د. أحمد جبار

بين العلم والسياسة والتراث

كان أبي -رحمه الله- إماماً فقيراً في قريةٍ غنيةٍ، وكان مسجد القرية واسعاً، وعدد المصلين قليلاً. وكانت للوالد مكتبة صغيرة على شكل صندوق يحتوي على أربعة كتب: القرآن الكريم، وصحيح البخاري، والأجرومية في النحو، وشمس المعارف الكبرى للبوني. وكان للوالد كُتّاب متواضع بدأتُ فيه تعلّم مبادئ اللغة العربية من خلال حفظ القرآن الكريم، وفي السادسة من عمري سجّلني في المدرسة الفرنسية لأتقن اللغة الأجنبية، وأتعلّم الحساب. وبعد سنتين أو ثلاث بدأت دراسة قواعد اللغة العربية في مدرسة خاصة كانت تنتمي إلى الحركة الوطنية. وبفضل هذا التكوين استطعتُ تحضير المسابقة التي سمحت لي أن ألتحق بالمدرسة الثعالبية في الجزائر العاصمة، وبقيت فيها سبع سنوات تكوَّنتُ خلالها في الأدب العربي نثراً وشعراً، كما تكوَّنتُ في الفقه الإسلامي حتى حصلت على شهادة الليسانس في هذه المادة.

وفي يوليو عام 1962م، سنة استقلال الجزائر، دخلت قريتنا فرقةٌ من جيش التحرير الوطني، وسأل قائد الفرقة: هل يُوجد مواطن يتقن اللغة العربية الفُصحى؟ فقيل له: ابن الإمام هو المواطن الوحيد الذي بإمكانه التعبير باللغة العربية، فكُلِّفت إلقاء خطاب وطني ثقافي سياسي لحثّ مواطني القرية على الاتّحاد والتعاون والمُثابرة في العمل لمحو آثار الاستعمار وتشييد الوطن. وعندما التقيتُ قائد الفرقة تجرّأتُ بملاحظة بسيطة، وهي أن مواطني القرية لا يفهمون العربية الفصحى، واقترحتُ عليه أن أُلقي خطاباً باللغة العامية، فرفض هذا الاقتراح مُؤكّداً أن لغة التجنيد الوحيدة هي لغة إذاعة (صوت العرب من القاهرة).

ثم دخلنا في مرحلة (التشييد الوطني)، وقيل لنا: إن دور (جيل الاستقلال) الوحيد هو خوض (معركة العلم)، فسجّلت نفسي في شعبة الرياضيات، وبعد ثلاث سنوات أنهيت تكويني الجامعي الأول بشهادة الليسانس بمُعدّلٍ عالٍ سمح لي أن أكون في الفوج الأول الذي بُعِث إلى فرنسا لتحضير درجة الدكتوراه في العلوم، فاخترت التسجيل في جامعة (باريس الجنوب). وبصفة موازية، بدأت أنشط على المستوى الثقافي، فكنت أنقل إلى الفرنسية بعض قصائد سميح القاسم ومحمود درويش، وألقيها في سهرات شعرية كان ينظّمها (الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا).

وفي يونيو عام 1967م وصلنا خبر انهزام الجيوش العربية في (حرب الأيام الستة)، فكانت صدمة كبيرة جعلتنا نتبادل الآراء -بوصفنا عرباً ومسلمين- حول صحّة إستراتيجية الحكام الذين خطّطوا وقادوا المعركة، ومصداقية الإعلام العربي. وفي سياق تلك الصدمة بدأتُ أسأل عن دوري بصفتي مواطناً جزائرياً نشأ في بيئة عربية إسلامية، وعاش الثورة التحريرية من بعيد بوصفه مواطناً عادياً، ومن قريب بوصفه شاباً فقد والده مبكراً بعد اعتقاله واغتيال جيش الاحتلال له.

ثم بعد الحصول على درجة الدكتوراه في الرياضيات، ونتيجةً للأسئلة المتعدّدة حول دوري في المجتمع الجزائري، شرعتُ في عمليتين متكاملتين: الخوض في النشاط السياسي في إطار حزب وطني، والرجوع إلى الثقافة العربية من خلال بعض جوانب تاريخها. أما الاتجاه الأول، فقد تجسّد في الانخراط في الحزب الذي كان يترأسه المناضل الكبير محمد بوضياف، ودام نشاطي في تلك المنظمة عشر سنوات، ولم يتوقف إلا بعد توقّف نشاط الحزب بسبب تعدّد وتعمُّق الاضطرابات والتناقضات في المجتمع الجزائري بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، ثم جاءت أزمة تسعينيات القرن الماضي فعيِّن محمد بوضياف رئيساً للجمهورية، وبهذه المناسبة رجعتُ إلى السياسة مُستشاراً في الرئاسة، ثم بعد اغتيال الرئيس عملت وزيراً للتربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي.

أما رجوعي إلى الثقافة العربية، فقد كان بمناسبة العثور على نسخة من مقدّمة ابن خلدون، وقراءة أبوابها الخاصة بتصنيف العلوم، فاطّلعت -أول مرّة- على أهمية مساهمة المغرب الكبير والأندلس في النشاط العلمي العربي عامةً، والنشاط الرياضي خاصةً. لكن الانطلاقة الحقيقية في هذا الميدان جاءت بعد لقائي -في إطار نشاطي الجامعي- بباحث في تاريخ العلوم كانت له تجربة في التعامل مع النصوص العلمية القديمة. وهكذا، عرجت عن البحث في العلوم البحتة، ودخلت في ميدان جديد علمي وثقافي في آنٍ واحد، وذلك بفضل تحكّمي في تقنيات ومنهجيات الرياضيات، واسترجاعي الرصيد الثقافي العربي الذي ما زلتُ أعدُّه هديةً من الوالد رحمه الله.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *