ترجمة: أ. د. محمد أحمد طجو - أستاذ جامعي ومترجم سوري، كلية اللغات والترجمة، جامعة الملك سعود

جان فرانسوا دورتييه: أسطورة الأدمغة الثلاثة

كاري ساغان

توجد معاً في دماغ الإنسان ثلاثة أدمغة: دماغ الزواحف، ودماغ الثدييات، والقشرة الحديثة الخاصة بالبشر(1). لاقت هذه النظرية البسيطة والتوضيحية شهرة، وبقيت شائعة جداً. وتكمن المشكلة في أنها نظرية خاطئة.

اختلق قصة الدماغ الثلاثي بول ماكلين Paul Maclean  في الخمسينيات من القرن الماضي. ثم لاقت نظرية «ثلاثة أدمغة في دماغ واحد» نجاحاً عالمياً بدءاً من السبعينيات. تقول النظرية إن دماغ الإنسان بني خلال التطور على مراحل ثلاث رئيسة:

1 دماغ الزواحف: يقع في جذع الدماغ، وهو مسؤول عن السلوكيات القديمة المرتبطة بالبقاء: التغذية، والتناسل، والهرب أو القتال. وهذه السلوكيات الغريزية والمنعكسات مقولبة ومنظمة بشدة في طقوس وشعائر. إنها السلوكيات الأساسية لدى الزواحف والأسماك.

2 الدماغ الحوفي: أضيف إلى دماغ  الزواحف. كان ماكلين يسمي الجهاز الحوفي الجزء المركزي من الدماغ (الذي يتكون من  كثير من النويات والعقد) الذي عُدّ منذئذ «مركز الانفعالات».

فإضافة إلى كونه الجهاز المسؤول عن الانفعالات الأساسية – الخوف، والغضب، والسرور- عدّ الجهاز الحوفي مقر سلوكيات الأمومة  الملاحظة لدى الثدييات التي تساعد على العيش المشترك،  وعلى عناية الأبوين بصغارهم.

3 القشرة الحديثة: هي الجزء  المتأخر الظهور تطورياً من قشرة الدماغ، وتقع فوق الطبقة الخارجية لنصفي الدماغ. وهي متطورة لدى الرئيسات العليا على وجه الخصوص (ومنها الإنسان)، إذ كان من الواضح بالنسبة إلى ماكلين أن القشرة الحديثة مقر النشاطات المعرفية الأكثر تطوراً.

دماغ الزواحف ودماغ الثدييات والقشرة الحديثة: كما يشير العنوان الفرعي لكتاب ماكلين أدمغة الإنسان الثلاثة (صدر عن دار روبير لافون في عام 1990)، «توجد معاً بصعوبة في دماغ الإنسان ثلاثة أدمغة تشكلت عبر مراحل التطور».

وإن كانت هذه الأدمغة تتعايش بصعوبة، فإن كلاً منها يسعى للمطالبة بحقوقه. يفرض دماغ الزواحف من وقت لآخر قانونه فيصبح الإنسان من جديد حيواناً متوحشاً، تحركه غزائز البقاء.

ويتلقى الجهاز الحوفي أحياناً الأوامر فنتصرف مثل ثدييات اجتماعية، مع سلوكياتنا القبلية وعواطفنا المصاحبة لها، مثل الهرة التي تغدق الحنان على صغارها، وتصبح شريرة متوحشة في مواجهة التهديدات. وهكذا ينقسم العالم بالنسبة إلى الدماغ الحوفي إلى عالمين: صديق أوعدو.

وأما القشرة الحديثة، الأخيرة في الظهور والأكثر تعقيداً في البنى الدماغية فهي مسؤولة عن الوظائف المعرفية الأكثر تطوراً، وتسعى لاتخاذ قرارات حكيمة ومدروسة.

يعبر الكاتب أرثر كوستلر Arthur Koestler عن ذلك على طريقته، بعبارة أكثر مجازاً، قائلاً: «إذا ما أردنا الكلام رمزياً على الأدمغة الثلاثة هذه في الدماغ، يمكننا أن نتصور أن الطبيب النفسي الذي يمدد المريض على أريكته يطلب منه مشاركتها مع فرس وتمساح».

دماغ الزواحف مختلف عن اعتقادنا

أرثر كوستلر

لاقت نظرية الأدمغة البسيطة والتوضيحية هذه نجاحاً كبيراً. إضافة إلى كوستلر، كررها كاري ساغان Cari Sagan   وآخرون في مجال التبسيط العلمي، وتابعتها بعد ذلك حلقات البحث التأهيلية. وقد ساعد هذا النموذج على تحليل تعقد السلوكيات البشرية، التي تتجاذبها الغرائز القديمة والانفعالات والذكاء. ولا يزال كثير من الكتاب، حتى في الأوساط العلمية أحياناً، يمنحونها بعض المصداقية.

تكمن المشكلة في اكتشاف أن هذه النظرية خاطئة. ولا تتوافق مع معطيات تشريح الدماغ ولا حتى مع نظرية التطور. وتقدم في الواقع صورة مغلوطة عن طريقة تنظيم دماغ الإنسان، ولكن أيضاً عن دماغ الزواحف أو الثدييات.

أولاً، أن دماغ الزواحف ليس كما نعتقد. فدماغ الزواحف (من الثعابين إلى التماسيح) لا يقتصر على بعض البنى الأساسية. وقد تمت البرهنة منذ الثمانينيات، على سبيل المثال، على أن الزواحف تملك ما يعادل الجهاز الحوفي وقشرة (تسمى pallium) مثل كل الفقاريات. وإن كنا نعلم القليل عن الانفعالات التي يمكن أن يشعر بها الزاحف، فإننا نعلم على أية حال أن العديد من الزواحف، مثل التماسيح، تظهر سلوكيات أمومية متطورة جداً: تحمي الأم صغارها مثلما تفعل  الزواحف  كلها. وأن الطيور التي هي نتيجة لتحول الزواحف (تحولت الديناصورات إلى طيور صغيرة) تعرف  بسلوكيات قرابية أكثر تطوراً بكثير من العديد من الثدييات. كيف نفسر هذه السلوكيات إن لم يكن لديها سوى دماغ «زاحف»، يقتصر على بعض ردود الأفعال المتعلقة بالبقاء؟ وبالمثل، إن القدرة على التعلم  والحفظ  وكذلك البذور الثقافية التي عثر عليها  لدى كثير من أنواع الطيور ليست بحاجة إلى البرهان. ينبغي للاهتمام بصغارها وبناء عشها وصناعة أدواتها وتعلم غنائها أن تملك دماغاً أكثر تعقيداً بكثير مما كان يتخيله ماكلين.

مراجعة أخرى: إن المقاربات الحالية للجهاز الحوفي بوصفه «مركز الانفعالات» لم تعد تتوافق اليوم مع تصورات ماكلين. إن الدماغ الانفعالي الذي يحدد مكانه في المناطق الواقعة تحت القشرة تستوجب جزئياً مناطق مشاركة في كفاءات معرفية متطورة: هذه هي حالة الحصين إحدى المناطق المسؤولة عن الحفظ والتعلم.

لقد بنى ماكلين في الواقع نموذجه لدماغ الزواحف «القديم» انطلاقاً من مفهوم التطور الذي يعود لمئة عام. وقد استند على وجه الخصوص إلى أعمال لودفيغ إدنجر Edinger  Ludwig الرائد في مجال التشريح العصبي المقارن. كان عالم التشريح الألماني هذا يصف دماغ الزواحف والطيور بأنه «قديم»archaique،  ودماغ الثدييات بأنه «جديد»:  nouveau أو .néo

لقد تم التخلي عن فكرة ثلاثة أدمغة مركبة لمصلحة رؤية أكثر جموحاً للتطور، فما هو المقصود بهذه الرؤية.

أقطاب دماغ الفقاريات الأربعة

يتم من الآن فصاعداً تصور الدماغ بناءً على نموذج آخر: توجد البنية الأساسية للدماغ نفسها لدى فصيلة الفقاريات، وهي الأسماك والزواحف والطيور والثدييات. فما يتغير من حيوان إلى آخر أو من نوع إلى آخر هو التطور النسبي لبنية من البنى. ولفهم ما يعني ذلك، نتوقف برهة عند فصيلة الفقاريات هذه. إن الأسماك والزواحف والطيور والثدييات (ومنها الإنسان) تنتمي إليها جميعاً ولها مميزات تشريحية مشتركة. وتوجد هذه المميزات المشتركة على مستوى تنظيم الهيكل العظمي: عمود فقري مع أعضاء ينتهي بالرأس. فأعضاء الفقاريات – زعنفة السمكة، جناج الطير، قوائم الثدييات أو ذراعا الإنسان- تقوم على البنية الأساسية نفسها على الرغم من اختلافها ظاهرياً.

وأما على المستوى الفيزيولوجي، فالكائنات الحية organismes مبنية على أجهزة مشتركة. هذه هي حال الهورمونات التي تقوم بدور حاسم في سلوكنا. ترتبط جميع الكائنات الحية- سواء كان الكائن الحي سمكة أو عظاية أو طيراً أو جرذاً أو إنساناً- بالغدة الدرقية، والغدة النخامية (التي تنزم هرمونات النمو)، والغدد التناسلية (الحيوانات المنوية  والمبايض). ونمتلك على المستوى المعرفي جهازاً حسياً- النظر، والشم، واللمس- يقوم على مبادئ مشابهة.

والأمر نفسه بالنسبة إلى دماغ كل الفقاريات: إنه يتكون من عدد من البنى الأساسية (الحويصلات الخمس).  ويمكن على وجه التقريب تقسيم دماغ الإنسان إلى ثلاثة أجزاء رئيسة. فما هي؟ إذا افترضنا أن دماغ الإنسان يشبه القنبيط فيمكننا أن نميز فيه:

جذع المخ (هو جذع القنبيط): يتكون من البصلة السيسائية، والجسر، والمخ الأوسط.

المخيخ: يقع تحت القسم الخلفي من المخ وفوق الحدبة الحلقية والبطين الرابع. يفضي الجذع إلى كتلة تتكون من عدة عقد. فهذا الجزء المركزي الذي يشكل قلب الدماغ يتكون من الجهاز الحوفي (اللوزة، الحصين، القبو): وتندمج به أجزاء من الدماغ البيني (الوطاء، المهاد). وتسمى هذه المنطقة «تحت قشرية»؛ لأنها تقع تحت القشرة.

القشرة: هي التي تغطي كل شيء فهي الطبقة الخارجية، والأكبر حجماً في دماغنا. وتتكون من نصفين كرويين، يتكونان بدورهما من أربعة فصوص: الفص الجداري، والفص القحفي، والفص الجبهي، والفص الصدغي.

إن كل هذه البنى موجودة لدى الفقاريات، حتى وإن كان توزعها وحجمها مختلفين بين سمكة القرش والإنسان، على سبيل المثال.

وهكذا تملك العظايات ما يعادل القشرة   le palliumحيث تعالج  المعلومات البصرية والشمية والحركية. وبالمثل، إن الحصين المهم في الحفظ والتعلم موجود لدى الطيور خلافاً لاعتقاد ماكلين.

الإنسان طور بعض البنى تطويراً فائقاً

إن ما يتغير من نوع إلى آخر هو أهمية مختلف الوظائف. فقد طور كل نوع تقريباً بعض البنى والقدرات المعرفية المقترنة بها: الشم لدى بعضها، والسمع لدى بعضها الآخر؛ فالذاكرة وحس التوجه، وقدرات التواصل متطورة تقريباً بحسب كون النوع اجتماعياً أم لا. وهناك أدمغة بمقدار أشكال الذكاء. ولكنها مكونة جميعاً-باستثناء عدد قليل منها- من بنى ووظائف مشتركة.

وإن كان دماغ الإنسان قد تطور بطريقة خاصة (وكانت بالمثل للأنواع الأخرى ميزاتها)، فإن ذلك لم يكن بإضافة طبقة جديدة للهندسة الدماغية للفقاريات، وإنما ببساطة بتطوير بعض البنى المختلفة تطويراً فائقاً.

إن نموذج ماكلين بسيط وشائع وخاطئ بالقدر نفسه.  وينبغي مع ذلك الاعتراف بفضائله التعليمية الأكيدة، وبأنه نشر فكرة أن الدماغ هو نتيجة التطور، وأنه يتكون من بنى مختلفة موجودة لدى كل الأنواع. وهذا كثير. ففي نهاية المطاف، الأفكار الخاطئة أو التقريبية خير أحياناً من الغياب المطلق لأية فكرة. 

———————

هذه ترجمة للمقال المنشور في مجلة العلوم الإنسانية، عدد خاص: الدماغ، رقم 14، نوفمبر، 2011.

(1) الجزء المتأخر الظهور تطورياً من قشرة الدماغ. تسمى أيضا neoballium. المترجم.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *