د. أحمد فؤاد باشا - صاحب «نظرية العلم الإسلامية» أستاذ متفرغ بكلية العلوم جامعة القاهرة

إشكاليةالتحيّز في فلسفة العلم والتقنية

يهتمّ العلماء والفلاسفة بالبحث في تحليل لغة العلوم المختلفة؛ لتكوين نظرة شاملة إلى الكون من خلال الربط بين الظواهر التي يتعامل معها الإنسان. وقد تبلور مبحث فلسفة العلم ليكون بمنزلة اللغة الشارحة لمقولات العلوم المختلفة في إطار القيم والمذاهب المادية أو الروحية السائدة. ويهدف هذا المبحث إجمالاً إلى فهم مكانة هذه العلوم في حياة الإنسان، ودورها في الانتقال به إلى معرفة أشمل بالعالم الأوسع. ومع دخول (التقنية)، التي أصبحت واقعاً معيشاً في حياتنا المعاصرة، وشيوع استخدامها لتجسّد عملية تحويل القوانين والاكتشافات العلمية التي تحكم العالم الفيزيائي والاجتماعي إلى منجزات يسخّرها الإنسان لخدمة أغراضه ومصالحه، أصبح من الضروري لأيّ باحث مدقِّق ألاّ يغفل عن طبيعة العلاقة الوثيقة المتبادلة -أخذاً وعطاءً- بين أيٍّ من العلوم الأساسية وتطبيقاتها العملية؛ لأن التقنية الحديثة قدّمت لمجالات البحث العلمي من الأدوات والأجهزة ذات الكفاءة العالية ما أتاح الفرصة للحصول على بيانات ونتائج فائقة الدقة، وساعد على كشف وقائع ونظريات بالغة الإثارة، بل استحداث عددٍ من العلوم والمباحث الجديدة والمتجدّدة.

يهتمّ العلماء والفلاسفة بالبحث في تحليل لغة العلوم المختلفة؛ لتكوين نظرة شاملة إلى الكون من خلال الربط بين الظواهر التي يتعامل معها الإنسان. وقد تبلور مبحث فلسفة العلم ليكون بمنزلة اللغة الشارحة لمقولات العلوم المختلفة في إطار القيم والمذاهب المادية أو الروحية السائدة. ويهدف هذا المبحث إجمالاً إلى فهم مكانة هذه العلوم في حياة الإنسان، ودورها في الانتقال به إلى معرفة أشمل بالعالم الأوسع. ومع دخول (التقنية)، التي أصبحت واقعاً معيشاً في حياتنا المعاصرة، وشيوع استخدامها لتجسّد عملية تحويل القوانين والاكتشافات العلمية التي تحكم العالم الفيزيائي والاجتماعي إلى منجزات يسخّرها الإنسان لخدمة أغراضه ومصالحه، أصبح من الضروري لأيّ باحث مدقِّق ألاّ يغفل عن طبيعة العلاقة الوثيقة المتبادلةأخذاً وعطاءًبين أيٍّ من العلوم الأساسية وتطبيقاتها العملية؛ لأن التقنية الحديثة قدّمت لمجالات البحث العلمي من الأدوات والأجهزة ذات الكفاءة العالية ما أتاح الفرصة للحصول على بيانات ونتائج فائقة الدقة، وساعد على كشف وقائع ونظريات بالغة الإثارة، بل استحداث عددٍ من العلوم والمباحث الجديدة والمتجدّدة.


وإذا
كان الإنسان قد انشغل بقضايا العلم والفكر العلمي فلسفياً وتقنياً لدرجةٍ أصبح معها البحث العلمي في عصرنا (سلاحاً) تنفق عليه الدول المتقدمة بسعةٍ وبذخٍ، وتحوط أسراره بالسرية والكتمان، وتعلّق عليه الأمل في مشكلاتها وبسط نفوذها، فإن مناهج العلم وأفكاره أصبحت هي السائدة في ميادين الفكر والعمل، حتى إنه لا يوجد مجال من مجالات النشاط الإنساني في زماننا إلا ويحاول العلم تحسينه والإسراع بإيقاع حركته، كما أصبحت (العلمية) وصفاً عاماً ولعت بإطلاقه على مذاهبها بعض الفلسفات الوضعية. لكن النظرة الفاحصة للواقع العلمي والتقني المعاصر تُنبئ بأننا على أعتاب ثورة علمية وتقنية هائلة منذ بداية الألفية الثالثة، يتهاوى تحت معاولها أساس كثير من النظريات والمذاهب الوضعية السائدة، ويطرأ بسببها تحوّل كبير على وعي الإنسان وتصوّره لنفسه والعالم الذي يعيش فيه. ومن المُنتظر أن تؤدي صناعة المعرفة وتقنية المعلومات دوراً كبيراً في تغيير أنماط الحياة والقيم والسلوك، خصوصاً بعد التقدّم الهائل الذي أحرزته ثورة الاتصالات.

وكذلك تدلّنا الرؤية النقدية لواقع الفكر الفلسفي المعاصر على حدوث تغيّرات جذرية في العلاقة بين الذات والموضوع؛ فبينما كانت الطبيعة المنفتحة للمعايير العقلية في الماضي واضحةً من خلال البحث عن المعرفة، والمواجهة مع عالم يجري اكتشافه، تغيّرت الصورة حالياً، وأصبح العلم بقوانينه وتقنياته عرضة للهجوم واللوم؛ لأنه تجاوز حدوده في تحليل العالم بمعزل عن القيم الإيمانية الهادية، أو لأنه في بحثه في عالم المتناهيات في الصغر على مستوى الذرة ونواتها، وفي سعيه إلى رسم خريطة الجينوم البشري بكلّ تفصيلاتها، وفي توغّله إلى أعماق عالم المتناهيات في الكبر على مستوى المجرات والثقوب السوداء في الفضاء الكوني السحيق، جاء بما لا يشتهي أصحاب الفلسفات الوضعية والمذاهب النفعية المهيمنة، وصار المجهول في نظر هؤلاء وكلّ مَن يدور في فلكهم لا يتمثّل في ذلك الشيء الذي ينبغي اكتشافه في عالم خارجي بعيد منهم بقدر ما يتمثّل في المخاطر التي تهدّد معتقداتهم الخاصة ومصالحهم المباشرة على المدى القريب أو البعيد.

ومن الطبيعي في ضوء هذه الأمور جميعها أن تتشعّب القضايا المتعلّقة بصناعة العلم والتقنية في ظلّ الصورة المركبة لقوة التأثير والتأثر بينهما وبين الإنسان والمجتمع، وأن ينشأ تبعاً لذلك ما يُسمَّى بـ(علم العلم Scientology، أو علوم العلم Sciences of Science)؛ للبحث في كلّ القضايا التي لا يمكن للعلم أن ينسلخ عنها. لذلك لا يمكن تصوّر أن تكون هناك قائمة محدّدة بموضوعات معينة ينبغي أن تُدرج تحت عنوان (فلسفة العلوم المعاصرة وتقنياتها)، وأن يكون الخروج عليها انحرافاً وجهلاً بها. وعلى هذا الأساس، يمكن للباحثين في فلسفة العلم والتقنية أن يطرقوا مجالات كثيرة تأخذ في الحسبان مختلف جوانب العلم والتقنية الأنطولوجية، والأبستمولوجية، والأكسيولوجية، والميثودولوجية، والسوسيولوجية، والسيكولوجية، والتاريخية، وغيرها، وتربط هذا كلّه بمنظور شامل يحدّد للعلوم وتقنياتها مكانتها الخاصة بين سائر الفعاليات الإنسانية.

ترتّب على هذا الفهم الأوسع لمعنى (فلسفة العلم والتقنية) أن تعدّدت طرائق تناول موضوعاتها بقدر تعدّد المذاهب الفلسفية ووجهات النظر المطروحة في ساحة الفكر المعاصر. ومن هنا تظهر أهمية التناول الإسلامي للموضوع؛ انطلاقاً من حقيقة أن المنهج العلمي الإسلامي هو الأقدر على تهيئة الإنسان لكلّ ما يمكن أن تسفر عنه ثورات العلم والتقنية في المستقبل القريب أو البعيد، بعيداً من إشكاليات التعصّب والتحيّز التي تفرزها الفلسفات الوضعية الرديئة(1).

أزمة العلم وفلسفته بين الموضوعية والذاتية

%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%a8%d8%b1مما لا شكّ فيه أن العلم نفسه ليس في حاجة إلى أن يتولّى قضية موضوعيته لإثباتها أو دحضها بالبرهان أو التجريب؛ فهي ليست من موضوعاته بأيّ حال من الأحوال، وحسبه أن يكون هناك تسليم تامّ بأنها من أهم سماته وخصائصه التي تندرج ضمن موضوعات فلسفته المعنية بدراسة كلّ ما يتعلق به من مختلف الجوانب: المعرفية، والمنهجية، والأنطولوجية، والاجتماعية، والتاريخية، وغيرها؛ لأن فلسفة العلم، أو نظريته، هي التي تتولّى شرح المقولات والقوانين والنماذج العلمية التي يتوصّل إليها الباحثون في سياقها التاريخي الشامل. لكن هذه النظرة الكلية للعلم وفلسفته تجيز لنا في الوقت نفسه ألاّ نعدُّ الصياغة النهائية التي يتوصل إليها باحث ما مستقلةً تماماً عن أيّ ذات تعرض لتفسيرها أو تأويلها؛ فتاريخ العلم يحدّثنا بأن القانون الطبيعي الذي يصف حقيقةً علميةً ما لم يكن في يوم من الأيام قانوناً عاماً مطلق الصدق واليقين، لكنه محدود دائماً في نشأته وتطوره وتطبيقه بعوامل المكان والزمان والخبرة الذاتية للإنسان على مرّ الأجيال. ويكفى أن نشير هنا إلى قصص الاكتشافات العلمية الكبرى لنظرية الجاذبية، ونظرية الضوء، والنظرية الذرية، على سبيل المثال، وما تظهره لنا فصول هذه القصص من ارتباط بين الذات والموضوع بدرجات متفاوتة، ودلالات متعددة(2).

ويقود طرح القضية على هذا النحو إلى (إشكالية) أو (أزمة) أكبر تتعلّق بالعلاقة بين العلم وفلسفته من عدة جوانب، وتحتاج إلى مزيد من التحليل والتفنيد؛ لأن العلم إذا كان في حدّ ذاته لغة موضوعية لا تعرف التحيّز أو التعصّب فإنهبوصفه نشاطاً إنسانياً مولِّداً لطاقة عقلية ومعرفية أكبريمكن أن يُوجَّه من خلال فلسفته ليكون أداةً نافعةً تتيح للإنسان أن يفهم نفسه، وأن يفهم العالم المحيط به، على نحو أفضل يحقّق الخير والسعادة لكل البشر، ويمكن أن يوجَّه إلى عكس ذلك ليكون أداةً فلسفيةً أو تقنيةً تخدم (أيديولوجية) معينة، أو تحقّق مصالح فئة من الناس على حساب أخرى؛ فإن كانت الأولى فهو التوجيه الإيجابي الأثير إلى النفس، وإن كانت الثانية فهو التحيز السلبي المرفوض بكلّ أشكاله ودرجاته؛ لأنه يعوق مسيرة الحياة والإعمار على الأرض كما أرادها اللهسبحانه وتعالىللناس أجمعين.

ويجد الراصد إشكالية التحيّز في الموقف تجاه العلم والتقنية وفلسفتهما نفسه إزاء صراعات ومذاهب فكرية متباينة المضامين والأهداف؛ فهناك أمثلة لعلماء وفلاسفة حدث أن تجرّدوا من صفات الأمانة والنزاهة والموضوعية، نذكر منهم الألماني إرنست هيكل (تُوفِّي عام 1919م)، الذي زوَّر صورةً لجنين حيوان كي تبدو قريبة الشبه بجنين الإنسان؛ حتى يثبت نظريته في التطور. ولما كشف العلماء تزويره، واحتفلت أكاديمية برلين بعيدها المئوي، دعت العلماء من شتى بقاع الأرض لحضور احتفالها، وحرصت على أن تغفل دعوة مواطنها هيكل. وفي بريطانيا أعلن سيريل بيرت أن أبحاثه الإحصائية في الذكاء أوصلته إلى نتيجة أن الذكاء وراثي، وليست له صلة بنوع التربية؛ بمعنى أنه لا أمل في تغيير الذكاء بالوسائل الحديثة مهما بلغ تنوعها ووفاؤها بترقية التربية، واتّضح أن بيرت كان يرمي من وراء ذلك إلى تسويغ الاستعمار وأبديّته؛ لأنه إنما قامفيما زعمبسبب تخلّف العناصر الملونة، وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى تضليل العلماء وتبديد وقتهم للتأكد من نتائج زائفة من أجل أغراض ذاتية خاصة. ومن الأمثلة الصارخة على خطورة سقوط العلم وفلسفته في أسر الأيديولوجيا الجامدة ما قام به عالم النبات والوراثة الروسي تروفيم ليسنكو في عصر ستالين من التوفيقبطريقةٍ لا تخلو من التلاعببين النظريات البيولوجية والتفسير المادي للتاريخ، وكان خصومه على المستوى العلمي البحت خصوماً للدولة، ومعرّضين لكلّ ضروب الاضطهاد(3).

من ناحيةٍ أخرى، هناك مَن يناصر العلم ويمجِّده إلى درجة التقديس والتأليه؛ اعتقاداً منهم بأنه القوة الوحيدة التي يعوّلون عليها في تحقيق الجنة الموعودة للإنسان على الأرض، ويدعو أصحاب هذه (النزعة العلمية المتطرفة) إلى رفع كل قيد عن العلم وأبحاثه ونتائجه؛ فهُم يردّون إليه كلّ شيء، ولا يؤمنون إلا بمنهجه وخصائصه. وعلى غرار هؤلاء يوجد أيضاً أصحاب (النزعة التقنية المتطرفة)، أو التكنوقراطيون والخبراء الفنّيون، الذين يرمون إلى فرض سيطرتهم، وتوسيع نطاق هيمنتهم؛ لأنهم يرون أنفسهم الأحقّ في هذا العصر بإدارة المجتمع البشري، واتخاذ القرارات الكبرى بشأنه. وأصبح التطور الكمِّي للعلم والتقنية لدى هؤلاء وأولئك غايةً في حدّ ذاته بغضّ النظر عن الأمور الإنسانية والأخلاقية والقيمية. وبلغ الاستحسان في هذا التوجّه أقصى مداه خلال العقود القليلة الماضية؛ إذ أخذت الدول المتقدمة تتسابق بعد الحرب العالمية الثانية إلى احتكار صناعة العلم والتقنية، وتتنافس في الإنفاق عليها ببذخ، بوصفها صناعةً ثقيلةً يعوَّل عليها بصورة رئيسة في زيادة القدرات العسكرية والصناعية والاقتصادية. لكن هذا التقدم العلمي والتقني الهائل حتَّم على الناس أن ينظروا باهتمام بالغ إلى النتائج السلبية للبحث العلمي، وأن يحذّروا من مخاطرها وتحدياتها. وأمام هذا الاتجاه المتطرف في التحيّز المطلق للعلم والتقنية من جانب الماديين عامةً أخذ بعض الناسعلى الجانب الآخريتخوّفون من كلّ ما يجري حولهم تحت شعار (سباق الحضارات)، وظهرت حركات تندّد بالعلم وتناهضه، وتحارب الانغماس الأعمى في ماديات الحضارة الصناعية والتقنية، وترفع صيحات التحذير من أن اطّراد التقدم العلمي والتقني، من دون النظر إلى صلته بمعنى الحياة الإنسانية، سينتهي بالإنسان إلى القضاء على حضارته، بل إن بعض هذه الحركات المتطرفة أيضاً أخذت تدعو إلى الهروب الكامل من الحضارة المعاصرة بكلّ ما فيها من مظاهر مادية خادعة، مستندةً إلى واقع ما يشهده العالم من اتّساع هوّة التفاوت بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، وما جرّه السباق المحموم من ويلات شملت الأسلحة الفتاكة، وتبديد المصادر والثروات الطبيعية، وتزايد معدلات التلوث البيئي بأنواعه وأشكاله التي تهدد استمرار الحياة على الأرض.

مواقف أخرى تبدو عقلانية

ليس التناقض، الذي أوضحناه بين المؤيدين والمناهضين للعلوم الكونية وتقنياتها، هو الشكل الوحيد من أشكال التحيز المطروحة في ميدان فلسفة العلم المعاصرة؛ فهناك إلى جانب هذين التيارين المتطرفين تيارات أخرى أقلّ حدّة، وأكثر عقلانيةً؛ لأنها تحدّد مواقفها في إطار العلاقة بين العلم والتقنية من ناحية، وبين المجتمع والقيم الأخلاقية من ناحية أخرى. وأهم ما يجمع بين أنصار هذا الاتجاه الوسطي أنهم لا يسوّغون الحاجة إلى المنهج العلمي وحده من دون غيره من المناهج الثقافية؛ فالعلم جزء من الثقافة، وليس الثقافة كلها؛ لذا يجب ألا تحدّد رسالة العلم على أساس ما يرسمه هو، أو في إطار حدود صارمة يفرض فيها سلطانه، وينشر فيها خبرته العملية وحدها.

ولا يشغل هذا الاتجاه الوسطي بدوره منزلةً محددةً بين منزلتين؛ فهو يضمّ عدداً من المواقف القاصرة بدرجات متفاوتة، وصور متنوعة، نتيجة استبعاد أو إهمال عنصر أو أكثر من عناصر الأنساق المعرفية والمنهجية البانية للعلم وفلسفته، والموجِّهة لهما؛ فربما يكون هناك من يرى في الوسطية بين النقيضين نوعاً من الحياد الذي لا يكترث بما يمكن أن يترتّب عليه تقدّم العلم من خير أو شر، وهو يكون بالفعل كذلك إذا كانت ممارسة البحث العلمي تتمّ لمجرد العلم والسعي، وصولاً إلى الحقيقة لذاتها فقط بغضّ النظر عن أيّ غاية أخلاقية يمكن أن يخدمها هذا البحث. ويزكّي هذا الموقف أنصار (الوضعية المنطقية(4)، الذين يعتقدون أن القيم تخرج عن نطاق العلم؛ لأنها تعبّر بطبيعتها عن تفضيلات شخصية، بينما لا يسود في العلم إلا الحياد التامّ الذي يستبعد كلّ القيم والتفضيلات الأخلاقية أو الجمالية، وإذا أردنا أن نجعل للقيم مكاناً فليكن ذلكحسب رأي هؤلاء الوضعيين المنطقيينفي ميدان الفن أو الأدب(5).

بُعدٌ جديد يزيد من تعقيد الأزمة

ظهر خلال الأعوام القليلة الماضية بُعدٌ جديد زاد من تعقيد الأزمة المستحكمة التي تتعرّض لها فلسفة العلم المعاصرة على المستويين: الفكري، والتطبيقي، بعد أن أحسّت التيارات المادية بالخطر الذي يهدد مبادئ فلسفاتها العلمية؛ بسبب الإنجازات التي حقّقها البحث العلمي في عالم المتناهيات في الصغر على مستوى الذرة والخلية الحيّة ونواتيهما، وفي عالم المتناهيات في البُعد والكبر على مستوى المجرات والأجرام السماوية العملاقة السابحة في الفضاء الكوني البعيد؛ فقد نجح علماء الكونيات (الكوزمولوجيا) في كشف حقائق علمية جديدة تؤدي إلى فهم أفضل لطبيعة العالم الذي نعيش فيه، وتنسجم مع عقيدة التوحيد الإسلامي التي يشكّل الانطلاق منها حجر الزاوية في رؤية الإنسان الصائبة لحقائق الوجود التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بالبحث عنها واستقرائها في وحدة النظام بين الظواهر الكونية المتعددة. لكن (اللادينيين) من (الماديين الجدد) راحوا يطالبون بإيقاف البحث في علم الكونيات، والكفّ فوراً عن إنفاق المال هدراًعلى حدّ زعمهممن أجل صياغة نظريات عن أصل الكون ونهاية العالم، وحجّتهم في ذلك أن مثل هذه الدراسات من شأنها أن تزعزع النظام المتقن للأشياء الذي بُني عليه العالم، ولعلهم بهذا يحاولون أن يعودوا إلى الحتمية العلمية القديمة التي تفيد عموم القوانين الطبيعية وثبوتها، وتردّ كلّ شيء في الوجود إلى العلة والمعلول(6).

واجب العلماء تجاه الأزمة

من الطبيعي أن تؤدي بنا هذه الرؤية النقدية لأزمة فلسفة العلم المعاصرة إلى إثارة قضية مهمة تتعلق بالمسؤولية الملقاة على عاتق العلماء في العصر الحاضر؛ لأن الوعي المتزايد بنتائج العلم والتقنية، وانعكاساتها المؤثرة في مختلف جوانب الحياة، جعل من واجب العلماء أن يكونوا أكثر إقداماً من غيرهم على التبصير برسالة البحث العلمي، وتصحيح مسارها، بل إن الأمر ربما يتطلّب منهم أن يمتنعوا أصلاً عن مواصلة البحث في مجال معيّن إذا أيقنوا أن نتائج أبحاثهم لن تحمل إلا ما يكدّر عيش الإنسان. وقد تعالت بالفعل دعوات التحذير من جانب العلماء بعد الحرب العالمية الثانية، وهم مطالبون الآن بألا يقتصر دورهم على مجرد خواطر تلاحق أيّ اختراع أو ابتكار بعد حدوثه، بل يجب أن يسبق أيّ مشروعات علمية وتقنية نوع من التفكير في النتائج والآثار المتوقعة مستقبلاً. وهنا تظهر قضية (مسؤولية العلماء) كأنها هي الأخرى محلّ جدل تتفاوت بشأنها الآراء؛ فهناك مَن يضيّقون هذه المسؤولية إلى الدرجة التي لا تتعدى فيها حدود معمل الأبحاث، ولا شأن للباحث بما يحدث خارج هذه الحدود، وهناك مَن يوسّعون هذه المسؤولية إلى الحد الذي تمتد فيه إلى المجتمع الإنساني بأسره، وهناك مَن يتّخذون موقفاً وسطاً بين الفريقين، ويصنعون لأنفسهم إطاراً من المحاذير والقيم التي تختلف من مجتمع إلى آخر.

نصيبنا من الأزمة والمخرج منها

%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d9%82السؤال الآن بعد تفنيد جوانب الأزمة التي تتعرض لها فلسفة العلم المعاصرة، ويدور بشأنها جدل واسع في العالم الغربي، هو: هل هذه الأزمة تخصّنا؟ والجواب على الفور: (فلسفة العلم) في أمتنا العربية والإسلامية ليست بمعزل عن الأزمة التي أصابت نظيرتها في المجتمعات الغربية، ويتمثّل المخرج في الحالتين في تأسيس فلسفة علم إسلامية فكرياً وتطبيقياً، لكن الفرق هو أن ثقافتنا العامة، وثقافتنا العلمية خاصةً، يمكنها أن تقدّم ما هو أكثر من مجموع عناصرها المادية والفكرية المشتركة مع الثقافة الغربية، إذا امتزجت بتعاليم الإسلام الحنيف وقيمه السامية؛ ليصبح ما يضمره المثقف في نفسه من تلك القيم والتعاليم دافعاً له نحو حياة عصرية تنسجم مع هويته الإسلامية، وحافزاً له على المشاركة في إنتاج المعرفة، وإعلاء صرح الحضارة المعاصرة بنصيب يتناسب مع مجد أمته وتاريخها العريق. ويقيني أن الأزمة التي أصابت الثقافة المادية المعاصرة عامةً، والثقافة العلمية الغربية خاصةً، إنما تعدُّ نتيجة طبيعية لموقف الفلسفات الوضعية من الأديان السماوية؛ لأن المعرفة الفلسفية تميّزت دائماً عبر تاريخها بأنها وجهات نظر فردية تحمل طابع أصحابها ومنظِّريها، وتخضع لمواقف القلق والحيرة والدهشة والشك في كلّ ما يمليه العقل من خلال تأمّله في المشكلات التي يسعى إلى حلّها؛ لذلك فإن المعرفة الفلسفية الوضعية تظلّ دائماً عرضةً لاستبدال الآراء الحاضرة بغيرها، خصوصاً أنها تشجع الفلاسفة على أن يقفوا بين موضوعية العلم وذاتية القيم، مستقلّين بمذهب خاصّ، زاعمين أنهم قد اهتدوا إلى الحقيقة شاملةً كاملةً، ويتوزّع الناس بين مذاهبهم ومدارسهم، ويعيشون أسرى لمعتقدات هي أبعد ما تكون عن الاهتداء إلى الحقيقة الكلية الكبرى لحركة الكون والحياة؛ لأنهافي وضعها بمعزلٍ عن هدي اللهتحتاج دائماً إلى التطور في أصولها وقواعدها، والانقلاب على نفسها أحياناً عندما تضيق عن البشرية في حجمها المتطور، وحاجاتها المتجددة. أما منهج الوحي عامةً، والمنهج الإسلامي خاصةً، فهوبربّانيتهيخالف في أصل تكوينه وخصائصه تلك الفلسفات الوضعية؛ لأن الذي وضعه يرى بلا حدود من الزمان والمكان، ويعلم بلا عوائق من الجهل والقصور، ويختار بلا تأثّر من الشهوات والانفعالات؛ لذا فهو يضع للكينونة البشرية كلها، في جميع أزمانها وأطوارها، أصلاً ثابتاً تتطور هي في حدوده وترتقي من دون أن تحتكّ بجدران هذا الإطار.

وعلى هذا الأساس يكون المنهج الإسلامي الرشيدبربّانيته وعالميتههو المؤهَّل بحقٍّ لاحتضان ثقافة الإنسان وتوجيهها لتؤتي ثمارها في ظلّ مجموعة من القيم الهادية المتمثلة في حبّ الحق والخير والجمال، وعندما ينصرف الحديث إلى (فلسفة علم إسلامية) فإن مثل هذه القيم الهادية هي التي ستحدّد للإنسان ما يجوز له فعله بالمعلومات التي جمعها، والقوانين العلمية التي اكتشفها، والتقنيات الجديدة التي طوّرها. وفي هذه الحالة تكمن القوة الدافعة للفكر الإنساني بأن يفعل شيئاً معيَّناً، ويحجم عن فعل شيء آخر؛ لأنه اهتدى إلى أفضل المعايير التي تبيّن له متى يفعل، ومتى لا يفعل. ولا يمكن لفلسفة العلم أن تكون (إسلامية كاملة) ما لم تتمثّل علوم العصر بعد أن تمحّصها وتزنها بميزان الإسلام وشمولية قيمه ومقاصده، وما لم ترتبط بالأصول التراثية للإفادة من إسهامات القدماء بالقدر الذي ثبتت به لبعض أعمالهم قيمة علمية أو تقنية مستمرة إلى اليوم؛ فعندئذٍ فقط تكون (فلسفة نظرية العلم الإسلامية)، التي ندعو إلى تأسيسها، بمنزلة مشروع حضاري يمهّد السبيل للارتقاء بالوعي العلمي العام، ويسهم في إعداد العقلية العلمية المنهجية القادرة على استيعاب قضايا العصر، وتلبية احتياجات الأمة، في إطار فلسفة كونية أعمّ ترسم الطريق، وتحدّد الغايات، وتوفّر الدافع الروحي والوجداني والعملي للحاق بركب المتقدمين؛ فبقدر ما تتخلّف أمة من الأمم عن ركب المتقدمين علمياً وتقنياً يكون عزلها عن مقوّم أساسي من مقومات البقاء الحضاري محلياً وعالمياً، ويكون تهديدها في سلامها وأمنها الشامل بعد أن أصبح هذا السلام والأمن معتمداً بصورة رئيسة على التفوق والتميز في علوم وتقنيات تُوصف اليوم بأنها (حاكمة) للعلاقات بين القوى الدولية، وموجِّهة لحركة الحياة على الأرض في الحاضر والمستقبل.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *