د. خالد التركاوي - مدرس طب الأطفال بجامعة الملك سعود

الدراسات النفسية.. لماذا لا تتماثل نتائج الدراسات؟

لِمَ يخفق الباحثون في حقل الدراسات النفسية غالباً في الحصول على نتائج مماثلة عند إعادة إجراء دراسات قام بها زملاء لهم في مراكز علمية أخرى؟

سؤالٌ أرّق كثيراً علماء النفس، ولم يقدم أحدٌ إجابةً شافيةً عنه حتى الآن، إلّا أنّ بْرَيان نوسَك – أستاذ علم النفس في جامعة فرجينيا – قام مؤخراً بمحاولة تثير الإعجاب، فقد تمكن من إقناع 270 باحثاً ينتمون إلى 125 مركزاً علمياً حول العالم للعمل سوياً مدة ثلاث سنوات متوالية فيما أطلق عليه «مشروع إعادة الإنتاج».

يتلخص هذا المشروع في إعادة إجراء مئة من الدراسات النفسية المنشورة بهدف معرفة مدى إمكانية تكرار نتائجها السابقة عند إعادتها.

شكّل هذا الجهد المتميز أول محاولة منهجية للحصول على إجابة مقنعة عن هذا السؤال، وهو يستحق الإشادة بكل تأكيد.

الواقع أن سحابة من الشكوك المزمنة غلفت كثيراً حقل الدراسات النفسية، لكن السنوات القليلة الماضية شهدت تزايداً ملحوظاً في حدتها ومداها، وانشغل الباحثون بنقاشات مريرة دارت في معظمها حول ما يراه بعضهم تهديداً لمستقبل هذا الفرع من العلوم برمته. وقرّعوا بحدة ممارسات مثيرة للجدل زادت شيوعاً في الآونة الأخيرة، كأنْ يعمد الباحث إلى النظر مُقَدّماً في معطيات تجاربه ليرى إن كانت تشير إلى نتائج تدعم فرضيته أم لا قبل أن يجمع المزيد منها، في محاولة منه لانتزاع النتائج المرغوبة من معطيات تجريبية غير مؤكدة، ومستجيباً – ربما عن غير وعي منه – لضغوط المجلات العلمية التي تحبذ عادةً نشر نتائج الأبحاث الإيجابية وتدع السلبية منها مهملة في الأدراج، الأمر الذي يغيّب جزءاً مهماً من الناتج العلمي ويؤدي إلى ما ندعوه «تَحَيّز النشر.

قد تبدو هذه الممارسات بريئة للوهلة الأولى لكنها في نهاية المطاف تُغْرِقُنا في لُجّةٍ من الاكتشافات الزائفة التي تُعيق مسيرة البحث العلمي وتثير ريبة المجتمع بجدواه.

دفعت هذه المشكلات بعض المهتمين إلى التحذير بصوت عالٍ مما أسموه «أزمة إعادة الإنتاج» كونها تلوث حقل الدراسات النفسية، وتطعن في صدقيته، بينما نفى آخرون بعنادٍ وجود أزمة كهذه كُلّيةً.

وقد احتفظ الدكتور «بريان نوسَك» باتزانه وسط هذا الجدل المضطرمِ مما أكسبه احترام الفريقين وانتظر الجميع نتيجة مشروعه بفارغ الصبر.

الأخبار السيئة

كانت حصيلة «مشروع إعادة الإنتاج» صادمة، فقد تطابقت مُخْرَجات التجارب الأصلية وتجارب الإعادة في 36% من الحالات فقط!

ما معنى هذا؟ هل يمكننا القول إنّ نسبة الصحيح من نتائج الدراسات النفسية هي ما تقرب من الثلث فحسب؟ لا، ليس تماماً. لأننا نقول عادة عن نتيجة ما إنها إيجابية إذا كانت قيمة عامل الاحتمالية الإحصائي «p» أقل من 5% وهو حدٌ اعتباطيٌ يفصل بين النجاح والإخفاق، وبسببه تصبح تجربة ما أفلحت في البقاء تحت هذه العتبة ناجحة مقارنة مع تجربة أخرى تجاوزتها، لهذا نظر د. نوسَك وفريقه إلى ما هو أبعد من ذلك فأخذوا في الحسبان ما ندعوه «حجم التأثير» في التجربة، ومرة أخرى كانت النتائج مقلقة، فحجم التأثير في تجارب الإعادة كان بمقدار نصف ما أخبرت عنه التجارب الأصلية. جاء رد فعل الدكتور نوسك كعادته متفائلاً، فالتجربة بأسرها – حسب ما يراه – دليلٌ على أنّ علماء النفس قد بدؤوا في مواجهة هذه المعضلة بالطريقة المناسبة، وعقّبَ شارحاً «إنّها تجربةٌ ممتعة.. لقد بذل المشاركون وقتهم بسخاء على الرغم من علمهم بضآلة المكافأة». وهو ما وافقه عليه د. جيسون ميتشل من جامعة هارفرد بقوله: «هذا عمل بطولي بحق، فعدد الباحثين الذين شاركوا فيه والعناية الفائقة التي بذلت لإنجازه يثيران الإعجاب. إنه مثال على العلم كما يجب أن يكون ناقداً لذاته ومتفحصاً لمسلّماته وطرائقه ونتاجه».

أما جون أيوانيديس- الأستاذ في جامعة ستانفورد- فيعبر عن خيبة أمله قائلاً: «إنني أشعر بالمرارة لأن بعض تنبؤاتي كان صحيحاً، كم تمنيت لو ثبت خطؤها..».

ما معنى هذا كله؟

«أزمة إعادة الإنتاج» تلوث ضد الدراسات النفسية

ومع أنّ هذا المشروع مبهر في منظوره وإنجازه إلّا أنّ نتائجه لا تزال عسيرةً على التحليل. فقد لوحظ مثلاً أنّ معدل نجاح دراسات علم النفس المعرفي psychology cognitive (الذي يبحث في التعلم والذاكرة وما يشبهها) عند إعادة الإنتاج بلغ ضعفي مثيله في دراسات علم النفس الاجتماعي psychology social (الذي يبحث في كيفية تأثير الناس في بعضهم البعض) على الرغم من أن كلا الحقلين شهد تردياً في نتائجه. قد يكون ذلك نابعاً من حقيقة أنّ المشكلات التي يمحصها علماء النفس الاجتماعيون أكثر تعقيداً وأشد تأثراً بمحيط الظاهرة موضع الدراسة. كذلك فإنّ الدراسات المعرفية تنحو إلى اختبار أشخاصٍ بعينهم تحت ظروفٍ متغيرة بينما تعمد الدراسات الاجتماعية إلى مقارنة أناس مختلفين في ظروف مختلفة، وهو ما يجعل دراسات علم النفس الاجتماعي تَجْهَدُ لالتقاط بعض الإشارات المفيدة وسط كمٍّ هائلٍ من الضجيج. وخلاصة الأمر هي أنّ ظهور نتائج “إيجابية كاذبة” أحياناً هو ثمن لا بد من دفعه لضمان تقدم العلوم وتوسع جبهات المعرفة.

أسباب الإخفاق

لا يطعن إخفاق الإعادة- عموماً- في صدق نتائج الدراسات الأصلية أكثر من الدعم الذي يمنحه لها نجاحها عند الإعادة، فهناك أسباب كثيرة للحصول على نتائج مختلفة عند القيام بالتجربة ذاتها لمرتين. المصادفة احتمال وارد، وكذلك احتمال الخطأ في أيٍّ من التجربتين (الأصلية أو الإعادة). كما أنّه قد توجد فروقات يصعب رصدها بين أداء الباحثين في التجربتين كلتيهما أو في كيفية إجرائهما. والأسوأ من هذا كله احتمال أن يكون الباحث في تجربة الإعادة منحازاً مسبقاً لتفنيد نتائج الدراسة الأصلية ويسعى- بوعي أو من دونه – إلى تخريب جهوده في إعادة الإنتاج للحصول على النتائج السلبية التي يفضلها. ولتجنب الوقوع في أخطاء كهذه قام الباحثون المشاركون في تجارب إعادة الإنتاج بالتسجيل المسبق لدراساتهم وقرروا سلفاً تفاصيل طرائقهم البحثية وأساليب التحليل التي ستتبع. كذلك حالَ د. نوسَك بين هؤلاء الباحثين وبين الانقياد لأي رغبة دفينة بالثأر أو الانتقاص من الدراسات الأصلية، إذ عرض عليهم مجموعة محدودة من الدراسات ليتم الاختيار منها (وهي دراسات نشرت حصراً في ثلاث من كبريات مجلات علم النفس). ويتذكر قائلاً: «لقد بذل معظمهم غاية الجهد في مهامهم حالما كُلّفوا بها.. كانوا متحمسين وتوقعوا أن تفلح تجاربهم فجاءت هذه النتيجة مفاجأةً سيئة لهم، بل وأورثتهم شعوراً بالخيبة والإحباط».

فعل «الأفضل»

ومع أننا لم نستطع حتى الآن فهم أسباب هذا «الإخفاق»، إلّا أنّه لا يمكننا إنكار المعطيات التي تشير إلى أنّه «لا يزال بوسعنا فعل ما هو أفضل».. ولكن كيف؟.. لعل البداية المناسبة تكمن في التسجيل العلني والمسبق لخطط البحث، وبإجراء تجارب أكبر حجماً يصعب معها الحصول على نتائج كاذبة بمحض المصادفة. ولنا في باحثي حقل الأمراض الوراثية خير مثال، إذ إنهم تعلموا هذا الدرس باكراً بعدما تبين لهم خداع عددٍ من التنويعات الوراثية التي تمّ ربطها خطأً بأمراض بشرية محددة. كان الحل الناجع الذي قدموه هو القيام بتجارب كبيرة يتعاون فيها باحثون من مراكز علمية شتى وتؤازرهم أعداد جمّة من المتطوعين. ستقلل هذه الخطوات – غالباً – من النتائج «الإيجابية الكاذبة» التي تتسلل لِواذاً في زوايا علم النفس المعتمة وتضعف الثقة فيما يقدمه من «حقائق». وللمساعدة في ضبط تلك الدراسات التي قد تُفْلِتُ من الأعْيُن الراصدة يتعيّن على الباحثين وصف طرائق بحثهم بتفصيل أَوْفَى وتزويد الآخرين بأي رموز (أكوادٍ) لازمة للنظر في قواعد بياناتهم مما يسهل على أيٍ كان مراجعتها والتحقق من صحتها.

التغيير المقبل

التغيير مقبل، لا ريب في ذلك. ربما على استحياء في بداية الأمر، لكنه مقبل..  والمشهد كما يبدو آخذ في التحول، فقد أخذت بعض مراكز الأبحاث والجهات الممولة تولي اهتماماً أكبر لمسألة إعادة الإنتاج ولأشباهها من مشكلات البحث العلمي. يضاف إلى هذا أنّ مركز العلم المفتوح (Center for Open Science1) – وهو من بنات أفكار الدكتور نوسك – يعمل حالياً بجدٍ على تطوير معايير للشفافية والانفتاح ويتعاون مع علماء في مجالات متعددة كعلوم البيئة والحاسوب لمعالجة ما يواجهونه من مشكلات،.. أين يقودنا هذا كله؟ يجيب نوسك بلهجة تنضح بالأمل: «أتمنى ألّا تكون هذه محاولة يتيمة، بل أن تتكرر وتتطور لتصبح حقلاً ناضجاً ومستقلاً من حقول البحث العلمي».. ترى هل سيُقَدَّرُ لأمنيته أنْ تتحقق؟ وهل سيستوعب علم النفس الدرس ويصلح من أمره؟.. هذا ما سيظهره المستقبل(2).

الهوامش:

يمكن قراءة المزيد عن مركز العلم المفتوح Center for Open Science ونشاطاته بزيارة موقعه على الإنترنت على العنوان الآتي:

https://cos.io

لقراءة المزيد عن قصة بريان نوسك ومشروع إعادة الإنتاج يمكن الرجوع إلى مقال «إد يونغ» في مجلة «ذي اتلانتيك» The Atlantic على العنوان الآتي:

http://www.theatlantic.com/health/archive/2015/08/psychology-studies-reliability-reproducability-nosek/402466/

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *