غفران العثيم - مترجمة: سعودية

الرجل الذي تسلّح بالمنطق ليُصلح العالَم

على الرغم من تخلّص والتر بيتس من براثن الشوارع ليعمل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلا أنه لم يستطع التحرّر من نفسه؛ فلطالما كان والتر بيتس ضحيةً للتنمّر؛ إذ وُلد في بيئة قاسية في أثناء مدة حظر الكحول في ديترويت، وكان والده النحاس لا يتوانى عن مدّ يده ليتمّ له ما يريد، ولم يكن صبيان الحيّ بأفضل حال منه؛ ففي ظُهر أحد أيام عام 1935م، وبينما يطارد الصبية والتر في أحد الشوارع، دلف إلى مكتبة الحيّ هرباً منهم، وفي المكتبة وجد نفسه؛ ففيها تعلّم اليونانية واللاتينية وعلم المنطق والرياضيات؛ إذ كانت المكتبة ملاذه من جحيم المنزل بعد أن أجبره والده على ترك المدرسة، وزجّ به في سوق العمل؛ لذلك كان ينظر بيتس إلى العالم الخارجي على أنه مكان تعمّه الفوضى، بينما وجد المنطق داخل عالم الكتب.

أغلقت المكتبة بابها في عتمة المساء، بينما ظلّ بيتس مختبئاً فيها ليتجنّب مواجهة المتنمّرين، وهناك ظلّ وحيداً يتنقل بين أكوام الكتب حتى وجد كتاب مبادئ الرياضيات، الذي يتكون من ثلاثة أجزاء، كتبها برتراند راسل وألفريد وايتهيد في المدة (1910- 1913م) في محاولة لشرح الرياضيات بالمنطق الصرف. عكف بيتس على قراءة كتاب مبادئ الرياضيات في المكتبة ثلاثة أيام، حتى أنهى قراءة جميع أجزائه، وكان عدد صفحاتها يقارب ألفي صفحة، وتمكّن خلال قراءته من اكتشاف عددٍ من الأخطاء، فقرّر إرسال رسالة إلى الكاتب برتراند راسل نفسه، مفصّلاً فيها هذه الأخطاء. ولم يكتفِ راسل بالردّ على الرسالة، بل من شدة إعجابه ببيتس دعاه ليلتحق به طالب دراسات عليا في جامعة كامبريدج بإنجلترا، لكن بيتس لم يتمكّن من ذلك بسبب صغر سنه؛ فقد كان يبلغ من العمر اثني عشر عاماً. وبعد ثلاثة أعوام من ذلك تبادر إلى أسماعه أن راسل سيزور جامعة شيكاغو، فقرّر الفتى ذو الخمسة عشر ربيعاً الهرب من منزله متّجهاً إلى ولاية إلينوي، وكان ذلك آخر لقاء مع عائلته.

في عام 1923م، وهي السنة نفسها التي وُلد فيها والتر بيتس، تمكّن وارن مكلوتش من تلخيص كتاب مبادئ الرياضيات وهو شاب في الخامسة والعشرين ربيعاً، وكان ذلك هو وجه الشبه الوحيد بينهما؛ فعلى النقيض من بيتس كان مكلوتش من أسرة ثرية من المحامين والأطباء ورجال الدين والمهندسين، تعيش في الساحل الشرقي. تلقّى مكلوتش تعليمه الراقي في أكاديمية خاصة للبنين في ولاية نيوجرسي، ثم درس الرياضيات في جامعة هارفارد في ولاية بنسلفانيا، ثم الفلسفة وعلم النفس في جامعة ييل. وفي كولومبيا عام 1923م حيث كان يدرس مكلوتش (الجماليات التجريبية)، وكان على وشك الحصول على شهادة الطب في علم وظائف الأعصاب، مع أنه طالما كان محباً للفلسفة، آملاً أن تكون لديه إجابة لكلّ سؤال، نشر فرويد في ذلك الوقت دراسة تحليليه بعنوان: (الأنا والهو)، مثّلت نقلة نوعيةً في طريقة التحليل النفسي، لكن لم يقتنع مكلوتش بذلك؛ فقد كان متأكداً من أن الغموض الذي يكتنف طريقة عمل الدماغ وقصوره يعود بشكل بحت إلى ميكانيكية عمل الخلايا العصبية (العصبونات).

وعلى الرغم من أن مكلوتش وبيتس بدوا على طرفي نقيض في المجال الاجتماعي والاقتصادي إلا أنه قُدِّر لهما أن يعيشا ويعملا ويموتا معاً؛ فخلال مسيرتهما قدّما أول نظرية لميكانيكية العقل، وأول طريقة للنهج الحسابي لعلم الأعصاب، والتصميم المنطقي لأجهزة الحاسوب الحديثة، ووضعا معاً أركان الذكاء الاصطناعي، لكن الموضوع أكبر من قصة تعاون بحثي مثمر، بل شمل أواصر الصداقة، وقصور العقل، ومحدودية قدرة المنطق على إصلاح عالم مملوء بالفوضى، وبعيد من الكمال.

لم يكن ليُخيّل للناظر أن يكون هذان الشخصان على وفاق؛ فقد كان أول لقاء لمكلوتش ببيتس في عمر الاثنين والأربعين عاماً، وكان شخصاً واثقاً رماديّ العينين ذا لحية شعثاء، وكان مدخناً شرهاً، وفيلسوفاً شاعراً، يعاقر الخمر، ويعشق المثلجات، ولم يأوِ أبداً إلى فراشه قبل الساعة الرابعة صباحاً. وعلى النقيض من ذلك، كان بيتس فتى في الثامنة عشرة من عمره، وكان يافعاً وخجولاً ذا جبين واسع أضفى على عمره عمراً، وفكٍّ بارز كمنقار بطة، ويرتدي نظارة طبية. كان مكلوتش عالماً محترماً، بينما كان بيتس فتى هارباً بلا مأوى، يعيش متسكّعاً في أرجاء جامعة شيكاغو، ويشغل بعض المهن الوضيعة في الجامعة حتى يتسنّى له التسلّل إلى محاضرات راسل، وهناك التقى بطالب طب شاب يُدعى جيروم ليتفي، كان هو صلة الوصل بين مكلوتش وبيتس؛ فمن الوهلة الأولى التي تحدث فيها ليتفي وبيتس معاً أدركا إعجابهما المشترك بجوتفريد لايبنتز، وهو فيلسوف من القرن السابع عشر الميلادي ابتكر أبجدية الفكر الإنساني، التي يمثّل كلّ حرف منها مفهوماً يمكن دمجه وتعديله وفقاً لمجموعة من القواعد المنطقية لحساب المعرفة؛ فرؤيته تهدف إلى تحويل العالم الخارجي الناقص إلى ملاذ منطقي شبيه بأجواء المكتبة.

شرح مكلوتش لبيتس محاولته تجسيد الدماغ البشري مستعيناً بعلم التفاضل والتكامل المنطقي للعالم لايبنتز، واستوحى أيضاً من كتاب (مبادئ الرياضيات) محاولة راسل ووايتهيد إثبات أن الرياضيات يمكن أن تُبنى من الألف إلى الياء باستخدام الأساسيات، وهو منطق لا جدال فيه؛ فقد كانت لبنة بنائهما القضايا؛ إذ تُعيّن لكل إفادة قيمة واحدة من بين اثنتين، هما: الصدق، والكذب، ومنها وظّفا العمليات الأساسية للمنطق؛ مثل: حرف العطف (و)، وحرف التخيير (أو)، وحرف النفي (لا)؛ لربط القضايا في شبكات معقدة تزداد تعقيداً بشكل تصاعدي، ومن ذلك نشأت تعقيدات الرياضيات المعاصرة.

%d9%87%d9%85%d8%b3هذا الأمر هو ما حدا بمكلوتش إلى التفكير في محاكاة الخلايا العصبونية الحيوية؛ فقد كان يعلم أن كل خلية عصبية في الدماغ ترسل الإشارات عند تحقيق الحد الأدنى لقيمة العتبة من عصبونات الخلايا المجاورة عن طريق تغصنات وزوائد شجرية، وتعرف نقطة التواصل بـ(المشابك)، ومنها أدرك مكلوتش فكرة العملية الثنائية؛ فالإشارات العصبية بوابات منطقية تشبه في عملها عمل حساب القضايا؛ فكلّ عقدة عصبونية تتلقّى مجموعة من المدخلات لينتج منها مُخرَج واحد، وبتنويع تابع التحويل أو العتبات في إرسال الإشارات إلى الخلايا العصبية يمكنها أن تؤدي العمليات المتّبعة في حساب القضايا (و، أو، لا).

ومما زاد من قناعة مكلوتش بأن الدماغ مجرد آلة تستخدم المنطق المرمّز في الشبكات العصبية لتقوم بالعملية الحسابية قراءته أطروحة علمية لعالم الرياضيات البريطاني آلان تورنج، التي أثبت فيها إمكانية قيام الآلة بحساب أيّ عملية مادام يمكن أداؤها في سلسلة محدودة من الخطوات، ويعتقد مكلوتش أيضاً أن الخلايا العصبية يمكن ربطها معاً عن طريق قواعد المنطق لبناء سلاسل أفكار أكثر تعقيداً، وهو يحاكي بذلك ما ورد في كتاب (مبادئ الرياضيات)، وعن طريق ربط سلاسل القضايا بُنيت الرياضيات المعقدة.

بينما كان مكلوتش يشرح مشروعه ذهل من قدرة بيتس على استيعاب فكرته، بل معرفة الأدوات الرياضية التي يمكن استخدامها؛ فلم يتوانَ عن دعوة الفتى إلى العيش معه هو وعائلته في هينسدل إحدى الضواحي الريفية في ضواحي شيكاغو، وكانت تتبع نمط حياة بوهيمي صاخب متحرّر من قيود المجتمع، وكان منزل الأسرة منتدًى لمفكّري شيكاغو وأدبائها، يناقشون فيه الشعر، وعلم النفس، والسياسة الراديكالية المتطرفة على صوت أخبار الحرب الأهلية الإسبانية وأغاني الاتحاد المنبعثة من آلة الفونوغراف. وما إن يخيّم الليل بسواده، وتخلد روك زوجة مكلوتش وصغارها الثلاثة إلى النوم، حتى يبدأ مكلوتش ورفيق دربه بيتس بالسكر، ويعكفان على محاولة بناء آلة ذكاء حسابية عن طريق محاكاة عمل الخلايا العصبية.

كان مكلوتش قد وصل إلى نهاية مسدودة قبل أن يتعرّف إلى بيتس؛ فلم يكن هناك ما يمنع سلاسل الخلايا العصبية من الالتواء على نفسها في دوائر؛ لأن المخرج من آخر خلية عصبية في السلسلة يصبح المدخل للخلية الأولى؛ أي أن الشبكة العصبية
تنتهي بمطاردة نهايتها الطرفية؛ فلم يكن لدى مكلوتش أيّ فكرة عن كيفية محاكاة ذلك بالمفاهيم الرياضية؛ فمن ناحيةٍ منطقيةٍ المنحنى في الدائرة يناقض الترتيب؛ لأن النتائج المترتبة تأتي قبل السوابق، والأثر يأتي قبل السبب؛ لذلك صنّف مكلوتش كلّ وصلة في سلسلة وفق ترتيب زمني، حتى إذا أرسلت الخلية العصبية الأولى في الوقت (ت) ترسل الخلية اللاحقة إشارتها في الوقت (ت+1)، وهكذا دواليك، لكن الإشكال يكون عندما تلتفّ السلسلة ويصبح (ت+1) قبل (ت).

كان لدى بيتس حلّ للتعامل مع هذه المعضلة؛ فلجأ إلى مبدأ الحساب النمطي (مودلو)، وهو نظام حسابي للأعداد الصحيحة يعتمد على تكرار الأعداد بشكل نمطي؛ لذا فالأعداد أشبه بالوقت في الساعة، وبذلك استطاع حلّ الإشكال؛ فباستخدام هذا المبدأ لن يكون هناك تناقض حتى بعد تقديم (ت+1) على (ت)؛ لأن (قبل) و(بعد) لا معنى لهما في حساباته؛ فقد أزال الوقت من المعادلة تماماً؛ فعلى سبيل المثال: عندما يرى المرء ومضة البرق في السماء تُرسل العينان إشارة تنقلها سلسلة من الخلايا العصبية إلى الدماغ، ويمكن تقفي أثر الإشارة بدءاً من أي خلية عصبية في السلسلة، وبذلك معرفة متى ضرب البرق، لكن ذلك يستحيل إذا كانت السلسلة على شكل دائرة؛ ففي تلك الحالة المعلومات المرمّزة لومضة البرق تدور في دوائر إلى ما لا نهاية؛ لأنها ليس لها صلة بالوقت الذي ضرب فيه البرق، وبذلك أصبحتكما وصفها مكلوتش بالفعلفكرة خرجت عن نطاق الوقت.

تمكّن العالمان بعد أن أنهى بيتس عملياته الحسابية من محاكاة أول نموذج آلي للعقل، وهو أول تطبيق حسابي للدماغ، وأول برهان على أن الدماغ البشري ما هو إلا معالج للمعلومات؛ فعن طريق تشكيل بدائي للخلايا العصبية الثنائية على شكل سلاسل ودوائر تمكّن الدماغ من تنفيذ أيّ عملية منطقية، وحساب ما يمكن حسابه عن طريق آلات تورنج الافتراضية. وتمكّن العالمان بفضل الدوائر الأوبوريكية من العثور على وسيلة للدماغ الصناعي لتجريد المعلومات وتحليلها، ثم تلخيصها؛ لينشأ عن ذلك سلالات هرمية معقدة من الأفكار في عملية تسمى بـ(التفكير).

كتب العالمان ما توصّلا إليه من نتائج في أطروحة نموذجية بعنوان (جوهر حساب التكامل والتفاضل في نشاط الجهاز العصبي)، نُشرت في نشرة الفيزياء الحيوية الرياضية. وعلى الرغم من أن النموذج يُعدّ بدائياً مقارنةً بالدماغ البيولوجي إلا أن ذلك ساهم في إثبات المبدأ. وأضاف العالمان أن الفكر لا يحتاج إلى أن يُغلّف بالتصوف الفرويدي، أو أن يخوض في صراعات بين (الأنا والهو)، وأعلن مكلوتش لمجموعة من طلاب الفلسفة أنه «لأول مرة في تاريخ العلم تمكّنّا من معرفة كيف نعرف».

وجد بيتس في مكلوتش كلّ ما كان يحتاج إليه من القبول والصداقة؛ فقد كان نصفه المفكّر الآخر، والأب الذي لم يعرفه قط. وعلى الرغم من أن هذا الفتى الهارب عاش مدةً وجيزةً في منزل مكلوتش إلا أنه ما فتئ يذكره ويحنّ إليه. أما مكلوتش، فقد كان مفتوناً بروح بيتس الطيبة، وبراعته التقنية التي ساهمت في تجسيد مفاهيمه على أرض الواقع؛ ففي خطاب التوصية كتب عن بيتس «إنه شخص أريده دائماً بجواري»(1)، وشاركه الوصف أحد عمالقة الفكر في القرن العشرين، وهو عالم الرياضيات والفيلسوف ومؤسّس علم التحكم الآلي نوربرت فينر. وتعود بداية القصة إلى عام 1943م، عندما جلب ليتفي بيتس إلى مكتب فينر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ولم يبادر فينر إلى التعريف بنفسه، أو حتى إجراء محادثة بسيطة مع بيتس؛ فكلّ ما قام به هو إحضار سبورة، والعمل على برهنة مسألة رياضية، وما هي إلا لحظات حتى بدأ بيتس بتوجيه الأسئلة، وتقديم الاقتراحات، حتى واصلا الحلّ في سبورة أخرى، عندها أيقن ليتفي أن فينر وجد ذراعه اليمنى، وكتب فينر لاحقاً واصفاً بيتس: «إنه بلا منازع أقوى عالم شاب قابلته في حياتيسيكون من العجيب ألا يُعرف بوصفه أحد أهم عالمين أو ثلاثة علماء في جيله، ليس في الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل في العالم أجمع».

%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81ومن شدة إعجاب فينر ببيتس وعده بأن يساعده على الحصول على درجة الدكتوراه في الرياضيات من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على الرغم من أن القوانين الصارمة في جامعة شيكاغو لا تسمح بقبول طالب لم يُنهِ دراسته الثانوية؛ فكان عرضاً لا يمكن رفضه من شخص شقّ طريقه من عامل بسيط في ديترويت إلى طالب يدرس على أيدي نخبة من العلماء المؤثرين في العالم. وبحلول عام 1943م، انتقل بيتس إلى سكن جامعة كامبريدج، وقبل طالباً استثنائياً في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

أراد فينر من بيتس أن يكمل نموذج الدماغ، ويجعله أكثر واقعيةً؛ فعلى الرغم من النقلات التي حقّقها بيتس ومكلوتش في عملهما إلا أن المنطق الرمزي كان صعب التحليل، كما كان النموذج بدائياً ليحاكي تعقيدات الدماغ البشري. وأدرك فينر في قرارة نفسه مدى تعقيد العمل الذي قام به العالمان؛ فتقديم نموذج أكثر واقعية للشبكات العصبية الحيوية في الآلات الذكية يعني ثورةً في الحقل السيبراني، وليدعم نموذج بيتس مئة مليون خلية عصبية في الدماغ يحتاج إلى إحصائيات دقيقة، وهو ما برع فيه فينر؛ فقد كان ضليعاً في نظرية الاحتمالات والإحصاء، وهو مَن قدّم تعريفاً رياضياً دقيقاً لنظرية المعلومات، وهو أنه كلما زادت الاحتمالات زادت تبعاً لذلك العشوائية، وانخفض محتوى المعلومات.

أدرك بيتس عندما بدأ العمل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أنه على الرغم من أن علم الوراثة يجب أن يحتوي على صفات الخلايا العصبية العامة إلا أنه لا يمكن للجيناتبأيّ حال من الأحوالتحديد تريليونات وصلات المشابك العصبية في الدماغ سلفاً؛ فهذا الكمّ من المعلومات المطلوبة لا يمكن الاحتفاظ به؛ لذلك يعتقد بيتس أن الجهاز العصبي في البشر يبدأ بعدد عشوائي من المشابك العصبية، ومن المرجّح أن كلّ مشبك عصبي يحتوي على معلومات ضئيلة (وهي أطروحة لا تزال قابلة للنقاش إلى يومنا هذا)، ويظنّ أن تغيّر عتبات الخلايا العصبية طوال الوقت يمكن أن ينظم العشوائية، ويظهر المعلومات. ولمحاكاة هذه العملية لجأ بيتس إلى الميكانيكا الإحصائية، وهو ما كان فينر يشجّعه عليه؛ فتصميم آلة تعمل بنموذج بيتس يعني أن الآلة قادرة على التعلّم. كتب بيتس في رسالة إلى مكلوتش في ديسمبر عام 1943م، بعد نحو ثلاثة أشهر من وصوله إلى المعهد: «أستطيع الآن أن أفهم للمرة الأولى سبعة أثمان ما يقوله فينر، وهو ما قيل لي بأنه إنجاز»، وذكر أنه يعمل مع فينر على «صياغة أول مناقشة وافية للميكانيكا الإحصائية وفهمها بوجه عام؛ حتى تشمل المناقشة مشكلة مشتقة من قوانين نفسية أو إحصائية للسلوك، ومن القوانين المجهرية من علم وظائف الأعصابألا يبدو ذلك جيداً؟».

في فصل الشتاء، دعا فينر بيتس إلى مؤتمر نظّمه في برينستون بالتعاون مع عالم الرياضيات والفيزياء جون فون نيومان، الذي كان أيضاً معجباً بعقلية بيتس، وهناك تشكّلت بدايات فريق (سايبرتشنست Cyberneticians)، الذي أسّسه فون نيومان مع فينر وبيتس ومكلوتش وليتفي، وبرز في هذا الفريق الاستثنائي عالمنا المشرّد الهارب من عائلته بيتس، وكتب مكلوتش: «لم يكن لأحد منا أن يجرؤ على نشر ورقة علمية من دون تعديلات بيتس وموافقته»، وقال ليتفي: «كان بيتس بلا شك عبقريّ الفريق؛ فلا أحد يضاهيه في علم الكيمياء والفيزياء، ببساطة: كان يمكنه التحدث في كل شيء؛ من التاريخ إلى علم النبات وغيرهما من العلوم؛ فبمجرد سؤاله عن أمر ما كان يستطيع استرجاع جميع المعلومات الموجودة في الكتابفالعالم لديه كان مترابطاً بطريقة معقدة جداً ورائعة»(2).

في يونيو عام 1945م، ألّف جون فون نيومان كتاباً يعدّ مستنداً تاريخياً بعنوان: (المسودة الأولى من تقرير حول الإدفاك EDVAC)، وهو أول وصف منشور لبرامج الحاسوب المخزنة الثنائية؛ فلم يكن كالنموذج السابق (إينياك ENIAC)، الذي كان على مساحة ألف وثمانمئة متر مربع في ولاية فيلادلفيا؛ فالجهاز كان أشبه بآلة حاسبة عملاقة أكثر من كونه جهاز حاسب آلي، وكان من الممكن إعادة برمجة الجهاز للقيام بأيّ عملية، لكن العملية ستمتد عدة أسابيع، وتتطلّب كثيراً من أجهزة التشغيل لإعادة توصيل جميع الأسلاك والمفاتيح، فأدرك فون نيومان أنه لا ضرورة لإعادة توصيل الأسلاك في كل مرة لأداء عملية جديدة إذا كان يمكن أخذ إعدادات المفاتيح والأسلاك وتجريدها، ثم إعادة ترميزها إلى معلومات صرفة يمكن إدخالها في جهاز الحاسوب بالطريقة نفسها التي يتم بها إدخال البيانات؛ فبهذه الطريقة تشمل البيانات البرامج ذاتها لتعالج البيانات من دون الحاجة إلى إعادة توصيل أسلاك أي جهاز، وبذلك نحصل على آلة تورنج، وهي نموذج نظري بسيط يحاكي طريقة عمل الحاسوب.

والتر بيتس 1923 - 1969م من حياة التشرّد إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

والتر بيتس 1923 – 1969م من حياة التشرّد إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

اقترح فون نيومان صنع حاسب آلي يحاكي نموذج مكلوتش وبيتس لشبكات الخلايا العصبية، لكن بدلاً من الخلايا العصبية أوصى بالصمامات المفرّغة، التي سيكون عملها بوصفها بوابات منطقية؛ فعند توصيل الصمامات بترتيب الشبكات العصبية نفسه يمكن القيام بأيّ عملية حسابية. ولتخزين البرامج على شكل بيانات يحتاج الحاسب الآلي إلى ذاكرة تخزين، وهنا يأتي دور دوائر بيتس؛ فقد كرّر فون نيومان في تقريره آراء بيتس، ووظّف مبدأ الرياضيات النمطية (Modulo Mathematics): «العنصر الحافز لذاته يبقى في حالة نشاط لأجل غير مسمى». وفصّل فون نيومان جميع جوانب البنية الحاسوبية الجديدة؛ فلم يقتبس في تقريره إلا من ورقة بحثية واحدة لمكلوتش وبيتس، وهي بعنوان: (حساب التفاضل والتكامل المنطقي).

وبحلول عام 1946م، كان بيتس يعيش في شارع بيكون في مدينة بوسطن، يشاركه السكن: أوليفر سيلفردج، وهو طالب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا سيُعرف لاحقاً بـ(أبو علم إدراك الآلة)، وهيمان مينسكي الخبير الاقتصادي في المستقبل، وليتفي وهو أستاذ يدُرس المنطق الرياضي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ويعمل مع فينر على الميكانيكا الإحصائية للمخ.

في العام الذي يليه، أعلن بيتس في المؤتمر المعرفي الثاني أنه سيكتب أطروحة الدكتوراه في (الشبكات العصبية الاحتمالية الثلاثية الأبعاد)، وهو ما أربك العلماء في المؤتمر وحيّرهم؛ فكلمة (شخص طموح) لا تكاد تصف المهارات الرياضية اللازمة لإنجاح مثل هذا العمل الفذّ، لكن الذين يعرفون قدرات بيتس ومهاراته كانوا يتحرّقون شوقاً ليروا ما سيفعله؛ فقد صنّف مكلوتش في رسالةٍ إلى الفيلسوف رودولف كارناب إنجازات بيتس قائلاً: «من أكثر العلماء نهماً للعلم؛ فهو كيميائي ممتاز، ومتخصّص جيد في علم الثدييات لعلمه بنباتات السعادي وأنواع الفطر والطيور في نيو إنجلاند، ودرس أيضاً التشريح وعلم وظائف الأعصاب من مصادرها الأصلية في اليونانية واللاتينية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية والألمانية، وذلك لمبادرته إلى تعلّم أيّ لغة يحتاج إليها في أقرب وقت، ولديه معرفة بكل شيء من نظرية الدوائر الكهربائية وطريقة لحام الدوائر الإلكترونية إلى الإضاءة ودوائر الراديو. في حياتي الطويلة لم يسبق لي أن رأيتُ رجلاً مثقفاً وعملياً مثله».

وفي يونيو عام 1954م، كتبت مجلة (فورتشن) مقالاً عن أكثر عشرين عالماً موهوباً تحت سن الأربعين، وورد فيها اسم بيتس إلى جانب كلود شانون وجيمس واطسون؛ فعلى الرغم من كل الصعاب التي مرّ بها والتر بيتس إلا أنه استطاع تحقيق النجومية العلمية.

كتب بيتس قبل عدة سنوات رسالةً إلى مكلوتش، معبّراً فيها عن حنينه إليه: «أُحسّ تقريباً كلّ أسبوع بشوق شديد، وأرغب في التحدث إليك طوال الليل». وعلى الرغم من كل نجاحات بيتس العلمية إلا أنه عانى الحنين إلى الديار، والديار هنا تعني مكلوتش، ووصل إلى مرحلة من الاعتقاد بأنه بعمله مع مكلوتش مرة أخرى سيكون أكثر سعادة وإنتاجية وقدرة على سبر أغوار جديدة، ويبدو أن مكلوتش كان هو الآخر يتخبّط في عمله من دون معاونه الهارب. وفي عام 1952م، انقشعت الغمة بدعوة جيري ويزنرالمدير المساعد في مختبر أبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيامكلوتش ليعمل رئيساً لمشروع جديد في علم الأعصاب في المعهد. لم يتوانَ مكلوتش عن قبول العرض؛ لأنه يعني أنه سيعمل جنباً إلى جنب مع بيتس. تخلّى عن منصبه أستاذاً، وعن منزله الكبير في هينسدل؛ ليكون مساعد باحث، وليعيش في شقة وضيعة في كامبريدج، إلا أنه كان أسعد الناس بذلك. كانت خطة المشروع استخدام كلّ ما له علاقة بنظرية المعلومات، والفسيولوجيا العصبية، والميكانيكا الإحصائية، وحوسبة الآلات؛ لفهم جوهر المادة الدماغية التي تميّز بها الإنسان من سائر المخلوقات الأخرى. انضم ليتفي وعالم الأعصاب الشاب باتريك وول إلى مكلوتش وبيتس في مقرهما الجديد في مبنى رقم عشرين في شارع فاسار، وكان تزيّن باب المبنى لافتة مكتوب عليها (نظرية المعرفة التجريبية). ومع انضمام هذه الكوكبة من العلماء كان علم الأعصاب، وعلم التحكم الآلي، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الحاسوب، على حافة انفجار فكريّ لا حدّ له، لكن كان هناك شخص واحد لم يسعد بلمّ هذا الشمل، هي مارجريت زوجة فينر، وكانت امرأة متحكّمة، ومحافظة متشددة بكلّ المقاييس. كانت مارجريت تكره تأثير نمط معيشة مكلوتش في زوجها؛ فقد قام مؤخراً بإقامة حفلة جامحة في مزرعة عائلته بأولد لايم في كونيتيكت، ولم تكن تكترث به عندما كان يعيش في شيكاغو، لكن لم تتحمّل فكرة وجوده في كامبريدج؛ لذا بدأت بنسج مكيدتها، فأخبرت زوجها أن أبناء مكلوتش تحرّشوا بابنته باربرا في أثناء إقامتها بمنزلهم في شيكاغو، وعلى الفور أرسل فينر برقيةً غاضبةً إلى ويزنر، مضمونها: «الرجاء إبلاغ بيتس وليتفي بإلغاء ارتباطي بجميع المشروعات، ولا أريد أيّ علاقة بهما بعد الآن»(3)، وبعدها قطع اتصالاته مع بيتس من دون أن يشرح له سبب قيامه بذلك، وكانت تلك الحادثة هي بداية النهاية لبيتس؛ فقد مثّل فينر دور الأب في حياته، لكنه تخلّى عنه لسبب غير مفهوم؛ فلم يكن الأمر مجرد خسارة، بل أسوأ بكثير؛ لأنه ينافي منطق علاقة الأب بابنه.

وما حدث مع الضفادع زاد الطين بلةً؛ ففي الطابق السفلي من المبنى رقم عشرين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا احتفظ ليتفي بمجموعة من الضفادع وصندوق مملوء بالصراصير، وساد اعتقاد بين علماء الأحياء في ذلك الوقت أن العين مثل اللوحة الفوتوغرافية التي تسجّل في اللاوعي نقاطاً ضوئية وترسلها تباعاً إلى الدماغ الذي يتولى مهمة التفسير، وهي الأصعب، فقرّر ليتفي التحقّق من ذلك عن طريق فتح جمجمة ضفدع، وربط أقطاب كهربائية في ألياف فردية في العصب البصري.

أخضع ليتفي، بمشاركة كلٍّ من: بيتس، ومكلوتش، وومبرتو ماتورانا، وهو عالم أحياء وفيلسوف تشيلي، الضفادع لمختلف التجارب البصرية، منها على سبيل المثال: إضاءة الأنوار وإعتامها، وعرض صور فوتوغرافية ملونة من بيئة الضفادع الطبيعية، واستخدام الذباب الاصطناعي المتدلّي مغناطيسياً، ثم تسجيل ما قامت العين بقياسه قبل إرساله إلى الدماغ، لكن المثير للدهشة أن العين لم تقُم بتسجيل ما رأت فحسب، بل قامت بترشيح الخواص البصرية؛ مثل: التباين، والانحناء، والحركة، وتحليلها؛ فقدّم العلماء أطروحة نموذجية بعنوان: (ماذا أخبرت عين الضفدع دماغه؟)، نُشرت عام 1959م، وهي تفيد بأن العين تتحدث لغةً على درجة عالية من التنظيم والتفسير. وضربت نتائج البحث صميم معتقدات بيتس؛ فبدلاً من قيام الدماغ بحوسبة المعلومات عن طريق الخلايا العصبية الرقمية قامت الخلايا العصبية الرقمية في العين بتطبيق المنطق الرياضي والعمليات التناظرية الفوضوية المطبقة في الدماغ نفسها، وهو ما يعني أن العين قادرة جزئياً على القيام بالعمليات التفسيرية، وعلّق ليتفي على ذلك قائلاً: «كان جلياً لبيتس بعد هذه التجربة أنه حتى لو كان للمنطق دور فهو ليس بدور مهم أو مركزي كما كان متوقعاً؛ فعلى الرغم من أنه لم يصرّح بذلك قط إلا أن أمله قد خاب نتيجة التجربة، وخسارة صداقة فينر أصابته في مقتل».

أدخلت موجة الأخبار السيئة بيتس في حالة من الاكتئاب عاناها سنوات؛ ففي رسالة كتبها إلى مكلوتش يطلب منه مشورته: «لاحظت في السنتين أو السنوات الثلاث الماضية أني كثيراً ما أشعر بالحزن والفراغ والتعاسة، وهو ما جعل كلّ إيجابية في حياتي تختفي؛ فلا يبدو شيء في نظري يستحق العمل لأجله، وأبالغ في ردة فعلي عند صغائر الأمور قبل كبائرها»، وبعبارة أخرى: كان بيتس يعاني مع المنطق الذي طالما سعى إليه في حياته؛ فكتب عن معاناته مع الاكتئاب: «قد تكون شائعة بين العاملين في مجال الرياضيات التطبيقية لاستخدامهم المنطق بشكل مفرط؛ فهو نوع من الشؤم ناتج من عدم القدرة على الاعتقاد بما يعتقده الناس من المبادئ؛ مثل: مبدأ الاستقراء، أو مبدأ اتساق الطبيعة؛ فلم يستطع العاملون في المجال برهنة المسلمات البديهية، مثل: لماذا يجب أن تشرق الشمس غداً؟».


قضى
الاكتئاب على بيتس، خصوصاً بعد أن قطع فينر علاقته به؛ فبدأ يفرط في شرب الكحول، وانعزل عن رفاقه، وعندما حصل على رسالة الدكتوراه رفض التوقيع وإكمال المستندات الرسمية، وقام بإحراق أطروحته وجميع ملاحظاته التي كانت نتاج سنوات من البحث والتحرّي. كان عمله على قدر كبير من الأهمية، وكان الكل يترقّبه بفارغ الصبر، وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عرض وينسر على ليتفي زيادة الدعم المالي لمختبره إذا استطاع استعادة أيّ معلومة من الأطروحة، لكن ذهبت كلّ تلك المعلومات التي لا تُقدّر بثمن مع الريح.

استمر بيتس في العمل بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا شكلياً، وكان لا يكاد يتحدث مع أحد، وكان كثير الاختفاء؛ فقد ذكر زميله ليتفي في مذكراته: «كانت تستغرق مهمة البحث عنه ليالي طويلة؛ فقد كانت رؤيته وهو يدمّر نفسه تجربة مروّعة»؛ فبشكلٍ ما مازال بيتس هو الصبي نفسه ذا الثانية عشرة من عمره، ومازال نفس الطفل المعنّف الهارب الذي اعتاد الاختباء بين عفن الكتب في المكتبات، لكن الفرق أن هذه الكتب تحوّلت إلى زجاجات خمر.

%d8%b1%d8%a7%d9%83%d8%a7%d8%aaوضع بيتس ومكلوتش أُسس علم التحكم الآلي والذكاء الاصطناعي، وحوّلا اتجاه علم لنفس بعيداً من التحليل الفرويدي، واتّجها به نحو الفهم الميكانيكي للفكر، وبيّنا أن الدماغ قادر على الحوسبة، وهو النشاط الذي يُسمّى بـ(معالجة المعلومات)، وتبيّن بقيامهما بذلك كيف للحاسب الآلي القيام بالحوسبة؛ فقد كانا الإلهام الرئيس لهندسة الحواسب الحديثة، وكانت بفضل عملهما معاً اللحظة التاريخية لاجتماع علم الأعصاب، والطب النفسي، وعلم الحاسوب، والمنطق الرياضي، والذكاء الاصطناعي؛ لتحقيق فكرة خطرت للمرة الأولى للعالم ليبيتز؛ إذ كان يأمل أن يستخدم المعلومةالبشر والآلة والأرقام والعقلبوصفها عملة عالمية؛ فما كان يبدو على السطح عناصر مختلفة للعالم من كتل المعدن، وكتل المادة الرمادية، وخدوش الحبر على الورقبدا متشابهاً من الداخل، وكان يُعتقد في ذلك الوقت أن التجريد الرمزي ساهم في شفافية العالم، لكن الدماغ عالم غريب وغامض، وبمجرّد تبسيط الأشياء إلى معلومات يحكمها المنطق زاد الاهتمام بعلم الميكانيكا، فكانت المفاضلة على حساب علم الوجود (الأنطولوجيا).

كان فون نيومان أوّل مَن تنبّأ بافتراق مسار علم الذكاء الاصطناعي عن مسار علم الأعصاب، وكتب في رسالته إلى فينر: «بعد مساهمة تورنج الإيجابية العظيمة، وبجهود مماثلة لبيتس ومكلوتش، أصبح الوضع أسوأ مما كان عليه سابقاً؛ فقد قدّم العلماء ادّعاءات مطلقة بأن أيّ شيء، وكل شيء، يمكن برهنته بتطبيق الآلية المناسبة، وتحديداً آلية الشبكات العصبية؛ فبمعرفة آلية واحدة واضحة ومؤكدة يمكن تعميمها. وفي النهاية انقلبت الحجة عليهم؛ فلم يساهم ما نعلمه وتعلّمناه من تحليل شفرات وظيفة العضو مجهرياً في الحصول على تفاصيل آلية عمل الخلايا العصبية في الدماغ». وبسبب هذه الادعاءات المطلقة كان من المستحيل لبيتس تقديم نموذج شامل يحاكي طريقة عمل الدماغ البشري، وهو ما جعل جهوده تتلاشى في بوتقة النسيان. ليس هذا فحسب، بل حتى تجربته مع الضفادع أثبتت محدودية المنطق ومرئيات الدماغ المركزية، واختارت الطبيعة حياة الفوضوية بدلاً من قوة المنطق، وهو ما كان عصياً على بيتس استيعابه. لم تثمر أفكار بيتس بشأن محاكاة وظائف الدماغ البشري، لكنه ساهم في تقدّم عجلة عصر الحوسبة الآلية، ونهج الشبكات العصبية في تعلّم الآلة، وما يُسمّى بـ(الفلسفة الارتباطية للعقل)، لكنه علم في قرارة نفسه أنه هُزم.

وفي يوم السبت 21 إبريل عام 1969م، كتب بيتس من غرفته في مستشفى بيت إسرائيل في بوسطن بيدٍ تهتزّ من جرّاء إصابته بالهذيان الارتعاشي نتيجة إسرافه في تناول الكحول رسالةً إلى رفيق دربه مكلوتش، الذي كان يرقد في العناية المركزة بمستشفى بيتر بينت في برمنجهام، الذي يبعد منه بضع خطوات: «علمتُ أنك مصاب بمرض القلب التاجيوأنك تحت المراقبة المستمرة، وموصول بك كثير من الحساسات التي تتّصل مباشرة بلوحة تحكم وأجهزة إنذار، أعتقد أن ذلك يبدو سيبرنيطيقا (علم الضبط والاتصال العصبي). يعتصر قلبي لسماع أن جسدك مربوط بتلك الأجهزة، فلا يمكنك حتى التقلّب على سريرك براحة».

حقيقةً، لم يكن بيتس أفضل حالاً من مكلوتش؛ فقد أمضى ثلاثة أسابيع في المستشفى يعاني اليرقان ومشكلات في الكبد، وفي يوم 14 مايو تُوفِّي والتر بيتس في بيت الإيواء بمدينة كامبريدج وحيداً من جرّاء نزيف في دوالي المريء، وتُوفِّي مكلوتش بعد أربعة أشهر من وفاة بيتس، كما لو كان من غير المنطقي وجود أحدهما من دون الآخر؛ فقد كانا كالدائرة العصبية بانقطاع الاتصال تنضب الخلايا وتموت.

تعليق واحد

  1. ترجمة ممتازة ومقال رائع استمتعت بقراءته

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *