نورا أحمد هبة واصل - كاتبة يمنية

النباتات المخدرة.. نعمة أم نقمة؟!

الكوكا استعملها الإنسان منذ 8 آلاف سنة

أوجد الله الإنسان وجعل معه الداء والدواء، والداء يسبب الألم الذي هو جرس إنذار للمريض حتى يدرك بأن هناك عطباً في الجسم، ويجب إصلاحه، ومن غير الشعور بالألم يضطرب الجسد وتتعطل وظائفه، ومن ثم قد يموت الفرد، ويعد الدواء نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى إذا ما أُحسن استعماله؛ لكنه ينقلب إلى نقمة إذا ما أُسيء استخدامه فهو إذاً سلاح ذو حدين.

والقصة الحقيقية للمعالجة، بدأت فعلاً مع الحيوانات، فعندما كانت الكلاب تشعر بالانحراف في صحتها، كانت تأكل أعشاباً معينة لتهدئة اضطراب المعدة، والقطط تبحث عن نبات النعناع وتأكله بنهم شديد عندما تشعر بالتخمة لطرد الرياح والغازات من المعدة (وتبين فيما بعد أنه يحتوي على زيت طيار يطرد الرياح)؛ ولذلك كان الإنسان يلاحظ الحيوانات قوية الغريزة ليستدل منها على النباتات الصالحة والمفيدة.

ومع مرور الوقت عرف الإنسان تأثير هذه النباتات، فقد عرف هنود الإنكا نبات الكوكا، وكانوا يقومون بمضغه وتخزينه في الفم واستحلابه؛ لأنه يزيد من نشاطهم، وقوة تحملهم، إضافة إلى شعورهم بالسعادة والانطلاق، كما استخدم هذا الشعب نبات الكوراري في إعداد السهام السامة، لكي يصطادوا فرائسهم أو قتل أعدائهم. ويعمل هذا النبات على إرخاء العضلات فتتوقف عملية التنفس، وينتج من ذلك موت الضحية، ومادة الكوراري تدخل في صناعة العقاقير المخدرة المستخدمة في العمليات الجراحية.

وكانت نساء العصور القديمة يستعملن عشب البلادونا في توسيع حدقات عيونهن؛ من أجل إضفاء سحنة من الجمال على وجوههن، ومن هنا أتت لفظة «بيلا» (جميل) و»دونا» (سيدة) وتحتوي هذه النبتة على قلويدات تقوم بتوسيع بؤبؤ العين.

وهناك كثير من النباتات المخدرة، ولكننا سنركز في هذا المقال في أربعة أنواع رئيسة، وهي: نبات الكوكا Erythroxylum coca، ونبات الخشخاش Papaver Somniferum، ونبات القنب Cannabis Sative، وشجرة القات.

الكوكا

أظهرت حفريات حديثة بالأدلة أن التجمعات السكانية في البيرو، كانت تمضغ بالفعل أوراق نبات الكوكا قبل ثمانية آلاف سنة مضت، كما تم العثور على بقايا أوراق الكوكا والجير والقطع الأثرية المستخدمة في استهلاك هذه الشجيرة في عدد من القبور تعود إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد.

كانت الكوكا مهمة جداً بالنسبة إلى عدد من الثقافات ما قبل العصر الكولومبي، فهي تدخل في التجارة، والطب، ومراسم الزواج، وكذلك الطقوس الدينية.

والواقع أن حضارات الإنديز تأثرت بشدة باستخدام الكوكا حتى يصعب تخيل هذه الحضارات من دون تلك الشجيرة، كما كانت تستخدم كقرابين، ومن أجل العرافة، وفي معالجة الأمراض، وكشفت التنقيبات الحفرية أن نبات الكوكا كانت توضع مع الموتى من أجل رحلتهم إلى العالم السفلي، وكان ينظر إليها كهدية من آلهة الشمس، وتحرق كبخور وتلبس كزينة في الطقوس التعبدية، ويمكن للمرء أن يقترب من الآلهة بمضغ الكوكا في الفم، وغالباً ما يستخدم المعالجون أوراق الكوكا كفدية لاسترداد أجزاء أرواح المرضى من الآلهة؛ فإذا كان الفرد لا يحترم إلهاً معيناً، فإن الآلهة قد تسرق جزءاً من روح الشخص وهذا يظهر كمرض جسدي، ويعتقد أن قربان الكوكا يكون سبباً في أن المعبود يعيد أجزاء الروح التي فقدت، ومن ثم شفاء الروح والجسد، وفي عصور ازدهار قبائل الإنكا كانت أوراق الكوكا شيئاً ثمنياً وكانت تحجز عادة عن العامة لكي يبقى استخدامها وقفاً على النبلاء ورجال الدين، ونظراً لما لوحظ من تأثير منشط لهذه الأوراق فقد كان الجنود (أيام الإنكا أيضاً) يستخدمونها عندما يخرجون للحرب، كذلك كان حاملو الرسائل يستعملوها لتعينهم على الارتحال مسافات طويلة، وفي سنة 1860 تمكن الفريد ينمان من عزل العنصر الفعال في النبات وأسماه كوكايين، واستخدم كمخدر موضعي في عمليات العيون أول مرة بواسطة الدكتور كارل كولر النمساوي سنة 1884م، كما أنه دخل كمنشط في تركيب مشروب الكوكاكولا ولكن في عام 1903م استبعد من المشروب.

القنب

ومن نبات القنب يستخرج الحشيش الذي ينمو في الهند وتركيا والمكسيك، وقد ورد أول ذكر لهذا العشب في كتاب «المحررين الآثام» للأمبراطور الصيني شنج نانج سنة 2737 ق.م، ولعل المسلمين عرفوا هذا العشب نباتاً برياً فسموه الحشيش، وفي رواية أخرى يقال إن كلمة حشيش مشتقة من كلمة «شيش» العبرية التي تعني الفرح كناية عن شعور المتعاطي بالنشوة، وفي العصور القديمة دخل نبات القنب في صناعة الحبال وأنواع من الأقمشة المتينة، كما وصفه الأطباء لعلاج أدواء بعينها واستعمل كذلك لأغراض دينية وللتغلب على الجوع والعطش وكذلك استعمل لأغراض ترويحية.

ولقد عرف المصريون القدماء الحشيش، وأيضاً عرفه الآشوريون والفرس والهنود، وكان ابن البيطار أول طبيب مسلم وصف التخدير الذي يسببه نبات القنب، وكان حسن الصباح زعيم الحشاشين يقضي معظم وقته بقلعته «ألاموت» في التخطيط والدراسة والتجارب على النباتات التي كان خبيراً بها وبأنواعها السام منها والمخدر وقد ابتكر خلطة مخدرة خاصة جداً مكونة من الحشيش والداتورا والأفيون ممزوجة بالخمر بكميات مدروسة ويعطيها لأتباعه يشربونها ثم يتركهم بصحبة الفتيات في بستان جميل ثم يوحي لهم وهم تحت تأثير المخدر أنهم يرون الجنة ومتعها التي سيدخلونها إذا نفذوا أوامره ثم يأمرهم باغتيال خصومه، وقد لاحظ الملك الظاهر بيبرس التأثير السيئ لهذا العشب على معنويات جنوده والمغول ما زالوا يهددون سلامة البلاد فأمر بمنع تداول القنب أو تعاطيه ومعاقبة من يخالف ذلك.

والحشيش مادة صمغية تستخرج من ثمرة أو ساق النبات والماريهوانا التي تتكون من سيقان وزهور النبات المجففة، ومفعول الحشيش يعادل ثماني مرات مفعول الماريهوانا ويحتوي الحشيش على مواد فعالة كثيرة أهمها تتراهيدروكانابيتول ويسبب الشعور بالدوخة، وعدم إدراك الزمن، واختلاط الحواس، ويستخدم الحشيش في بعض البلاد كمسكن لآلام السرطان الميئوس من علاجها، وفقدان الشهية والقيء الذي يعانيه هؤلاء المرضى، ولعلاج النوبات الصرعية ولتخفيف احتقان وتقلص الشعب في حالات الربو، وعلاج ارتفاع ضغط العين.

الخشخاش

وأما نبات الخشخاش Papaver Somniferum فيستخرج منه الأفيون الخام – وهي مشتقة من الكلمة اليونانية Opium ومعناها العصارة – وهذه الشجيرة تنمو في شرق آسيا وإيران وتركيا وبعض بلدان الشرق الأوسط، وهو نبات حولي يتميز بأزهاره الجميلة الحمراء والبيضاء والقرمزية، وبعد زراعة النبات تبرز أكياس البذور، وتنمو، ثم تسقط الزهرة، وتستمر أكياس البذار في النمو، ثم تخدش بواسطة مشرط ليخرج حليب أبيض لزج من الشقوق، ويجري هذا العمل في الصباح، ويجمع النسغ في المساء عندما يصبح أكثر لزوجة وبني اللون. تحصل على القليل من كل زهرة، ثم تصبح لديك كرة، وهذه تجفف لتصبح الأفيون Opium ذا رائحة مميزة لوجود حمض الميكونيك meconic acid ومفعول التخدير في الأفيون يعود إلى وجود مادة القلويدات التي تؤثر في الجهاز العصبي وتعطل وظائفه، وتمنح القلويدات النبات حماية أثناء نضوج الثمرة؛ فقد لوحظ اختفاء المادة المخدرة بعد نضوج الثمار كما أنها تؤكل من دون أي آثار للتخدير.

تشير بعض المصادر إلى أن الاستخدام الطبي للأفيون عرف منذ ما يقرب من سبعة آلاف سنة قبل الميلاد، وتذكر بردية إيبز إلى أنه استعمل في علاج المغص عند الأطفال، وحالياً تستخدمه النساء في أفغانستان لتخدير أطفالهن الرضع خلال ساعات العمل الطويلة.

وقد استعمل الأطباء العرب الأفيون وقد وصفه البيروني سنة 1000م، كما وصف أعراض الإدمان عليه، وبرع ابن سيناء في استخدامه في العلاج. وبعد تطور العلم استطاع الإنسان عزل العديد من المركبات المخدرة والمسكنة للألم من الأفيون، ففي عام 1803 تمكن الصيدلي الألماني سيرتورنو من عزل المورفين، وأصل هذه الكلمة لاتيني وتعني إله النوم وهو يشكل 10% من الأفيون الخام ويستخدم طبياً على شكل حقن كمسكن للألم وانتشر استعماله خلال الحرب الأهلية الأمريكية عام 1861م والحرب الفرنسية الألمانية عام 1870م، إذ كانت عمليات البتر سائدة، وأصبح عدد كبير من الجنود مدمنين عليه. وفي عام 1822م تم عزل الكودايين من الأفيون ويستخدم في تسكين السعال وتقلص الإمعاء، وأيضاً تم فصل مادة البابا فرين وتشكل 1% من الأفيون الخام وتستعمل طبياً في توسيع الأوعية الدموية.

القات

القات يحتوي على مادة فعّالة تسبب النشاط المصحوب بالخمول

القات نبتة خضراء اللون يراوح طولها بين خمسة أمتار وعشرة  وأوراقها بيضاوية مدببة وتقطف للمضغ وهي صغيرة السن يبلغ عمرها أياماً أو لا يزيد على أسابيع قليلة.

وأول من أطلق عليها الاسم العلمي ووصفها هو عالم النبات السويدي بيرفورسكال Per Forsskal، أما الاسم العلمي الذي سميت به فهو Catha Edulis Forssk ويحتوي القات على مادة فعالة تسبب النشاط المصحوب بالخمول مع حالة تشبه حالة الحالم وتسمى المادة (قات نوربسيودو إيفيدرين Kat Norpseudo-Ephedrine) أو قاتين Cathine كما يحتوي على مادة التانين التي توجد في الشاي وتسبب الإمساك وهي مادة غير مخدرة وقد أدرج القات ضمن قائمة المخدرات بواسطة هيئة الصحة العالمية سنة 1973م.

سبب الإدمان

لقد عرف الإنسان هذه النباتات منذ قديم الزمن واستخدمها في علاج أمراضه وأوجاعه وفي حياته الاجتماعية والدينية والثقافية، فوجود هذه النباتات المنتجة للمواد المخدرة ضروري ومهم في الطب، ولولاها لما تقدم الطب، ولما استطاع الإنسان إجراء العمليات الجراحية، فهي إذاً موجودة لمنفعته والتخفيف من وطأة الآلام والأوجاع التي قد تُلم به، ولكن عندما يستخدمها للهروب من مشكلات الواقع، ومن أجل المتعة والنشوة، هنا تتحول إلى نقمة، ويصبح الإنسان مدمناً عليها ومن ثم لا يستطيع العيش من دونها، وتتعطل قدراته وإمكاناته التي يحتاج إليها مجتمعه؛ من أجل نموه ونهوضه.

والسبب الجوهري للإدمان يرجع إلى مادة كيمائية يفرزها الدماغ بمقادير محددة تسمى الدوبامين تعمل كناقل عصبي ينقل الإشارات بين الخلايا العصبية، وهذه المادة تدفع الإنسان إلى الشعور بالسعادة والثقة بالنفس فيحصل الجسم على دفعة من الدوبامين عند تعرضه للمواقف الممتعة كتناول الطعام أو السفر للسياحة والتنزه مثلاً.

ومن ناحية أخرى، يؤدي انخفاض مستوى الدوبامين إلى الإحساس بالبلادة، والاكتئاب، وعدم الاكتراث بالحياة. ويفضي تناول المواد المخدرة إلى ضخ كميات كبيرة وإغراق الدماغ بمادة الدوبامين أكثر من الطبيعي عشر مرات، وهذا ما يتسبب في خلق نوع من الإثارة والسعادة المؤقتة، لكن التأثير يكون عكسياً في خلايا المخ، فإنها لا تتحمل الزيادة الهائلة من هذه المادة، وتعمل على إلغاء إنتاجها، ويؤدي ذلك إلى تعكير مزاج الإنسان، فيضطر إلى مضاعفة المواد المخدرة ليصل  إلى الإحساس نفسه من البهجة والسعادة الكاذبة، وهكذا تبدأ الحلقة المفرغة اللانهائية التي تؤدي إلى الإدمان (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه).

المراجع:

1  العلمي، رياض رمضان (يناير، 1988)؛ الدواء من فجر التأريخ إلى اليوم، سلسلة عالم المعرفة،ع12، الكويت.

2  سويف، مصطفى (يناير، 1996) المخدرات والمجتمع، سلسلة عالم المعرفة، ع256، الكويت.

3 الدمرداش، عادل (أغسطس،1982) الإدمان مظاهره وعلاجه، سلسلة عالم المعرفة، الكويت.

4- https://goo.gl/FZvy3u.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *