د. ناجي اللهبي - أستاذ الجيومورفولوجيا المشارك. جامعة صنعاء

السلوك الاجتماعي لذرات الكثبان  الرملية

يتحد سلوك ذرات الكثبان الرملية خلال نشاطها الجمعي، بينما تبرز العشوائية كتصرف فردي بالذرة الرملية عند رصد نشاطها، بل إن تصنيف نشاط كل من الذرات الرملية والكثبان التي تشكلها مرتبط بمراحل عمرية محددة وشروط جغرافية متميزة. ملامح قد تجعلها أقرب ما تكون إلى الكائنات الاجتماعية الحية.

ذرات تشكل العواصف الغبارية

لكل من الذرات (الجزيئات) الرملية نشاط محدد وقوى دافعة، إذ ارتبط مدى نشاط الذرات الرملية بكل من حجمها والقوة الدافعة لها. يراوح حجم الذرات الرملية النشطة والمشكلة للكثبان الرملية ما بين أقل من 20 إلى 100 ميكرومتر، فالذرات التي تقل عن 20 ميكرومتراً لديها إمكانية الصعود إلى أعلى والتعليق في الجو والانسياب مع القوى الريحية الدافعة، بل يمكنها الدوران حول الكرة الأرضية في 80 يوماً، أو الوصول إلى أقصى مدى يمكن توقعه ضمن رياح دافعة مستديمة الشروط، لتشكل الذرات مجتمعة العواصف الغبارية، بينما لا تتاح للذرات الرملية التي تزيد على 20 ميكرومتراً، أكثر من عمليات القفز والصعود إلى أعلى ثم التساقط سريعاً.

بداية، تتشكل الذرات الرملية من عمليات تجزئة وتفتت الكتل الصخرية والمواد العضوية السطحية، ويعمل كل من عامل الزمن ومقدار قوى التفتت وصلابة مكونات المصدر في تباين أحجامها. ومتى ما أصبحت الذرات دون 100 ميكرومتر أصبحت قابلة للصعود نحو الأعلى.

طبيعياً، تحاصر قوى الضغط الجوي الذرة الرملية المستقرة من جميع الاتجاهات، إضافة إلى أن وزنها يجعلها أكثر ثباتاً على السطح. ولتحركها، لابد من إزالة الضغط الجوي الأعلى الذي يجعلها أكثر ثباتاً على الأرض، لذا بمرور الرياح بأعلى سطوح الذرات الرملية تقل قوى الضغط الجوي المسلط أعلى الذرات الرملية، مما يجعلها تنتقل من مرحلة السكون إلى الحركة بفعل تأثير برنولي Bernoulli effect، وبازدياد حركة الرياح ووصولها إلى عتبة محددة من السرعة، تصبح للرياح مقدرة على تحريك الرمال نحو الأمام وحملها والتصاعد بها إلى أعلى، إذ إن وضعها مشابه لحركة طيران الكائنات المجنحة. بينما نجد الذرات التي يزيد حجمها عن 20 ميكرومتراً تظل ترتفع قليلاً لتتساقط مرة أخرى مؤدية إلى حدوث عملية التبعثر بالارتطام Reptation لذرات الرمال السطحية، لتتحول ذرات السطح المتأثرة بالارتطام من حالة السكون إلى الحركة الابتدائية. لتبدأ عملية الفرز الاجتماعي لحبيبات الرمال المهاجرة عن تلك المستقرة أو المحدودة الحركة، فالذرات الأكبر حجماً تظل مستقرة ببيئاتها، بينما الأصغر حجماً هي الأكثر نشاطاً.

تكاتف اجتماعي

تستمر عملية تحليق الذرات الرملية متى ما حافظت الرياح على زخمها. وبتباطؤ ذرات محددة عن سرعة «السرب»، أو كما نطلق عليها العاصفة الغبارية، فإن بقية الذرات الأخرى تحاول منعها والعمل على دفعها نحو الأمام من خلال آلية التأثير الباليستي ballistic impact. يؤدي التأثير الباليستي إلى قصف الذرات بطيئة الحركة بالذرات الأسرع حركة ومعاونتها للتقدم، وهذا ما يؤدي إلى زيادة مقدرة الرياح للحمل تفوق سرعة عتبة المائع الريحي، عملية أكثر تأثيراً للذرات الأكبر حجماً والأقل حركة من خلال القصف بالذرات الأصغر حجماً والأسرع حركة، بينما يظل أغلب الجهد الريحي مركزاً في رفع الذرات نحو الأعلى. نشاط أقرب ما يكون إلى سلوك التكاتف الاجتماعي بين فئات الأحجام المتباينة. يظل «سرب» الذرات الرملية متقدماً ضمن هجرته متى ما توافرت له الشروط المثلى، إذ جرى رصد ذرات غبار إفريقية المصدر بأمريكا الجنوبية، بل إن أقرب مثال ما شهدته الجزيرة العربية من عواصف غبارية آتية من صحراء إفريقيا الكبرى.

وبفقدان الرياح لزخمها، وعدم مقدرتها على حمل الذرات الرملية تبدأ عملية التساقط والترسيب بالأسفل. بداية، تنتظم الذرات في شكل طبقات ضمن عملية فرز حجمي، فتبدأ الحبيبات الأكبر حجماً في الهبوط، ثم تليها الأقل حجماً لتتساقط نحو السطح. تتميز جميع بيئات هجرة واستقرار الذرات الرملية بسمات متشابهة، فهي تضم كل المناطق القارية المميزة بنشاط ريحي وتزداد فيها معدلات التبخر والناتجة عن معدلات الأمطار المتساقطة، شروط متطابقة إلى حد كبير مع معظم أراضي الوطن العربي التي تتميز ببيئاتها الجافة وشبه الجافة، إضافة إلى انتشارها العالمي بالنطاق المداري الجاف وشبه الجاف.

على الرغم من العشوائية التي تبدو لنا من خلال حركة الرمال في أثناء العاصفة، وفوضوية تساقطها نحو الأسفل سطح الأرض، إلا أن وجهة نظرنا سريعاً ما تتغير، فمتي ما وصلت الذرات المتساقطة إلى مواقع استقرارها تبدأ الذرات الرملية في التنظيم بشكل هندسي دقيق، لتشكل تجمعاتها أشكالاً هندسية متجانسة ومنتظمة على سطح الأرض لنطلق عليها لاحقاً الكثبان الرملية. لذا نجد أن عملية هجرة وتشكل الكثبان الرملية تصنف ضمن النظم الطبيعية ذاتية التنظيم self-organization، إذ تتجه بانقضاء هجرتها المتضمنة لكثير من الفوضى والعشوائية بحركة ذراتها إلى تنظيم ذاتها، أو الجنوح نحو تنظيم ذاتها، لتظهر مكوناتها عند استقرارها على السطح (من حيث الحجم والشكل) مماثلة.

تتباين ملامح الكثبان الرملية، سواء من حيث أشكالها أو أحجامها، بل كثيراً ما نصادف خلال رحلاتنا لأشكال متعددة من الكثبان الرملية يصعب حصرها، إلا أن ما يميز كل “مجتمع” منها التشابه الشكلي والأبعاد الهندسية الدقيقة. من المعلوم لدينا أن العامل الأساسي لحركة الرمال وتشكل الكثبان مرتبط بالرياح وسماتها، وبما أن هجرة الرمال ارتبطت بسرعة الرياح، فإن اتجاهات الرياح وتغيرها خلال العام ارتبطت بأشكال الكثبان الرملية المتباينة. بالنظر إلى مورفولوجية الكثبان الرملية، فإن لأغلبها أطراف (أذرع أو قرون) تمتد من وسط الكثيب نحو الأطراف. استمدت معظم الكثبان أشكالاً ومسميات مرتبطة في الغالب بما لديها من أطراف، فالكثبان التي تمتلك طرفين منحنيين نطلق عليها الكثبان الهلالية لما بينهما من تشابه، وبتعدد الأطراف بالكثبان الرملية تصبح أقرب ما تكون إلى الشكل النجمي، مما يجعلنا نطلق عليها الكثبان النجمية star dunes. لذا ارتبطت الأطراف بالسمات الريحية واتجاهاتها المتغيرة خلال العام، وبتعدد اتجاهات الرياح خلال العام تزداد أعداد الأطراف بالكثيب الرملي، ومن هنا يمكننا تفسير لماذا تتشابه أنماط الكثبان الرملية ضمن بيئة محددة.

لون الكثبان العربية

ليس الشكل هو العامل الوحيد لتصنيف الكثبان الرملية ضمن «مجتمع» محدد ومتباين عن غيره، بل تظهر رمال الكثبان الصحراوية ضمن ألوان متعددة، ومؤشر إلى سمات محددة، منها النشاط الحركي والعمر والمصدر. تتخذ أغلب الكثبان الرملية بالصحارى العربية اللون البني المصفر وتدرجاته، ليدل على النشاط الحركي للرمال، بينما يدل اللون المائل إلى الاحمرار (ما لم يؤشر اللون إلى طبيعة المصدر الذي اشتقت منه الذرات) على محدودية حركتها، ووصولها لأعتاب مرحلة الشيخوخة، وقابلية الكثيب الرملي «للموت».

لتجمعات الكثبان الرملية أعمار محددة، ومن ثَم تبدأ في «الموت المتباطئ» بمراحله المتعددة. تعتبر المياه القاتل الأساسي للكثبان الرملية، فهي تعمل على تقييد حركتها وتحول أشكالها وصولاً إلى تغير خصائصها وسماتها.

تمتد أعمار الكثبان الرملية وتظل مفعمة بالنشاط والحركة ما بين آلاف إلى ملايين الأعوام، إذ يقدر عمر صحراء ناميبيا بحوالي 50 مليون عام. متى ما تغيرت بيئات الكثبان الرملية مناخياً وازدادت معدلات الأمطار تبدأ الكثبان الرملية في فقدان الزخم الحركي، لتظهر ملامح فقدان نشاطها وانتقالها إلى مرحلة الخمول ضمن ملامحها. من ضمن ملامح الخمول بالكثبان الرملية ميل لون رمال الكثيب نحو الاحمرار، فالاحمرار دليل على تعرض الرمال للمياه، وتغير الشكل الهندسي للكثيب، إذ تبدأ زوايا الكثيب الرملي في الانفراج مع انخفاض في الارتفاع. غالباً ما يدل ارتفاع نسبة الطين والطمي برمال الكثيب على الخمول، وبنمو النباتات فوق الكثبان الرملية ينتقل الكثيب الرملي نحو الخمول الدائم. باجتياز الكثيب الرملي لمرحلة الخمول تبدأ الذرات الرملية المشكلة له في التماسك. تشكل الكثبان الخاملة التي يقل حجم ذراتها عن 20 ميكرومتراً لاحقاً تربة اللوس والتربة الطينية، بينما تشكل الكثبان الرملية التي يزيد حجم حبيباتها عن 20 ميكرومتراً التكتلات الرملية، وبمرور ملايين السنين من خمول الكثيب الرملي، تتحول مكوناته إلى صخور طينية وصخور رملية، لتبدأ دورة جديدة من النشاط عند تفككها لذرات ناعمة مرة أخرى.

المراجع:

Summerfield, M. A. (1991) Global Geomorphology: An Introduction to the Study of Landforms. Harlow, Essex: Longman.

– Lancaster, N. (1995) Geomorphology Of Desert Dunes. London: Routledge.

– Huggett, R. J. (2003) Fundamentals Of Geomorphology. New York: Routledge.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *