أحمد الواصل - ناقد وأكاديمي سعودي

الحب حضارة إنسانية: هل بيولوجيا الحب صناعة إنسانية تنقرض؟

في منتصف العقد الأخير من القرن العشرين، وضع باحثان ألمانيان: غيرد غيركن، وميشائيل كونيستر تقريراً استشرافياً حول أكثر من منحى من مناحي الحياة؛ كالحب، والجنس، والعمل، وتكنولوجيا الوراثة، والأديان، والديمقراطية، ونُشر هذا الكتاب بالألمانية عام 1995م بعنوان: (مناحي التطور 2015: أفكار ووقائع وآفاق)(1).

ذكر المؤلّفان أن الحب لا يخلو من التصوّر أو الأيديولوجيا؛ فهو يعبّر عن مصالح مشتركة، وهو شعور مكتسب، وتمثيل عن رغبات. وعرّفه المؤلفان في فصل (مستقبل الحب) بأنه اختراع كالمشاعر جرى تعلّمه وتنميته بصورة ارتقائية؛ فهو لا ينزل علينا كالقدر، بل هو دائماً تعبير عن حاجاتنا وآمالنا. وقال عنه الشاعر نزار قباني (1923 1998-م) في قصيدة بديوانه (الرسم بالكلمات) عام 1966م:

الحب في الأرض بعضٌ من تخيّلنا   *** لو لم نجده عليها لاخترعناه

وهناك عوامل في انطلاق سائر الحضارات أو انهيارها لا تخلو من فعل الحبّ ونقيضه، وفيها شواهد على ذلك.

ثلاثة أنواع من الحب

يقسم هذان الباحثان تصوّرات الحب ثلاثة أنواع: الحب المادي، والحب الرومانسي، والحب الارتقائي. الحب المادي تعاقدي، يظهر السلطة والامتلاك بقدرٍ ما، ويلزمه الأمان والتأمين وقليل من الألفة. وهذا الحب يُقيم على حدود العفة، ولا يعرف الجنس إلا لضرورة الإنجاب. أما الحب الرومانسي، فهو حب مُبتذَل حسب رأيهما، ينصهر مع المصادفة وضدها في الوقت نفسه، وينظر إلى حدوثها في صورة مثالية، وإن لم يكن يبقى مجرّد تصوّر، فينقلب إلى إجهاد نفسي وتشدّد، ومعدلات طلاق متزايدة، وهوامش كسب متنامية للأطباء والمعالجين النفسيين للمتزوجين. أما الحب الارتقائي، فهو عامل في بناء الهوية الذاتية؛ فالحميمية مطلب بين الطرفين، وربما تحدث تحولات من التصاعد والهبوط في الشغف والتجنّن الذي ينقلب إلى فتور وتجمّد؛ فعندما يقرّ الطرفان بذلك، ويُخلصان في البقاء، يتمكّنان من التخلص من عقد الذنب، وتحويل إحباطهما إلى منجزات شخصية يسعدان بها معاً. ويحقّق هذا الحب مثلاً أعلى جديداً للحب، وشراكةً مغايرةً بين طرفين، ومتعةً متجددةً لا تقف عند الفضول، ولا تنتهي عند الإشباع؛ أي أن لديهما كثيراً ليحقّقاه.

من الصعوبة جعل هذه التصورات نهائيةً، كما أنه لا يمكن أن يكون بعضها بديلاً عن بعضها الآخر، وإنما بقاء هذه التصورات يضع الصورة الاجتماعية في نظرتها وممارستها للحب على محكّ الدراسة في توازي هذه التصورات وتوارثها أو اكتسابها، أو نشوء فروق في تصوّرات الحب ضمن الأسرة الواحدة؛ فالقرابات التي تجنح إلى وضع خطوط اجتماعية واقتصادية تحفظ وجودها الطبقي والفئوي والجماعي يمكن أن تجعل أحد التصورات نموذجها المتّبع في كلّ الأسر المتناسلة عنها.

الحب حالة ارتقائية

لم يقف الأمر عند ذلك الاستشراف؛ فقد دفع أستاذ المخ والأعصاب الألماني جيرالد هوتر في كتابه (نشوء الحب وارتقاؤه) عام 1999م(2) بنظرية تؤكّد أن الحب حالة ذهنية ارتقائية تتعرّض للانقراض في بعض المجتمعات عندما تتوقّع أنه أمر فطري، بينما هو مكتسب ومتنامٍ.

يبني هوتر معظم أعماله على نظرية العقل الذي يخلق دوائر عصبية يواجه بها احتياجات الإنسان، ومستجدات عصره، ويطرح في كتابه هذا الحبَّ مبنياً على نظريتي: (أصل الأنواع)، و(أصل الإنسان) للعالم الإنجليزي تشارلز داروين (1809-1882م)، ويبني أُطروحاته على مقولات داروين التي طوّرها بعد كتابه الأول (أصل الأنواع: نشأة الأنواع الحية عن طريق الانتقاء الطبيعي) عام 1985م، الذي لا يزال يثير ضجةً ليست علميةً حول دور العقل في الحضارة الإنسانية؛ إذ يقول داروين في كتابه (أصل الإنسان والانتقاء الجنسي) عام 1871م: «يبدو أن العقل كان يشكّل أهمية قصوى لدى الإنسان حتى في مرحلةٍ ترجع إلى زمن بعيد؛ فقد جعله قادراً على استخدام اللغة، واختراع الأسلحة والأدوات والمصائد وإنتاجها. وبفضل هذه الوسائل أصبح الإنسان المسيطر الأكبر على كلّ الكائنات الحية من وقتٍ طويلٍ عن طريق الارتباط بعاداته الاجتماعية».

تجاوز داروين مسألة الصراع من أجل البقاء التي قُبلت من كتابه الأول إلى فكرة الانتقاء الجنسي التي أطلقها في كتابه الثاني، مطوّراً أفكاره بعد تأمّلات في عالم المملكة الحيوانية، بوصف الحيوانات والطيور والثدييات الأكثر رقياً تمتلك بعض الخصائص الهائلة التي لا تستخدم على الإطلاق بغرض الصراع من أجل البقاء؛ فقد لاحظ أن الإناث دوماً هي التي تطوّر تفضيلاً غريزياً لخصاص معينة في شريكها الجنسي، وهو ما اضطرّ الذكور إلى التنافس على إظهار تلك الخصائص لكي تكسب رضا تلك الإناث المتطلّعة ذات الطبيعة الانتقائية وقبولها؛ فمن ليست لديه أسباب الرضا لقبوله تنعدم فرصة التكاثر لديه، بل يتخلّف عن ركب التطور بتركيباته وقدراته غير الجذابة على الأقلّ في عيون الإناث. ويرى داروين أن «الكائن الأخلاقي هو ذلك الكائن القادر على مقارنة سلوكياته ودوافعه وأفعاله السابقة والمستقبلية معاً، وقبول بعضها، ورفض بعضها الآخر. كما أن حقيقة أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تستطيع أن تصفه بذلك تشكّل بكلّ تأكيد الاختلاف الأكبر بينه وبين الحيوانات الأقلّ رقياً».

ويطرح داروين تصوراً غير مسبوق حين يقول: إن الإنسان يعود إلى جنس حيّ متواضع في قديم الزمن لا يُعرف أصله، فيفضّل التصوّر بأنه قرد ينقذ رفاقه من كلاب مسعورة على أن يكون وحشاً برياً يعذّب ضحاياه، سواء أكانوا نساءً أم صغاراً، ويعامل نساءه مثل السبايا، وتسيطر عليه أبشع الخرافات، وهو ما لا يلاحظه حتى علماء الأحياء في قراءتهم لتأملات داروين. ومن هنا يطرح هوتر رأياً مهماً حول دور الحب بوصفه عامل ارتقاء إنساني في الحضارة حين يصف الحضارات السابقة قائلاً: «نحن ما زلنا حتى اليوم نقف مشدوهين أمام الإنجازات الخارقة لهذا الجزء الصغير نسبياً، المنحصر في إقليم صغير نسبياً أيضاً من تاريخ البشرية، وأمام أطلال حضارة الأوروك وبابل، والألواح الطينية للحضارة السومرية، وأمام أهرامات المصريين القدماء وأولى خرائطهم وحساباتهم الفلكية؛ إذ توافر كلّ شيء آنذاك فجأةً؛ من الكتابة والفن والأدب والعلوم والأديان حتى النقود والعملة والضرائب. وقد أرسى أناس ذلك الزمان -في مدة قصيرة نسبياً بما تمتّعوا به من قوة التصميم والابتكار التي لا يمكن تصورها- الأساس الكامل الذي لا يزال عالمنا المعاصر يستند إليه الآن»؛ فقد رأى هوتر أن كلّ علم يمكن أن يصل إلى نقطة حرجة تدفعه إلى التخلي عن مبادئه وأساليب تفكيره القديمة، ويعيد ترتيب النتائج الفردية التي تجمعت في تلك الأثناء، التي تكون عادةً غير واضحة على الإطلاق، وتكون في أغلب الأحيان متناقضة أيضاً؛ فبينما تتطور بعض العلوم الكلاسيكية في الطبيعة والآلة وسواها إلا أن العلوم التي تطوّر نظرياتها حول الحياة، ومنها علم البيولوجيا، انتهت إلى تراجيديا بائسة عندما بنت طريقة التفكير على تحليلية مفرطة، فوقعت بين تعميمات سابقة لأوانها، وتأويلات مبنية على سلوك متغيّر، وهو ما أدى إلى الوقوع في معضلة تخطّي الحدود الصارمة بين الواقع والخيال.

وأغرت فكرة امتلاك القوة المبنية على مبدأ الصراع بتطور علم البيولوجيا، مع أنها فهم سقيم لنظرية داروين التي تطورت من أصل الأنواع إلى مراجعتها في أصل الإنسان؛ فالقوة لا تُطلب دائماً، وثمة تطورات في الحياة لا تلزم القوة، بل تلزم عناصر أخرى. ويتجاوز هوتر تلك التفسيرات إلى دور الطاقة المختلفة والمتباينة في عالم الطبيعة الذي ينعكس بالتفاعل بينها وبين الإنسان؛ فثمة طاقات مختلفة يجب التنبّه لها، منها الحب؛ فهو عامل مهمّ فيها، ومن هنا يحصر هوتر تأملاته الذكية في جوانب العلاقات الاجتماعية المختلفة: ما يربط العالم بعضه بعضاً في أقصى باطنه، وما يربط الأفراد معاً من أعماقهم، وما يربط الزوجين معاً من أعماقهما، وما يربط مجموعة من الناس معاً من أعماقهم.

يقول علماء الفيزياء: من الصعب التغلّب على القوة الهائلة التي تدور حولها الجسيمات الأصغر حجماً، وعندما يتم إنقاص تلك القوى المتنافرة بنجاح تستطيع الجسيمات أن تدخل في عملية تبادل، وتندمج معاً؛ إذ ثمة إيقاع خاص له صدى يؤثّر، وأيّ نظامين متذبذبين (الموجات، والجسيمات، والخلايا، والكائنات الحية، ومنها البشر) يدخلان في عملية صدى تحدث تقارباً، وهنا يأتي الحب بوصفه مبدأ عالمياً؛ ليصبح الحب تعبيراً عن هذا المبدأ، وهدفاً له معاً.

إذاً، هذا الأمر هو ما يربط العالم معاً، وما يمكن أن يربط الأفراد هو تلك المشاعر من العرفان والاحترام والإعجاب من جرّاء المساعدة والتعاون والاقتداء، واتخاذ القدوة ليس بالضرورة من الأسرة أو الأقارب أو الأصدقاء، بل من أناس ملهمين كالرياضيين والفنانين والسياسيين، وهو ما يساهم في إصلاح النظام الداخلي المحطّم في رأسنا وجسدنا، ويساعد على شفائنا، وهو شعور نطلق عليه الحب. أما ما يجمع بين الزوجين، فهو ليس الجنس والإنجاب، بل تلك المعارف التي يكتسبانها معاً، التي تعيد توليف العناصر بين المعرفة الموروثة والمزروعة من الأسرة والثقافة والتعليم، وتُختبر في تجربة الزواج، وتتحول إلى معرفة جديدة متبادلة ومسؤولة بين الطرفين، وهي الحب.

الحب مسؤولية اجتماعية


إذا حقّق بعض الأفراد وجودهم باكتساب المعرفة والكفاءة ازداد الشعور بالأمان، وقلّ الخوف الشخصي، ويمكن أن يفقد ذلك الفرد الأمان فينطوي ويتوحّش من خوفه؛ فالآلة تهدّد وجوده، وتنوب عنه؛ فالطريق الثالث هو الرابطة الاجتماعية التي بدورها تعزّز عند الفرد القدرة على إدراك المسؤولية الاجتماعية. ومن هنا تُبنى الحضارة على ثقافة الحب بمعناها الأوسع الذي يتخطّى تصنيفات النوع والهدف والبديل، مثل التي أطلقها غيركن وكونيتسر حول الحب المادي والرومانسي والارتقائي، وتتخطّى مسألة بناء الهوية الذاتية التي تتمثّل في استنتاجات مثل أن «انتقاء الشريك الجنسي بمنزلة الكلمة السحرية التي دفعت شركاء الجنس إلى تطوير تفضيل معيّن لألوان، وأشكال، وعطور، ونغمات، وكلّ شيء يستطيعون إدراكه حسياً عند بعضهما بعضاً عن طريق الحواس» على حدّ قول هوتر.

عالم الحب أوسع من أن يبقى هدفاً عابراً أو متحقّقاً؛ فمن أبناء الحب شعور التفاؤل لكي تحافظ الشعوب على نفسها من الفناء والانقراض؛ فالتشاؤم طبيعة الأفراد لا الشعوب؛ إذ انكشف مع الأزمنة الغابرة أن الشعب المتشائم زائل وميت قبل أن يأتيه ملك الموت.

إذاً، يبقى التعريف بأن الحب اختراع احتمال أكيد؛ فهو الدافع إلى اكتشاف حاجاتنا وآمالنا، ويعزّز -ليس على المستوى الفردي- قضاء رغبات عابرة أو متحقّقة، بل يشمل المدى الأوسع، ليس الصوت فحسب، بل الصدى الذي يبقى رنينه في الأذن كما يبقى في النبض يُستعاد ويستمر إلى الأبد. لكن هل وقف الحب عند حدود أن يكون اختراعاً؟

لقد أفضى التطور التقني إلى تحوّلات في ذلك الحب، سواء المادي أم الرومانسي أم الارتقائي؛ فهناك الحب الرقمي الذي أعاد توليف المسافة ضوئياً، وهو ما يستحق مقالةً أخرى.

المراجع:

(1) ترجم بوعلي يس فصولاً من الكتاب باللغة العربية، وصدر بعنوان: (مستقبل الحياة في الغرب)، دار الكنوز الأدبية، 2001م.

(2) ترجمته علا عادل بالعربية بالعنوان نفسه، دار العين، 2011م، كما ترجمت كتباً أخرى، منها: (الرجل والمرأة: أيهما الجنس الأضعف؟)، العربي، 2011م، و(سلطة الصورة الذهنية)، عين للدراسات، 2014م، وترجم عبدالله الأنصاري (خبايا العقل)، نهضة مصر، 2010م.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *