د. أحمد بن حامد الغامدي - أستاذ بقسم الكيمياء، جامعة الملك سعود، ورئيس اتحاد الكيميائيين العرب سابقاً

رواد علماء الإسلام  هل هم زنادقة؟

في نهاية القرن التاسع عشر نشر مدير جامعة كورنيل الأمريكية أندرو وايت كتاباً بالغ التأثير سماه بكل تهور (تاريخ الحرب بين العلم والدين في العالم المسيحي)، ومن ذلك الوقت وأغلبية الشعوب الغربية تقبلت الفكرة المتحيزة وغير الدقيقة بأن الدين والعلم متعارضان، وأنهما في حالة نزاع وتناقض، وأنهما لا يلتقيان.

الجدير بالذكر أنه في العقود القليلة الماضية نُشر عدد من البحوث والكتب الغربية -مثل مؤلفات العالم الأمريكي المشهور ستيفن جولد والمفكر السويسري هانس كونج- التي تثبت بأن الحالة المتوهمة للصراع بين العلم والدين مبالغ فيها كثيراً، بل إن قصة اضطهاد الكنيسة لجاليليو مثلاً لم تكن بتلك الدرجة من السوء التي صورت لنا، كما أن الفيلسوف والعالم الإيطالي جوردانو برونو الموصوف بأنه أول شهيد للعلم في أوربا قتل في واقع الأمر لأسباب سياسية.

فك الاشتباك في الغرب

المقصود من هذا المدخل بيان أنه على الرغم من أن الدول الغربية الملحدة بدأت تحاول (فك الاشتباك) بين قطبي المجتمع الفكري، وتهدف إلى إقامة جسور التواصل بين علماء الدين المسيحي وعلماء الطبيعة ومخترعي التقنية، وإذا بنا في المقابل، وفي المجتمع الإسلامي والعربي بدأنا نسمع أصواتاً متهورة تزعم بأن علماء الدين الإسلامي في القديم من الأطباء والرياضيين والفلكيين والكيميائيين وغيرهم كانوا (يضطهدون ويكفرون ويزندقون… إلخ). لدرجة أنه تم في فترة ما تداول كثيف لتغريدة تويتر تحمل صور عدد كبير من أبرز مشاهير علماء الإسلام الذين زُعم ظلماً وبهتاناً بأنهم كفّروا، وفسقوا، وجرى تعذيبهم، وقتلهم، ولهذا ظهرت الحاجة الملحة إلى توضيح حقيقة هذا الزعم وتفنيد هذا الافتراء.

لا شك أنه من لغو الكلام أن نبين أن الحضارة الإسلامية بيئة حاضنة للعلم والعلماء، فهذا أمر (معلوم من الثقافة العامة بالضرورة)، ومن هنا تظهر المفارقة أنه إذا كان المجتمع المسلم يهتم ويحتفي برجال العلم الطبيعي، ويتيح لهم الظروف الملائمة لنشوء ما يسمى (بالعصر الذهبي للعلوم الإسلامية)، ومع ذلك نقول إن في هذه الفترة التاريخية بالذات كان خلالها مشاهير علماء الطبيعة والأطباء مضطهدين ومحاربين.

ينبغي التنبيه إلى أمر مهم في الحضارة الإسلامية بأن السلطة السياسية كثيراً ما قامت (برعاية العلماء وأهل الصنعة التجريبية وحضانتهم) كما هو معلوم من حال الخليفة هارون الرشيد، وابنه المأمون، والخليفة العباسي المعتضد، والسلطان محمود الغزنوي، والوزير السلجوقي نظام الملك، والحاكم الأندلسي المستنصر ،وغيرهم كثير.

ومن المتوقع أن من صور الرعاية للعلماء حمايتهم، والذب عنهم من تغول السلطة الدينية عليهم، أو استنقاص المخالفين لهم، وهذا ما يضعف مقولة أن العلماء كانوا مضطهدين، فكيف يتم اضطهادهم وقتلهم وشرائح واسعة منهم كانت تحت رعاية مباشرة من الخلفاء والملوك والسلاطين.

الملامح العربية لتمازج الدين بالعلم

للتدليل على أنه لا يوجد (فصام نكد) في الحضارة الإسلامية والعربية بين العلم والدين، وأنهما كانا على درجة عالية من التجانس (ومن ثم يمكن رد تهمة اضطهاد العلماء لأسباب دينية) لعل من الملائم الإشارة إلى ظاهرة ترسخ البعد الديني في حياة كثير من مشاهير العلماء المسلمين.

ألا يجدر بنا أن نعلم بأن الطبيب العربي الشهير ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى كان في الوقت نفسه من علماء الفقه والشريعة الإسلامية، كما أنه قام بتدريس علوم الحديث والسيرة النبوية، بل يقال إنه كان من أعيان فقهاء الشافعية في عصره.

وليس أدل من تمازج العلم بالدين أن عدداً كبيراً من مشاهير العلماء كان لهم ارتباط وثيق بالمساجد والجوامع، فمثلاً العالم العربي البارز الحسن ابن الهيثم ظل سنوات طويلة يسكن في قبة صغيرة تقع عند بوابة الجامع الأزهر الشهير بالقاهرة، ويقال إنه ألف عدداً كبيراً من كتبه العلمية المهمة من داخل تلك القبة.

وإذا كان ابن الهيثم أقام عند بوابة الأزهر، فإن عالم علم الحيوان العربي الكبير كمال الدين الدميري صاحب كتاب «حياة الحيوان الكبرى» كان قد تصدى للجلوس على كرسي التدريس في الجامع الأزهر.

وبالانتقال من الجامع الأزهر بالقاهرة إلى الجامع الأموي بدمشق، نجد أن الفلكي العربي الشهير ابن الشاطر – نتيجة لخبرته الفلكية الكبيرة وبسبب اختراعاته المتعددة لضبط الوقت والاتجاهات – قد عُيّن مؤذناً بالجامع الأموي في دمشق، بل إنه أصبح لاحقاً رئيس المؤذنين في الجامع الأموي.

وعلى ذكر مآذن المساجد الكبرى في المدن العربية الأساسية لا يفوتنا أن نذكر أن محاولة المخترع العربي الشهير عباس بن فرناس في الطيران جرت في الواقع عندما قفز من فوق مئذنة جامع قرطبة الكبير بالأندلس.

ولتعزيز فكرة الارتباط بين الشريعة والعلم، يكفي أن نشير إلى أن عالم النبات والجغرافي المسلم القزويني تولى منصب القضاء في مدينتي واسط والحلة بالعراق؛ بسبب تمكنه وإجادته العلوم الشرعية، فهو في الأصل كان من أحفاد الفقيه المشهور الإمام مالك.

وكذلك نجد أن العالم المسلم أبو حنيفة الدينوري -على الرغم من شهرته المدوية في علم النبات والأعشاب الطبية- إلا أنه كان كذلك عالم شريعة متبحراً، وله تميز خاص في مجال تفسير القرآن الكريم؛ لدرجة أنه ألف كتاباً في تفسير القرآن مكوناً من ثلاثة عشر مجلداً. ومن الأمثلة الإضافية التي يمكن سردها في هذا السياق أن العالم والفقيه الأندلسي الكبير ابن رشد تولى منصب القضاء في مدينتي قرطبة وإشبيلية ومع ذلك نجده في الوقت نفسه يشتهر بكونه أحد أبرز الأطباء في تاريخ الأندلس.

زنديق أم صدّيق؟ ذلك هو السؤال!

المتتبع لأخبار وسير حياة المئات من مشاهير العلماء والأطباء العرب والمسلمين يجد أن القلة القليلة منهم من يمكن أن يوصف بأنه كان ذكياً، ولم يكن زكياً (كما هو توصيف الإمام ابن كثير للشاعر أبي العلاء المعري).

ولتأكيد هذا الأمر قمت على سبيل الاستقراء بمراجعة المجلد الخامس من كتاب (تاريخ التراث العربي) للدكتور فؤاد سزكين، وهو المجلد الخاص بذكر أسماء علماء الرياضيات في الإسلام وقد سرد فيه ما يزيد على 130 اسم عالم رياضيات ليس منهم عالم متخصص في الرياضيات متهم أو مقدوح في دينة (إلا ثابت بن قرة وهو لم يكن مسلماً أصلاً؛ لأنه على دين الصابئة).

وبإجراء مبدأ الاستقراء السابق لبقية العلوم الطبية والفلكية والكيميائية والصيدلانية وغيرها يمكن أن نؤكد أن الغالبية الكاسحة من العلماء المسلمين لم يحصل الطعن في دينهم وعقيدتهم فضلاً أن يجري اضطهادهم أو إقصاؤهم.

وفيما تبقى من المقال سوف نلج لعش الزنابير، ونناقش بشيء من الاختصار حقيقة اتهام بعض مشاهير علماء الإسلام بالزندقة والإلحاد والضلال، وهؤلاء على درجات ومراتب، فمنهم من اشتهر أصلاً بالفلسفة، وعلم المنطق أكثر من اشتهارهم بالعلم، والطب، مثل: الفارابي والكندي.

ومن الناحية المبدئية هم علماء ومفكرون يجوز عليهم الانتقاد والرد كما رد تيار فلاسفة الإسلام على التيار السلفي، وانتقدوهم، وساهموا مع غيرهم في إقصائهم، كما حصل مع الإمام أحمد بن حنبل، وابن تيمية.

وفي الجانب المقابل نجد علماء آخرين اشتهر عنهم الارتباط أكثر بالعلم الطبيعي، أو بالطب، مثل: الرازي وابن سينا وجابر بن حيان و(بعض هؤلاء) نالتهم سهام الاتهام بفساد العقيدة، بل حتى وصفهم بالإلحاد والزندقة، فهل فعلاً كانوا كذلك؟

ابن سينا تفرغ للعبادة في أواخر حياته

لا بد من الاعتراف بدايةً بأن الأقوال والشواهد في حال هؤلاء العلماء وأشباههم متعارضة ومتناقضة فلو بدأنا (بالشيخ) الرئيس ابن سينا كما يلقب لوجدنا من يتهمه بالزندقة وبعضهم كفره بسبب أقواله التي ترى أن النبوة يمكن أن تكون مكتسبة وليس باصطفاء إلهي محض. ومع ذلك ففي المقابل نجد من سيرة حياته أنه حفظ القرآن الكريم في الصغر وأنه في أواخر حياته تفرغ للعبادة واتجه إلى قراءة القرآن الكريم، إذ كان يختمه كل ثلاثة أيام، وكان قبل ذلك بسنوات قد ألف كتاباً خاصاً في تفسير بعض سور القرآن، ويقال إن له تبحراً جيداً في المسائل الفقهية لدرجة أنه كان يفتي على مذهب الإمام أبي حنيفة.

الرازي نسبت إليه كتب منحولة

وإذا انتقلنا إلى الحديث عن الطبيب أبي بكر الرازي والكيميائي جابر بن حيان، نجد أن الأمور أكثر تعقيداً بسبب أن كلاً منهما نسبت إليه كتب كثيرة قد تكون منحولة عليه، وبهذا قد لا نستطيع التأكد من حقيقة عقيدته الأصلية.

كما هو معلوم، فإن أشهر سبب لاتهام الرازي بالزندقة راجع إلى أنه ينسب إليه كتاب يحمل عنوان (مخاريق الأنبياء) يذكر فيه أنه لا وجود للمعجزات، وأن جميع الأنبياء دجالون. وقد كان يرى أن رعاية الفلسفة والاهتمام بها أهم من الدين، وأن الفلاسفة، مثل: أبقراط وأقليدس لديهم ما يستحق الاستماع إليه أكثر من الاستماع إلى الرسول محمد، أو المسيح، ولا شك أن هذا تجذيف وإلحاد صريح.

لكن سؤال المليون كما يقال: هل فعلاً هذا الكتاب المشبوه من تأليف الرازي؟ أم أنه منحول ودخيل عليه؟ ولعل ما يثبت ضعف احتمال أن يكون الرازي قد ألف مثل هذه الكتب الإلحادية الصارخة في بيئة إسلامية شديدة المحافظة والاعتزاز بدينها وأنبيائها أننا في المقابل نجد أنه ينسب إلى الرازي كتب أخرى مخالفة تماماً لما سبق ذكره، من مثل: كتاب (وجوب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على من نقر بالنبوات)، وعنوان الكتاب يدل على أنه رد على (من نقر)، أي استنقص من مقام النبوة.

كما للرازي كتاب آخر حمل عنوان (أن للعالم خالقاً حكيماً)، وكتاب في (إثبات المعاد)، وقصيدة خاصة في الإلهيات مما يرجح جدارة التشكيك في نسبته إلى الإلحاد والزندقة.

ابن حيان صوفي أم ملحد؟

بالانتقال الآن إلى الحديث عن (شيخ) الكيميائيين جابر بن حيان، نجد أن ظاهرة نسبة الكتب (المنحولة أو المزيفة) إليه أكثر شناعة، فمن المعروف أن جابر بن حيان ألف وكتب مئات الرسائل العلمية عدها بعضهم بخمسمائة رسالة ولكثرتها وتنوعها نجد أن بعض المستشرقين يشكك في نسبتها كلها إلى ابن حيان، بل إن بعض مؤرخي العلوم الغربيين (وقد سبقهم إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية) يشككون أصلاً في وجود شخصية حقيقية لجابر بن حيان. من هذا وذاك لا نقر الكاتب والفيلسوف المصري المعاصر عبدالرحمن بدوي عندما خصص فصلاً كاملاً لجابر بن حيان في كتابه (تاريخ الإلحاد في الإسلام)، فنحن نحتاج أولاً إلى إثبات نسبة هذه الكتب والأفكار الإلحادية إلى جابر بن حيان.

ومما يساعد في الذب عن عرض جابر بن حيان في مسألة الإلحاد أن أغلب كتب التاريخ تشير إلى أنه كان أحد تلاميذ الإمام جعفر الصادق، ولهذا نسب وأرجع جابر بن حيان (بركة ومصدر خبرته العلمية) إلى شيخه وإمامه جعفر الصادق.

وفي حين نجد كذلك أن مراجع تاريخية أخرى تصف جابر بأنه (أبو موسى جابر بن حيان الصوفي)، إذ إن كثيراً من كتب ابن حيان لها صبغة صوفية صارخة، فهل يجتمع التشيع والتصوف والإلحاد في شخص واحد؟ أترك الحكم لكم.

وطبعاً من المحال أن نستطيع في مقال واحد أن نصحح الرؤية عن عدم دقة اتهام كل واحد من مشاهير علماء الإسلام بالزندقة وضلال العقيدة، ولكن خلاصة الكلام أنه لا توجد شخصية علمية في التاريخ الإسلامي جرى اضطهادها أو إقصاؤها أو تفسيقها وتبديعها بسبب أفكارها (العلمية البحتة)، وإنما لو حصل ذلك فقد يكون بسبب أفكارها الفلسفية أو توجهاتها الفكرية والسياسية الأخرى خارج نطاق العلم والطب.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *