د. زكي بن عبدالرحمن المصطفى - أستاذ البحث المشارك دكتوراة في علم الفلك الفيزيائي مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية

الكسوف والخسوف

يعدّ الكسوف والخسوف من أعظم الظواهر الطبيعية التي رصدها البشر، واستشعر منها الخوف والهلع على مر العصور.

ولقد أبدع الإنسان في حساب الظواهر الفلكية عامة، وذلك بمعرفة مواعيد حدوثها، وأماكن وقوعها. وبخصوص الكسوف والخسوف فقد عرف البشر بدقة تلك المواعيد، وأنواعها، وابتكر طرائق لرصدها سواء بالطرائق التقليدية غير المباشرة كاستقبال الصورة على ورق أو حائط، أو بطرائق مباشرة بالاعتماد على المناظير الفلكية.

يطلق الكسوف على اختفاء الشمس، أو جزء منها، بينما الخسوف يطلق على اختفاء القمر، أو جزء منه.

ومع البعثة النبوية الشريفة تحول مفهوم الكسوف والخسوف إلى خوف من الله سبحانه وتعالى، فشرعت صلاتا الكسوف والخسوف بوصفهما آيتين من آيات الله يخوف بهما عباده. ولعل كسوف الشمس الذي حدث في العهد النبوي، والذي صادف وفاة إبراهيم ابن الرسول صلى الله عليه وسلم، وربط بعض الصحابة الكسوف بوفاة إبرهيم، فقد وضح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في الحديث الذي رواه ابن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لما كسفت الشمس: “إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد أو حياته، فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله وكبروا.. وصلوا حتى تنجلي”، وفي لفظ: “فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى بالصلاة”.

كيف يحدث الكسوف والخسوف؟

ظاهرتا الكسوف والخسوف تحدثان عندما تكون مراكز الشمس والقمر والأرض على استقامة واحدة. فيحدث كسوف الشمس عندما يقع القمر بين الشمس والأرض، بينما يحدث خسوف القمر عندما تقع الأرض بين الشمس والقمر. وتطلق كلمة الكسوف والخسوف إذا اختفى كل أو جزء من النيرين الشمس أو القمر.

خلال دوران الأرض حول الشمس، فإن أشعة الشمس الساقطة على الأرض تكوّن منطقتين تعرفان بمنطقتي الظل وشبه الظل، وهما مخروطان متداخلان يكون فيهما مخروط شبه الظل أكبر من مخروط الظل كما في الشكل (1)، وكذلك الحال بالنسبة إلى القمر، فعندما تمر الأرض في منطقتي الظل أو شبه الظل القمري يحدث الكسوف الشمسي وذلك في نهاية الشهر القمري، وعندما يدخل القمر منطقتي الظل أو شبه الظل الأرضي يحدث الخسوف القمري وذلك في منتصف الشهر القمري.

لكون مدار القمر حول الأرض ومدار الأرض حول الشمس إهليجي الشكل (بيضاوي) شكل (2) مما يعني أن القمر خلال دورانه حول الأرض والأرض خلال دورانها حول الشمس، يتغير بعدهما عن الأرض والشمس تباعاً وعليه توجد عدة أنواع من الكسوف والخسوف.

شكل (1) يوضح مناطق الظل وشبه الظل

شكل (2) المدار الإهليجي

الخسوف القمري يكون كلياً وجزئياً وخسوف شبه الظل (كاذب)، فعندما يدخل القمر منطقة ظل الأرض تحجب الأرض ضوء الشمس عن القمر فيحدث الخسوف الكلي أو الجزئي، شكل (3). وعندما يكون القمر في منطقة شبه الظل للأرض يحدث عندئذٍ ما يسمى خسوف شبه الظل (الكاذب). وسبب تسميتي خسوف شبه الظل بالخسوف الكاذب لصعوبة ملاحظته بالعين المجردة، إذ يحتاج في كثير من الأحيان إلى أجهزة حساسة.

شكل (2) المدار الإهليجي

شكل (3) خسوف القمر

كسوف الشمس يحدث في نهاية الشهر القمري، أي قبل أن يهل هلال الشهر القمري الجديد، شكل (4

شكل (4) كسوف الشمس

وله عدة أنواع: الكلي والجزئي بالإضافة إلى نوع آخر وهو الحلقي. ويحدث الكسوف الحلقي عندما يمر القمر أمام الشمس فيحجبها مع وضوح لحواف الشمس. على الرغم من أن حجم الشمس أكبر بكثير من حجم القمر (شكل (5) إلا أنه وبسبب قرب القمر من الأرض يجعل القمر يبدو ظاهرياً مساوياً تقريباً لحجم الشمس، وبسبب المدار الإهليجي (البيضاوي) لمدار القمر حول الأرض، فإنه في حال كون القمر في منطقة الأوج (أبعد نقطة عن الأرض) شكل (2)، فإنه يكون أصغر ظاهرياً من الشمس فيحدث الكسوف الجزئي أو الحلقي، وعندما يكون القمر في منطقة الحضيض (أقرب نقطة من الأرض)، فإنه يكون أكبر ظاهرياً من الشمس فيحدث الكسوف الكلي أو الجزئي.

شك (3) خسوف القمر

شكل (5) مقارنة لأحجام الشمس والأرض والقمر

إن شروق الشمس وغروبها لا يحدثان في المكان نفسه، فهما يتغيران من يوم إلى آخر. فمثلاً نجد أن الشمس تتجه شمالاً ومن ثم تعود إلى الجهة الغربية متجهةً جنوباً، هذا التغيير هو نتيجة ميلان محور دوران الأرض حول الشمس والذي يقدر بحوالي 23.5 درجة شمالاً وجنوباً، وكذلك الحال بالنسبة إلى القمر فإن مداره حول الأرض يميل بحوالي 5.4 درجة شمالاً وجنوباً، فلو لم يكن هناك ميل فسيكون هناك كسوف وخسوف في كل شهر قمري وذلك بسبب أن مدارات الأرض والقمر ستكون في مستوى واحد.

شكل (5) مقارنة لأحجام الشمس والأرض والقمر

يتقاطع المداران (مدار القمر حول الأرض ومدار الأرض حول الشمس) في نقطتين تسميان بالعقدتين الصاعدة والهابطة، ويحدث الكسوف أو الخسوف إذا وقع القمر بإحدى هاتين العقدتين شريطة أن تكون الأرض والشمس والقمر جميعها على خط واحد، شكل (6).

شكل (6) مدارات القمر والأرض

أهمية الكسوف:

كتلة الشمس تعدّ ضخمة بكفاية أن تؤثر في انحناء الضوء القادم من النجوم وذلك تبعاً لنظرية آينشتاين. وقد تم التأكد من صحة ما توصل إليه العالم آينشتاين عندما حدث كسوفٌ كليٌ للشمس عام 1919م، إذ وصلت مدته إلى نحو ست دقائق كانت كافية لرصد أحد الحشود النجمية المسمى هيدس Hyades والذي كان وقت وقوع الكسوف خلف الشمس تماماً، والذي حسب القوانين التقليدية لا يمكن رؤية العنقود النجمي بسبب حجبه من قبل الشمس إلا أن الحشد تم رصده بسبب انحناء الضوء وعليه أُثِبتت صحة نظرية آينشتاين. وهنا تكمن أهمية الكسوف في إثبات النظرية النسبية.

المدد الزمنية للكسوف والخسوف:

فترة الكسوف الكلي الشمسي قصيرة جداً، إذ تصل إلى 7 دقائق و31 ثانية، وذلك عائد إلى حركة ظل القمر السريعة على الأرض والتي تبلغ نحو 17 كلم/ ساعة عند خط الاستواء، ويغطي مناطق محدودة على الكرة الأرضية، مع العلم أن الفترة الكلية للكسوف من بدايته وحتى انجلائه حوالي ثلاث ساعات. في المقابل فإن الخسوف القمري الكلي تصل فترته بالساعات ويغطي مناطق كبيرة على الكرة الأرضية. طول فترة الكسوف الكلي يعتمد على موقعي القمر من الأرض والأرض من الشمس، فعندما يكون القمر في أقرب نقطة ممكنة من الأرض (الحضيض) وتكون الأرض في أبعد نقطة ممكنة عن الشمس (الأوج)، عندئذ يحدث أطول كسوف كلي للشمس.

أكبر عدد مرات حدوث الكسوف والخسوف هو سبع مرات في السنة القمرية وأقل عدد هو خسوفان، ويحدث الكسوف والخسوف في العادة على شكل مجموعات مكونة من 1 3 تفصل بينها فترة 173 يوماً، هذه المجموعات إما كسوف يتبعه خسوف والعكس صحيح، أو كسوف ثم خسوف ثم كسوف آخر، وهذه من الحالات النادرة.

رصد الكسوف والخسوف:

يعتبر رصد الكسوف والخسوف من الأمور المحببة والشائعة عند الجميع، نظراً لحدوثها في فترات متباعدة خصوصاً الكلي منها. رصد الخسوف القمري سهل وليس به خطورة على العين البشرية بينما الكسوف الشمسي يعتبر من أخطر أنواع الرصد الفلكي، لأنه على الرغم من اختفاء قرص الشمس بسبب الكسوف إلا أن الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء الضارتين لا تتوقفان بسب الكسوف وهذه هي الخطورة على العين، إذ يستمر الراصد في النظر إلى الشمس معتقداً عدم ضررها بسبب عدم وجود وهج الشمس الذي يمنع من رصد الشمس في الأيام العادية وهذه رحمة من الله تعالى أن جعل وهج الشمس شديداً يمنع الإنسان من الإطالة في النظر للشمس. وهناك طرق كثيرة لرصد ظاهرة الكسوف الشمسي منها على سبيل المثال استقبال صورة الشمس على ورق بعد عمل ثقب في ورقة فتعمل عمل الكاميرا في استقبال الصورة، أو استخدام النظارات الخاصة برصد الكسوف والمصنعة خصيصاً لهذا الغرض أو استخدام المناظير الفلكية بعد تركيب المرشحات الخاصة برصد الشمس.

وقد شاهد الناس الكسوف الكلي الشهير الذي حدث في أمريكا في 21 أغسطس 2017م، والذي أعاد للأذهان أهمية الكسوف العلمية خصوصاً أن الحدث في وقت ثورة تقنية الاتصالات إذ نقل مباشر على جميع أصقاع المعمورة.

كسوفات‭ ‬الشمس‭ ‬القادمة‭:‬

https://eclipse.gsfc.nasa.gov

خسوفات‭ ‬القمر‭ ‬القادمة‭:‬

ملاحظة: مدة الخسوف في الخسوف الكلي مسجل قيمتين العلوية مدة الخسوف من البداية وحتى النهاية، والقيمة السفلية مدة الخسوف الكلي.

https://eclipse.gsfc.nasa.gov

  

دورة ساروس تعرف على أنها الدورة التي تعود فيها الكسوفات والخسوفات تقريباً في المكان نفسه بالنوع نفسه، وكذلك يكون القمر في البعد نفسه تقريباً. ومدة دورة ساروس تعادل 223 شهراً وتعادل 6585 يوماً و7 ساعات و43 دقيقة وتعادل تقريباً 18 سنة و11 يوماً و8 ساعات.    

شكل تمثيلي يوضح كيفية حدوث ظاهرتي الكسوف والخسوف خلال مراحل القمر المختلفة.

 

 

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *