د. عبدالله الحاج - رئيس التحرير

الكسوف و النسبية

قررت أن يكون حديثي إليكم هذا الشهر عن قصة من قصص العلم التي أصبحت معلماً رئيساً ومنعطفاً حاسماً في فيزياء القرن العشرين، وهي إثبات نظرية أينشتاين عن طريق الرصد الفلكي في أثناء الكسوف الكلي للشمس.

الكسوف الشمسي ظاهرة طبيعية تحدث عندما تكون الشمس والأرض والقمر على استقامة واحدة. وهي ظاهرة تحدث عدة مرات في السنة الواحدة، وكان أكثر عدد مرات حصل فيها الكسوف في سنة واحدة، هي 5 مرات في عام 1935م.

وحدث أن حصل كسوفان في شهر واحد، في شهر يوليو عام 2000م. ويوفر كسوف الشمس فرصة كبيرة للعلماء لدراسة الشمس والفضاء بشكل عام. وكمثال على ذلك يعدّ الكسوف الذي حصل في عام 1919م، حدثاً مهماً جداً، إذ استطاع السير آرثر ستانلي أدينغتون إثبات نظرية النسبية العامة التي نشرها أينشتاين في عام 1915م. وهي نظرية كانت -آنذاك- محيرة ومثيرة للجدل. فهي تصف الفضاء، والزمن، والجاذبية.

فقد وحد أينشتاين في نظريته الجديدة مبدأي الفضاء والزمن في نسيج أسماه “الزمان – مكان” أو (الزمكان) الذي ملأ الكون، فالأجسام ذات الكتل الكبيرة لديها القدرة على تشويه أو حني نسيج (الزمكان) مما يؤدي إلى إعطاء قوة إلى الجاذبية.

فعندما أطلق أينشتاين هذه النظرية، قام بتفسير – بشكل صحيح ومقنع- لمدار كوكب عطارد الغريب، الذي حيّر علماء الفلك لعدة قرون. فعند دوران عطارد حول الشمس فإن انحناء الفضاء الذي تسببه جاذبية الشمس، يدفع مدار الكوكب إلى الانحراف قليلاً عن مداره الذي توقعته معادلات نيوتن، وقد اقلق ذلك العلماء، مما اضطرهم إلى البحث عن كوكب آخر قريب من عطارد يؤثر في مداره (وطبعاً لم تفلح الأرصاد على العثور على ذلك الكوكب). غير أن نظرية أينشتاين تقول إن انحناء (الزمكان) يفسر هذه الظاهرة المحيرة لمدار عطارد.

منذ أن أطلق أينشتاين نظريته، واجهت ردوداً غاضبة وشكوكاً كبيرة إلى أن رصد عالم الفلك الإنجليزي السير إنجنتون في 29 مايو 1919م ظاهرة الكسوف الكلي للشمس من جزيرة بيرنسيت في الساحل الشرقي من إفريقية. فعندما غطى القمر كامل قرص الشمس وحل الظلام، ظهرت نجوم العنقود النجمي (هايدس) قريبة من حلقة الشمس.

تنبأت النظرية النسبية العامة لأينشتاين بأن موقع النجوم القريبة من الشمس- كما نراه نحن من الأرض – ليس هو الموقع الحقيقي لها، ويعود السبب في ذلك إلى أن الضوء الصادر من هذه النجوم ينحرف بزاوية صغيرة عند مروره قرب الشمس، وذلك بسبب الجاذبية المهولة للشمس وانحناء الزمكان حولها؛ لذلك ما نراه نحن ما هو إلا خداع بصري ناتج عن انحراف الضوء.

وللتأكد من هذه النظرية فقد أخذ السير أدنجتون صوراً لمواقع النجوم خلال عملية الكسوف ودرس مواقعها بدقة، ومن ثم أخذ صوراً لمواقع النجوم ذاتها بعد انتهاء الكسوف، ومن ثم قارنها بصور أخذها للموقع نفسه بعد مرور ستة أشهر من ذلك في الليل، وبعد تحليل البيانات، اتضح فعلاً أن مواقع النجوم كما نراها منحرفة قليلاً بالقيمة نفسها التي تنبأت بها نظرية النسبية العامة.

ولأهمية هذا الاكتشاف في ذلك الوقت، أضعكم الآن في صورة وصفها الفيلسوف والرياضي الإنجليزي المشهور ألفريد نورث وايتهيد.

كانت الجمعية الملكية البريطانية هي التي موَلت البعثة التي قام بها السير إدنجتون، ومولت بعثة أخرى لدراسة الكسوف الكلي أيضاً من سوبرال في البرازيل. عقدت الجمعية الملكية اجتماعها في 6 نوفمبر 1919م، وكان هدف الجلسة هو عرض النتائج التي توصلت إليها البعثتان الفلكيتان لدراسة الكسوف الكلي.

ولكي نعيش في أجواء هذه الجلسة التاريخية نستمع إلى ما يقوله شاهد عيان الفيلسوف وايتهيد: (كان جو الاهتمام البالغ يشبه تماماً جو الماسة الإغريقية، كنا نشكل الجوقة التي تعلق على قرارات القدر كما تظهر عبر سياق حدث استثنائي. كانت للمشهد صفة دراماتيكية: الاحتفالية التقليدية مع صورة لنيوتن خلفية للمشهد، تذكرنا بأن أكبر تعميمات العلم سيتلقى أول ضربة قاضية بعد أكثر من قرنين من السيطرة. وفوق ذلك كانت المأساة تحتوي على عنصر بشري مهم: هي مغامرة بطولية تواجه نهايتها).

لقد أثبتت التقارير توقع أينشتاين (نتيجة الملاحظات التي لا غموض فيها،…. ينحرف الضوء متوافقاً مع قانون الجاذبية لأينشتاين) كما قال السير فرانك دايسون.

وفي نهاية الجلسة قال رئيس الجمعية الملكية الفيزيائي المشهور السير ج. ج. طومسون: (هذه النتيجة هي أهم نتيجة حصلت حول الجاذبية منذ أن أعلن نيوتن مبادئه،… إنها أحد أعظم إنجازات الفكر البشري. (كتاب قصة آينشتاين، كتاب العربية رقم 180).

عملت التجربة مراراً وبدقة أكبر في كل مرة مع تطور تقنيات الرصد في أحداث الكسوف الكلي في أعوام 1922م، 1953م، 1972م، وجميع النتائج جاءت مماثلة. لقد أثبتت نظرية أينشتاين.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *