هل قضى التغير المناخي على حضارات العصر البرونزي المتأخر؟

يبحث‭ ‬علماء‭ ‬الآثار‭ ‬البحرية‭ ‬الذين‭ ‬يقومون‭ ‬بالتنقيب‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬سقوط‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬اليونانية‭ ‬الموكيانية‭ ‬والمصرية‭ ‬والأناضولية‭.‬

يغوص الغواصون في مياه خليج يقع بالقرب من خليج كورنث في وسط اليونان حاملين معهم مجموعة من المثاقب. يحفرون في قاع البحر حفرة يبلغ عمقها 4.5 من الأمتار ليصلوا إلى أعماق التاريخ.

يتوقع الغواصون أن يعثروا على ترسبات وقطع من الشعب المرجانية وعظام السمك، غير أنهم يأملون في أن تكشف لهم العينات الجوفية عما هو أكبر من ذلك: شواهد على عالم البحر المتوسط القديم، ومفاتيح للغز انهيار عدد من الإمبراطوريات هنا منذ ما يربو على 3000 عام مضت. 

وهؤلاء الغواصون هم جزء من فريق علمي يقوم بالتنقيب في البر وتحت الماء للبحث في أمر انهيار عدد من حضارات العصر البرونزي المتأخر – اليونان الموكيانية، وإمبراطورية الحيثيتين في آسيا الصغرى، والدولة الحديثة في مصر. سقطت كل من الإمبراطوريات السابقة في الوقت نفسه تقريباً، أي في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. قام الفريق باستخراج عشر عينات جوفية خلال العام الماضي. ويتطلعون هذا الشهر إلى فتح العينة الأولى من تلك المجموعة.

يقول توماس ليفي Thomas Levy، وهو عالم أنثروبولوجيا من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، وأحد القائمين على المشروع، “لا تقدر قيمة كل عينة منها ولو بمثل وزنها ذهباً، فهي مثل صفحة من كتاب التاريخ، وسجل للبيانات الحفرية – البيئية”.

يعتقد ليفي في أن العينة الجوفية ستساعد على توضيح إسهام التغير المناخي في السقوط السريع للحضارة الموكيانية.

يعمل العلماء في هذا المشروع منذ شهر يوليو من عام 2016م، ولكن على الرغم من أنه لا يزال هناك ما لا يقل عن ستة أشهر من البحث الميداني والتحليل، فإنهم في حقيقة الأمر لم يبدؤوا بعد في فحص ما قاموا باستخراجه. غير أن ليفي وزملاءه قد توصلوا بالفعل لبعض النتائج المثيرة.

حدد العلماء باستخدام المسوح بالمسبار الصوتي (السونار) موقع شاطئين غارقين تحت مياه البحر المتوسط. كما اكتشفوا مقبرة تشير إلى إقامة بعض علية القوم من الموكيانيين في تلك المنطقة فيما يشبه القرية الساحلية. يأمل ليفي كذلك في العثور على بقايا شبكات الطرق التجارية.

يــــمــــــثل المــشــــــروع جــهـــــــــداً متعدد التخصصات، إذ يجمع بين مزيج من علماء الاجتماع وعلماء الأرض، ويشمل ذلك علماء آثار البحرية، وعلماء الجيولوجيا، وعلماء الأدلة الحفرية – البيئية، وعلماء آثار التاريخ. وهو واحد من بين عدد من المشروعات المماثلة التي يجري تنفيذها في مناطق مختلفة من العالم ويسعى العلماء من خلالها إلى فهم الكيفية التي تعلم الناس في الماضي من خلالها التكيف مع التغير المناخي، أو إخفاقهم في ذلك.

تتمتع بعض المجتمعات بالقدرة على الصمود، في حين تفتقدها مجتمعات أخرى. على سبيل المثال، سيطرت الحضارة المينوسية القديمة على جزيرة كريت اليونانية حتى حدثت الكارثة نحو عام 1645 قبل الميلاد.

ثار بركان في جزيرة سانتوريني المجاورة، مسبباً موجة تسونامي يعتقد المؤرخون بأنها أبادت المجتمع المينوسي. غير أن الأدلة الأثرية تشير في الوقت الراهن إلى تعرض المينوسيين لتدهور تدريجي؛ في حين كانت ثورة البركان القشة التي قصمت ظهرهم.

يقول العلماء لو كان المينوسيون يمتلكون دولة أو شبكات اجتماعية أقوى، لربما استجابوا بصورة فاعلة للدمار الذي لحق بهم نتيجة موجة التسونامي، ثم تعافوا من الكارثة بشكل جماعي مع مرور الوقت.

يعتقد ليفي والمؤرخون المختصون بتلك الحقبة باحتمال إسهام الطبيعة في زوال المينوسيين. فبدلاً من الصدمة المفاجئة لثورة البركان، واجه المينوسيون التدمير التدريجي نتيجة التغير المناخي الطبيعي في شكل جفاف واسع.

وفي وقت سابق، عثر علماء الأنثروبولوجيا على دليل على انخفاض درجة حرارة سطح شرق البحر المتوسط بشكل سريع حوالي عام 1250 قبل الميلاد، وهذا ما أدى إلى نقص سقوط الأمطار وبدء الجفاف.

استمر الجفاف 150 عاماً على الأقل، وربما دام أربعة قرون، في المنطقة التي تعرف حالياً بسورية وقبرص. ولكن تظل حتى وقتنا الحالي قطع اللغز الأساسية مفقودة.

ويتطلع الباحثون على مدار السنوات القليلة المقبلة إلى العثور على إجابات عن أسئلة مهمة من قبيل: حجم الجفاف، وهل أدى إلى حدوث مجاعة؟ وهل ساهم في انتشار الأمراض؟

وبينما يُمعن ليفي وزملاؤه النظر في محتويات العينات الجوفية، فسوف يدرسون الطبقات الرسوبية بحثاً عن أدلة على حدوث فيضانات أو جفاف، وعلى المادة العضوية التي يُعرف منها مدى سلامة مياه البحر، ووجود أنواع من النباتات، والأسماك التي كانت موجودة آنذاك.

يقول ليفي، يمثل العثور على أدوات من الموانئ القديمة الجائزة الكبرى بالنسبة إلينا، وهو ما سيكشف لنا الأشياء التي كانت لا تتوافر لدى المينوسيين، واضطروا إلى استيرادها، إضافة إلى ما كانوا يصدرونه إلى الخارج.

يقول إيريك كلاين، وهو عالم أنثروبولوجيا وعالم آثار في جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة، ولم يشارك في المشروع، «كان المناخ واحداً فقط من المشكلات التي واجهت المينوسيين، يضاف الغزاة إلى خليط المجاعة والجفاف والزلازل».

تعرض المينوسيون للغزو مراراً وتكراراً من شعوب البحر، وهم مجموعات متعددة ربما شملت الفلسطينيين والآخيين الذين ذكرهم هوميروس.

يقول كلاين، لا يعرف عنهم أو عن المكان الذي أتوا منه سوى القليل، ولكن ربما كانوا لاجئين مناخيين، هجروا من بلاد تأثرت بالجفاف نفسه الذي كان يعانيه المينوسيون.

يقول كلاين: «من المحتمل أن تكون شعوب البحر هي التي قطعت الطرق التجارية. وبالنسبة إلي، يمثل ذلك القشة الأخيرة والضربة القاضية». لم يكن المينوسيون مكتفين ذاتياً، وذلك على غرار غيرهم من حضارات البحر المتوسط في العصر البرونزي المتأخر. «لم تتوافر لديهم القدرة على البقاء، ولم يكن في استطاعتهم الحصول على النحاس والقصدير اللذين يحتاجون إليهما لصناعة البرونز».

من المرجح أن يكون للجفاف دور في تدهور المينوسيين. تقول بريجيت بكستون، وهي عالمة آثار في جامعة رود آيلند، إنه حتى إن صح ذلك فعلينا أن نتوخى الحذر من التبسيط المبالغ فيه للتاريخ والتركيز بشكل مفرط على سبب معين.

تقول بكستون في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «في عصر الوعي البيئي الذي نعيش فيه، يُصبح التغير البيئي العدسة التي يفسر بها الناس في الوقت الحالي الماضي».

يوافق ليفي على أنه من المرجح ألا يعزى سقوط حضارات البحر المتوسط الثلاث إلى التغير المناخي وحده، إذ يقول: «لدي انطباع بأنه ستكون هناك أسباب متعددة لذلك، إنني أنأَى بنفسي عن الجبرية البيئية، دعونا نفتح العينات الجوفية، ونرى ماذا ستقول لنا».

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *