصغار؛ لذلك تبذل الشركة جهداً خاصاً في إمكانية إعداد مقالات لما تُسمِّيه (جمهور من قارئ واحد)، تتجاوب فيه مع متطلبات كلّ قارئ وتوجّهاته.

طلب مني هاموند أن أتصوّر عالماً لا يقدّم نتائج التحليل الطبي بأرقام غامضة، وإنما ملاحظات مكتوبة عن الحالة الصحية، وكيف يمكن تحسينها، وأن ترصد فاتورة الطاقة أشكال استخدام الطاقة، وتقترح عليك سبلاً لتوفير الطاقة والمال، وبدلاً من تدوين إجابات ابنك الخاطئة في الاختبارات الموحّدة فإن البرنامج يقدّم اقتراحات لدراسة جوانب محدّدة جداً في اللغة، وعندما تتصفّح محفظتك المالية فإنك ستحصل على تحليل خبير يُطلعك على أداء أسهمك واقتراحاتٍ للبيع أو الشراء. وأضاف هاموند: «إذا استُخدمت الأرقام، ووجد الناس صعوبةً في استيعابها، فهنا يأتي دورنا». ويأمل هاموند أن يمهّد برنامج شركة نارتيف ساينس، الذي يحاكي العقل البشري، الطريق أمام كتابة القصص القصيرة التي يغفل عنها الصحفيون؛ إذ يمكن لبرنامج التأليف أن «يأخذ مجموعةً من بيانات مصلحة الضرائب، وبيانات استبانة المجتمع الأمريكي، وبيانات الإحصاء، وبيانات وزارة العمل، ويحوّلها إلى قصة في كلّ منطقة مترو في البلد». ويرى هاموند أنه ليس هناك أيّ سبب يمنع أيّ بلدة صغيرة من أن يكون لها مقال سنوي شامل عنها: ماضيها، ومستقبلها، وهو مجرّد مثال واحد يوضّح كيف ستكون القصص أكثر تعمّقاً وتخصّصاً في المستقبل.

ومع ذلك، فإن هذا النوع من التخصيص الشخصي جداً لديه بعض الجوانب التي يمكن أن تكون مزعجةً؛ فقد كتب يفجيني موروزوف في مقالٍ نشره مؤخراً أن (الصحافة الآلية) يمكن أن تعدّ أخباراً تظهر بشكل مختلف لقرّاء مختلفين؛ فالشخص الذي يقرأ (نيويورك ريفيو أوف بوكس) أو مجلة (ذي إيكونوميست) قد يجد طريقة الطرح أكثر تحدياً وتعقيداً من طريقة معلّق موقع تي إم زد، حتى إذا كان يقرأ الخبر نفسه، وقد يؤدّي ذلك إلى بحث القراء عن القصص التي تعكس معتقداتهم التي أصبح من الممكن الوصول إليها من خلال تصفّح الإنترنت. ولتكون الصورة واضحةً، فإن برنامج شركة نارتيف ساينس لا يعمل بشكل خاصّ على الأخبار التي تظهر بشكل مختلف لقراء مختلفين، وإنما يتطوّر الإنترنت ويتحرّك بالفعل بسرعة نحو تجربة (مُخصّصة)؛ لذلك سيجد المُعلنون وموفّرو المحتوى في قدرة البرنامج على التخصيص ميزةً رائعةً؛ لأن الشركة تساعد بالفعل شركات التسويق على شبكة الإنترنت على فهم البيانات التي تُؤخذ منها. ومع ذلك، فقلق موروزوف بشأن المستقبل في محلّه؛ لأن تغطية الأحداث (بموضوعية) قد تختفي؛ بسبب أن تاريخ التصفح والشراء عبر الإنترنت يؤثّر في الطريقة التي نقرأ بها الأحداث الجارية.

رسم بحار من البيانات الضخمة


سيُعيد
الحاسوب المؤلِّف تشكيل علاقتنا مع المحتوي بشكل مؤكّد تقريباً، وسيكون لبرنامج شركة نارتيف ساينس تأثير كبير في جمع بيانات الشركة وإدارتها؛ فقد قال لي هاموند: «إننا نطمح إلى أن تستطيع أيّ شركة ذات كفاءة عالية تستحقّ مكانتها في الوقت الحالي مراقبة طرائق أداء عملها، وجمع بيانات ضخمة من المعلومات»؛ حتى تستطيع قياس التكلفة والإنتاج والمبيعات وأرقام الأرباح بدقة في فئات مفصّلة بعناية. ويقول فرانكل: تكمن عقلية رائد الأعمال في جمع «البيانات بقدرٍ ممكن»؛ حتى يكون العمل منافساً ومربحاً أكثر. لكن الأمر الغريب هنا أن الشركات مع أنها تستثمر بكثافة في جمع البيانات إلا أنها تحصل على النتائج التي توصّلوا إليها بطرق محدودة جداً، ويوجد كمّ هائل من المعلومات، وأكثرها جديدة جذرياً، ويرجع السبب في ذلك إلى أن هواة جمع البيانات يتخلّصون منها ببساطة عندما تصل إليهم؛ فقد قال هاموند: «إنه لأمر مؤلم أن كمياتٍ من البيانات ذهبت مهب الريح»؛ فإن المعلومات المستخرجة مما يسمّيه (البيانات الضخمة) هي التركيز الأساسي لشركة نارتيف ساينس.

وأخبرني فرانكل أن أحد عملائهم، وهو شركة للوجبات السريعة لم يكشف عن اسمها، أنشأت إطاراً مكلّفاً لتحليل الأعمال، ورصد وجمع بيانات نقاط البيع في كلّ مكان امتياز، وجعلت هذه المعلومات متاحة لأصحاب الامتياز، لكنها ذُهلت من أن 90% منهم لم يستخدموا النظام نهائياً. وقد وظّفت الشركة برنامج نارتيف ساينس لإنشاء تقارير تسبق صفحة البيانات؛ أي أن كل حامل امتياز سيتسلّم تقييماً مرسلاً مباشرةً إلى صندوق الوارد الخاص بهم في نهاية كل أسبوع عندما يبدأ المشروع في العمل، وقال فرانكل: إنهم يستطيعون الآن الحصول على تقرير حول النشاط في المتجر، وعن أدائه بلا حدود، ومنع تكدّس المنتجات في متجر دون آخر، والأهم من ذلك أنهم سيعرفون المنتج الأكثر أو الأقلّ مبيعاً، وما يمكن أن يفعلوه ليحسّنوا من منتجاتهم.

من المحتمل أن تسبّب القدرة على رسم رؤية آلية من أحجام كبيرة من البيانات تغيّراً في طريقة الشركات في رصد التجارة وتقييمها، وأظنّ أن هذه التطورات ستكون قوة خاصة في بيانات عالم الإنترنت؛ فكما ذكر أليكس مادريجالمحرّر مجلة ذي أتلانتيكمؤخراً فإن معظم المواقع تراقب مستخدمي الموقع عن كثب بهدف جمع البيانات، وعندما تصبح البيانات الشخصية ذات فائدة ومفهومة مباشرة فإنها تصبح أيضاً مرغوبة لدى جامعي البيانات لاستخراج مزيدٍ من المعلومات الدقيقة، وعندما يتعلق الأمر بشبكة الإنترنت فإننا نرى أن معايير الخصوصية تمّت إعادة تعريفها جذرياً.

نظرة إلى المستقبل

%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8تواصل نارتيف ساينس تحسين برنامج التأليف وتطويره، ويبرز هنا هدفان أساسيان تطمح الشركة إلى تحقيقهما في المستقبل: الهدف الأول هو أن هاموند يرغب في أن يكون قادراً على برمجة البرنامج للبحث عن استنتاجات لم يسبق أن ظهرت للعملاء بعدُ؛ فمع أن البرنامج يستطيع البحث في الارتباطات والاتجاهات التي قد تفاجئ العملاء إلا أن كتابة احتمالات القصة محدودة بإطار حدّده للبرنامج المبرمج البشري، وعند النظر إلى البيانات الجيولوجية مثلاً فإن البرنامج قد يستطيع إيجاد صلة بين التصديع الهيدرولي وزيادة حدوث زلازل، لكنه لن يفعل ذلك إلا إذا طلب البشر تقييماً لهذا الاحتمال؛ لذلك يتوق هاموند إلى تحسين البرنامج حتى يتمكّن من أن يبحث عن أمور لم يسبق أن ظهرت للمبتكرين بعدُ، وقد أخبرني قائلاً: «نحن لا نستطيع أن نفعل ذلك الآن، لكن الفكرة من وراء هذا البرنامج هي الوصول إلى هذا الهدف»، وذكر فرانكل أنه «عندما يصبح البرنامج أكثر ذكاءً فإنه سيستقي معلوماته من البيانات التي يحلّلها للتوصّل إلى استنتاجاته الخاصة»، وسيكون البرنامج قادراً في نهاية المطاف على «التوصّل إلى بعض الاستنتاجات من دون أن يعرف الموضوع في بداية الأمر».

ويتمثّل الهدف الثاني في أنهم يأملون في أن يتجاوزوا حاجز الأرقام؛ فمع أن البشر قادرون على البحث في القصص والروايات، وأن أجهزة الحاسوب بارعة أكثر في التعامل مع الأرقام، إلا أن مجموعة بيانات نارتيف ساينس تعمل بنحو أفضل مع البيانات الأساسية التي تُعرف باسم (البيانات المنظمة)، وقد أخبرني فرانكل أن البرنامج يعمل بالفعل مع بعض (البيانات غير المنظمة)، التي يمكنها فهم الشعور الدافع في باطن التغريدة، أو تعلّق على المدونة على سبيل المثال، وهم يؤمنون بأن مزيداً من التطورات الجديدة في فهم الحاسوب اللغة البشرية سيجعل التقنية الحالية تستعدّ لدخول حقبة جديدة من عالم الصحافة؛ فعندما يستطيع برنامج نارتيف ساينس تفحّص الوثائق المكتوبة بطريقة تحليله الأرقام نفسها فإن احتمال بقاءها وسيطرتها يزداد بشكل كبير. وإذا طبّقت هاتين الفكرتين؛ أي: القدرة على التوصّل إلى استنتاجات، والقدرة على العمل مع البيانات غير المنتظمة، فإن ذلك سيساهم في تطوّر برنامج التأليف وتقدّمه بشكل مذهل، ويجعله يتفوق على البشر.

مصير الصحفي

لأنني صحفي وكاتب قصص خيالية فقد أدهشتني هذه التقنية بالطبع، ودعتني إلى أن أفكّر في علاقة ذلك كلّه بما أقوم به؛ فوصلت إلى مكتب شيكاغو مستعداً لتأكيد وجهة نظري، وهي أن العقل البشري هو سرّ مقدّس، وأن علاقتنا بالكلمات هي علاقة فريدة من نوعها وعميقة؛ فليس هناك إنسان آلي يستطيع أن يخوض تجربة التأليف، ويقلّد الصحفيين. لكن عندما تحدثت مع هاموند أدركت أن عملية الكتابة التي أراها متقلّبة، ولا يمكن التنبؤ بها، أو حتى محيرة، يمكن أن يتم قياسها كمياً وصياغتها؛ فعندما أكتب قصة قصيرة فأنا أفعل تماماً ما يفعله برنامج التأليف؛ مثل: استخدام كمّ هائل من البيانات؛ أي: تجربتي في الحياة، لاستنتاج ما يحدث في العالم، وتقديم هذه الاستنتاجات في موضوع ما، وربطها بأحداث ذات صلة، وصياغتها في التركيب الأنسب؛ أي: على أساس الأمور التي استوعبتها من القراءة والاطلاع والملاحظة وأخذ دروس في الكتابة الإبداعية؛ لذلك فمن المحتمل أن تستطيع الآلة كتابة رسائل تحوي إيقاعاً شعرياً أيضاً باختيار أفعال صحيحة، وأسماء المعرفة، والبعد من الظروف، وهلمجراً، وأنا متأكّد من أن بعض علماء النحو يستطيعون أن يستخدموا عدة طرائق لجعل الجملة مقبولة؛ كالخطباء التقليديين حينما يستخدمون المقابلة، وردّ العجز على الصدر، والجناس، والطباق، وقد قال لي هاموند: من الممكن نظرياً لبرنامج التأليف أن يكتب قصصاً قصيرة، وأن يكتب قصة مثالية (إحصائياً) تستخدم معرفتنا حول اللغة والأدب السردي، وقد تمّت هذه المحاولات من قبل؛ إذ كتب موسيقيون روسيون أسوأ الأغاني وأفضلها على مر التاريخ استناداً إلى البيانات الاستقصائية، لكن أعتقد أن فهم الحاسوب الفن لن يتطابق تماماً مع فهمنا مهما كانت توجيهاتنا محددة. إضافةً إلى ذلك، يقف دائماً خلف نجاح الصحافة الأشخاص في النهاية؛ فهم أفراد رائعون بأفكارهم وعملهم الذي يتغيّر ويتطور باستمرار، ووافقني فرانكل قائلاً: تستطيع الآلة كتابة قصة باستخدام البيانات، لكن هناك كثير من القصص التي لا تعتمد على البيانات، «وهو ما يتوجّب على الصحفيين التركيز فيه، أليس كذلك؟».

بلى؛ لأن أبسط لحظاتنا مغمورة بالبيانات التي لن تستطيع الآلات تحديدها كمياً؛ كطريقة أخذنا نفساً عميقاً، وطريقة اتخاذنا قراراً، وطريقة تخلّل أشعة الشمس أوراق الأشجار، فكيف تستطيع أيّ آلةإذاًأن تبدأ بفهم طرائق شعورنا بالحب والجوع، وإحساسنا بالأذى؟ إن مساهمات العلم والفن والتاريخ والفلسفة لا يمكن أن تحلّل لحظة إنسانية مملوءة بالتعقيد، فضلاً عن جوانب الحياة، ومادامت الآلة لا تستطيع فهم ذلك فإنه لا يزال لدينا دور في الكتابة.

(*) كاتب هذا المقال هو جوي فاسلر، وهو مترجم عن صحيفة (ذا أتلانتيك).

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *