سعد بن محمد بن عواض الشهري - باحث وكاتب علمي سعودي مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية

المناظير الفلكية

ما إن يذكر علم الفلك حتى يأتي ذكر الأجهزة الفلكية التي تستخدم في عملية الرصد الفلكي. ومن أهم وأبرز هذه الأجهزة المنظار الفلكي المعروف بالتلسكوب، الذي يطلق عليه أحياناً المِقراب.

والمنظار وسيلة لتقريب الأجرام البعيدة، ويعمل عمل الدرابيل، إذ لا يأتي بمعدوم، وإنما يوضح موجوداً قد لا تدركه العين البشرية لمحدودية رؤيتها.

على الرغم من أن العلماء المسلمين اشتهروا في علم البصريات، أمثال: يعقوب بن إسحاق الكندي، والحسن بن الهيثم، إلا أنه يعتقد أن أول منظار كان من صنع النظاراتي الهولندي (هانز ليبرشي) في عام 1608م، فقد لاحظ مصادفة وهو يتفحص زوجين من العدسات واحدة تلو الأخرى، أن الأجسام تبدو أقرب بالنظر عبرهما.

وفي عام 1610م صنع العالم الإيطالي الشهير غاليليو تلسكوباً أفضل، عرف بتلسكوب غاليليو، يكبر الأشياء 33 ضعفاً، إذ استطاع أن يكتشف أقمار المشتري الأربعة بمنظاره البسيط، ثم توالت التحسينات تدريجياً على التلسكوب على أيدي مختلف العلماء والفلكيين.

أنواع المناظير الفلكية البصرية:

شكل (1) الفكرة الأساسية للمناظير العاكسة

تتكون جميع المناظير البصرية من جزأين أساسيين، هما: العدسة الشيئية، والعدسة العينية. والغرض من العدسة الشيئية تجميع الضوء الساقط من الجرم (الجسم) المرصود، ومن ثم تكوين صورة لهذا الجسم، إذ يدخل الضوء من خلال العدسة أو المرآة الشيئية.

وتعتمد كمية الضوء المتجمع وتفاصيل الصورة على قطر العدسة أو المرآة. فكلما زاد القطر زادت كمية الضوء المتجمع من الجسم المراد رصده، ومن ثم زادت دقة التفاصيل فيه. أما العدسة العينية، فالغرض منها تكوين صورة واضحة للجرم المرصود، ومن ثم تمكين الراصد من مشاهدة هذه الصورة بسهولة، فمن دونها لا يمكن رؤية تفاصيل الجرم المرصود إلا بوجود جهاز تصوير، إذ يبدو الجرم من دونها أكبر من أن تتمكن العين من مشاهدته.

وتنقسم المناظير البصرية إلى نوعين:

مناظير كاسرة وأخرى عاكسة. فالمناظير الكاسرة تستخدم فيها العدسات وتعمل بمبدأ انكسار مسار الضوء الساقط من خلال مروره في العدسة (شكل 1)، والدرابيل تعمل مثل عمل المناظير الكاسرة، بينما المناظير العاكسة تستخدم فيها المرايا، إذ تعمل بمبدأ انعكاس الضوء الساقط من الجرم (شكل 2).

شكل (2) الفكرة الأساسية للمناظير العاكسة ويسمى منظار نيوتن

تختلف المناظير الفلكية عن الدرابيل في أن الصورة في الدربيل تكون معتدلة، بينما الصورة في المناظير تكون مقلوبة، لذا فعند الرغبة في تعديل الصورة في المنظار يجب استخدام عدسات مصححة تعيد قلب الصورة.

المناظير الكاسرة

شكل (3) منظار كاسجرين

عند مرور الضوء في العدسات، فإن مساره يتغير حسب شكل العدسة، فبعض العدسات لها خاصية تجميع الضوء المتوازي وبعضها له خاصية تحويل الضوء الساقط إلى ضوء متوازٍ. ففي المناظير الكاسرة وعند مرور الضوء خلال العدسة الشيئية شكل (1)، يتجمع الضوء في بؤرة ومن ثم يتفرق، مما يلزم وجود عدسة عينية تمكن من رؤية الجرم المرصود.

وتجدر الإشارة إلى أن صورة الجرم التي تحدثها الشيئية تكون على مسافة من العينية تقل عن البعد البؤري لهذه العدسة الأخيرة حتى يمكن الحصول على صورة مكبرة.

المناظير العاكسة

للضوء خاصية الانعكاس على الأسطح المصقولة، ومع الانعكاس يتفرق الضوء الذي يسقط متوازياً إذا كان السطح محدباً، ويتجمع إذا كان السطح مقعراً، وينعكس متوازياً إذا كان السطح مستوياً. فعندما يسقط الضوء القادم من جرم بعيد على المرآة المسماة بالشيئية (مرآة مقعرة) يتجمع  في نقطة تسمى البؤرة.

ولكي يتمكن الراصد من مشاهدة الجرم يجب أن ينعكس مسار الضوء خارج إطار المنظار، ومن ثم تلزم مرآة أخرى تعكس الضوء بعيداً من هذا الإطار قبل استقباله من خلال العينية، وهذا بخلاف المناظير الكاسرة التي لا تحتاج إلى مثل هذه المرآة.

ومن أشهر أنواع المناظير العاكسة منظار نيوتن (شكل2)، ومنظار كاسجرين (شكل 3)، ومنظار كوديه (شكل 4).

شكل (4) منظار كوديه

وفي منظار كوديه يجب أن يكون تحدب المرآة الثانوية أقل من تقعر المرآة الرئيسة؛ حتى يمكن في النهاية تجميع حزمة من الأشعة الساقطة وتكوين الصورة المطلوبة.

ومن الصعب تفضيل نوع على آخر في المناظير، وذلك عائد إلى أن لكل نوع استخداماته، فمثلاً لدراسة الشمس يفضل استخدام المناظير الكاسرة، وذلك لكون العدسات تتحمل الحرارة، بينما المناظير العاكسة قد لا تصلح؛ لكون المرآة مطلية بمادة خاصة قد تتأثر بحرارة الشمس.

ومن ناحية التكلفة، فإن المناظير العاكسة أقل تكلفة نوعاً ما، إذ تتميز هذه المناظير بخفة وزنها مقارنةً مع الأحجام الكبيرة من المناظير الكاسرة، بينما يمتاز المنظار الكاسر بسهولة صيانته، إذ يحتاج المنظار العاكس إلى تلميع المرآة من وقت إلى آخر، وكذلك يحتاج إلى التأكد من سلامة المادة المستخدمة في الطلاء.

وهناك ميزة أخرى للمناظير العاكسة، ألا وهي خلوها من الزيغ اللوني الذي يصاحب المناظير الكاسرة، فعند مرور الضوء خلال عدسة ما فإن انكسار الضوء يعتمد على لونه (أو بمعنى آخر على طوله الموجي)، ومن ثم فإن مرور الضوء خلال عدسة مجمعة سيكوّن حزمة ملونة بألوان الطيف بحيث تكون بؤرة الضوء الأزرق هي الأقرب إلى العدسة من بؤرة الضوء الأحمر، وهذا هو الزيغ اللوني، شكل (5).

شكل (5) الزيغ اللوني

فلو جرى استقبال الضوء الخارج من العدسة المجمعة عند البؤرة الزرقاء، فإننا سنرى صورة زرقاء غير واضحة للجرم المرصود، وهكذا بالنسبة إلى بقية الألوان؛ مما يستدعي وضع عدسات تصحيحية، ومن ثم ستزداد تكلفة المنظار الكاسر، وهذا ما يجعل الفلكيين يحبذون المناظير العاكسة على الكاسرة إذ تجمع المناظير العاكسة الألوان كلها في بؤرة واحدة.

قوة التكبير:

تعتمد قوة التكبير لأي تلسكوب على بعده البؤري، وعلى البعد البؤري للعدسية المستخدمة، فكلما كبر البعد البؤري للتلسكوب زادت قوة التكبير وكذلك كلما صغر البعد البؤري للعدسة العينية زادت قوة التلسكوب.

تطور كبير في المناظير الفلكية

استخدام التلسكوبات:

تستخدم المناظير لرصد النجوم والكواكب والمجرات، إضافة إلى الشهب والنيازك، وكثير من الأحداث والظواهر الفلكية، ومن أهمها: رصد الأهلة؛ لمعرفة بداية الأشهر القمرية، وظاهرتي الخسوف والكسوف.

ويجب أن نعلم أن جميع المناظير الفلكية تتأثر بحالة الغلاف الجوي لذا تمت صناعة وإطلاق مناظير فلكية فضائية لرصد الكثير من الظواهر من خلال الفضاء.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *