أمجد قاسم - كاتب علمي متخصّص في تكنولوجيا الصناعات الكيميائية

الإنسان والأحجارالكريمة: علاقة تمتزج فيها الخرافات والمعتقدات والمنافع

استرعت الحجارة الملونة الموجودة في الطبيعة انتباه الإنسان واهتمامه منذ القدم؛ فاستعملها منذ ما قبل التاريخ حلياً وتمائم وعلاجاً، ولجلب الحظ، وفي الأغراض السحرية المختلفة. وتدلّ الدراسات التاريخية على أن الأحجار الكريستالية Rock Crystal، والكهرمان Amber، والجاد Jade، والمرجان Coral، واللؤلؤ pearl، والزمرد Emerald، والفيروز Turquoise، كانت من أوائل الأحجار والمواد الطبيعية التي لفتت انتباه الإنسان، واستخدمها لصناعة الحلي، وأختاماً خاصة بالحكام، وتعاويذ لحمايته من المصائب والنوائب ودفع الشرور عنه. وبسبب المكانة الرفيعة التي احتلّتها تلك الأحجار والمواد الطبيعية لدى الإنسان فقد أطلق عليها اسم الأحجار الكريمة Gem stone؛ لتميّز ألوانها، وصلابتها الفائقة، وندرتها.

أحجار كريمة على مر العصور

 منذ أن سكن الإنسان الأول الكهوف في العصر الحجري اهتم بالحجارة، فاتّخذ بعضها سلاحاً لحمايته من الوحوش والدفاع عن نفسه، واتّخذ بعضها أدوات لتسيير شؤون حياته اليومية وبناء مساكنه، كما أغرم بالأشكال الغريبة منها، واتّخذها حلياً وتعاويذ وتمائم. وشاع إبّان الحضارة المصرية العناية بالأحجار الكريمة، خصوصاً الفيروز والزمرد، وكذلك فعل البابليون الذين أتقنوا فن النقش عليها، وصناعة أختام منها، في الألف الرابع قبل الميلاد. وفي عام 2800 قبل الميلاد ظهرت الأختام المنقوشة عليها صورة الملك جلجامش، وفي عهد حمورابي صاحب أقدم الشرائع والقوانين المكتوبة في التاريخ البشري ازدهرت صناعة النقش والصقل على الأحجار الكريمة، وبلغت هذه الصناعة ذروتها عام 1800 قبل الميلاد في عهد الكاسيين. وتدلّ المصادر التاريخية على أن الفينيقيين اهتموا بتجارة الأحجار الكريمة والكهرمان والعاج، وأنه في الألف الثاني قبل الميلاد اكتشفت مناجم للفيروز والزمرد في مصر القديمة. وخلال تلك المدة، وفي الجانب البعيد من اليابسة، اهتمت قبائل الأنكا والأزتيك بهذه الأحجار الجميلة، حتى إنهم كانوا يقدّسون حجر الزمرد، وكان هنود الأباش الحمر يعتقدون أن حجر الزمرد يجلب لهم الحظ الجيد، ويساعدهم على تسديد رمي سهامهم لتصيب أهدافها.

بابا روما كليمنث السابع

يمكن القول: إن الحضارات الإنسانية كافة اهتمت وشغفت بالأحجار الكريمة؛ ففي الصين منذ أكثر من 500 عام قبل الميلاد قدّسوا بعض أنواع الأحجار، وفي الهند منذ 800 عام قبل الميلاد ازدهرت تجارة الماس Diamon، والياقوت الأحمرRuby ، كما اهتم الإغريق بتلك الأحجار، وجرى ذكرها فيما كتبه هيرودوت وأفلاطون، ومنها الزمرد والكهرمان والجاسبرJasper ، وفي عام 301 قبل الميلاد ألّف ثيوفراستوس أول مرجع في الأحجار الكريمة وعلم المعادن، أما أول معرض للأحجار الكريمة المشغولة في العالم فقد أقيم عام 85 قبل الميلاد في روما. وخلال تلك الحضارات كانت الأحجار الكريمة تشكّل جانباً مهماً في عالم الزينة والجمال، وكانت رمزاً للغنى والثراء؛ إذ زُيّنت الملابس والأجسام بها، خصوصاً الزمرد واللؤلؤ، وكذلك كانت تُزيّن الأسلحة وعربات الخيل وأدوات المائدة بالذهب المرصّع بالأحجار الكريمة.

أما في العصر الحالي، فإن صناعة الأحجار الكريمة وتجارتها تشكّلان جانباً مهماً من الاقتصاد العالمي، ولم يعُد استخدام تلك الأحجار مقتصراً على الزينة والتجمل، بل أصبحت لها استخدامات واسعة في مجال الصناعة والبحث العلمي.

سرّ انجذاب الإنسان إلى هذه الأحجار

كان لجمال تلك الأحجار وقع خاصّ لدى الإنسان؛ فقد أكسبها صفات ميتافيزيقية، ورسّخت ذلك معتقدات بعض الكهنة الإغريق وتجار الأحجار الكريمة؛ إذ روّجوا لفكرة وجود رابط بين تاريخ ميلاد الشخص وبرجه ونوع معين من الأحجار الكريمة، كما أنهم روّجوا أن كل حجر كريم يؤدي دوراً مهماً في حياة الإنسان على مدار العام، وأن بعض الحجارة يمكنها أن تتسبب بالأذى للآخرين، سواء أكان الأذى جسدياً أم نفسياً أم مادياً، وقد اقتنع بذلك عدد من الأباطرة والحكام؛ فها هي ذي الإمبراطورة أوجيني الفرنسية تتشاءم من حجر الأوبال Opal. ومن المعتقدات الغريبة التي صدّقها عدد كبير من الناس وجود علاقة مجهولة وغريبة بين اسم الإنسان وأسماء الأحجار الكريمة، وأنه لا بد أن يحمل كل شخص الحجر الكريم الذي يناسب اسمه، وكذلك كان هناك اعتقاد بأن بعض تلك الأحجار يمكنها شفاء الإنسان من بعض الأمراض؛ فقد استعملها عدد كبير من الناس، خصوصاً الأغنياء للعلاج من بعض الأمراض، ولاسيما المستعصية منها، ومن أشهر مَن تداوى بها بابا روما كليمنث السابع، الذي كان يسفّ مسحوق بعض الأحجار الكريمة، وأنفق ما قيمته 40 ألف دولار على شرائها من أجل علاجه من مرضه حتى توفِّي عام 1534م.

وهكذا، نُسجت القصص والخرافات حول تلك الأحجار، وجرى إكسابها صفات خيالية تناقلها العامة من دون وجود أيّ دليل علمي يؤكّد صحة تلك الادعاءات، وتنبّه إلى ذلك عدد من المفكرين والعلماء، وكان العلامة أبو الريحان البيروني أول مَن خصّص كتاباً كاملاً لتفنيد تلك المزاعم، ودحض ما نُسج حولها من أوهام وادعاءات وخرافات، وهو كتاب (الجماهر في معرفة الجواهر)، الذي اشتمل على دراسات علمية ووصف دقيق لأكثر من 25 معدناً كريماً. وكذلك العالم أبو العباس التيفاشي في كتابه (أزهار الأفكار في جواهر الأحجار)، الذي عُدّ في حينه مرجعاً مهماً، وظلّ يُدرّس في جامعات أوروبا عقوداً طويلة.

استخراج الأحجار الكريمة وصناعتها

يجمع الباحثون على أن أول الأحجار التي استخرجها الإنسان في العصر الحجري كان الصوان Flint، الذي عُدّ في حينه حجراً ثميناً؛ إذ استخدمه الإنسان الأول في صناعة أدوات خاصة لحمايته من الوحوش والضواري، كما استخدم الصوان في صناعة السكاكين وأدوات الحفر والقطع، وإشعال النيران عن طريق احتكاك حجارة الصوان معاً، وتم استخراج الصوان من أمكنة محددة ذات طابع منجمي. ومع تزايد حاجة الإنسان إلى تلك الصخور طوِّرت طرائق استخراجها وأساليبه ومعداته؛ فصنعت الروافع والبكرات والسلال، واستخدمت طريقة التصديع الحراري للصخور القاسية، فكان يجري إيقاد نار ضخمة تحت تلك الصخور حتى تصبح ساخنة جداً، ثم ترشّ بالماء البارد، فتحدث إجهادات حرارية تؤدي إلى تصدع تلك الصخور.

ومع اكتشاف المعادن والألماس، وتراكم المعرفة العلمية لدى الإنسان، طوِّرت تقنيات خاصة لمعالجة كميات ضخمة من الصخور لاستخراج ما فيها من معادن ونفائس، وظلّت بعض المناطق على الأرض؛ كالهند وسيلان، قروناً طويلةً المصدر الرئيس للألماس والياقوت، حتى اكتشف الألماس في البرازيل عام 1727م، ثم في جنوب إفريقيا عام 1867م، وفي سيبيريا عام 1955م. وواجهت عمليات التنجيم مصاعب جمة؛ إذ تتطلب أحياناً معالجة طن واحد من الصخور لاستخراج نحو نصف قيراط من الألماس، وأحياناً تكون مكامن تلك الأحجار على أعماق سحيقة في باطن الأرض، أو تكون تحت سطح الماء، وهو ما تطلّب تطوير جرافات ومعدات ضخمة لاستخراجها. وتعقب عملية الاستخراج من باطن الأرض سلسلة طويلة من المعالجات؛ كتخليص الأحجار الكريمة من شوائب الصخور المحيطة بها، وفصلها عن غيرها من الأحجار. ويعدّ فصل الألماس بالطرائق الميكانيكية أولى عمليات الفصل التي طوّرها الإنسان، ومن أهمها: طريقة الالتصاق بالشحم، وكشف التفلور بالأشعة السينية، والفرز الضوئي (سورتكس) الذي يعمل على فصل الجواهر الملونة؛ فتتساقط الحجارة المراد فصل الثمين منها من وعاء نحو منبع ضوئي، ويجري التقاط الأشعة المنعكسة من الحجر عن طريق خلايا كهروضوئية مجهزة بمرشحات ومقياس ضوئي وحيد اللون؛ فإذا اكتُشف لون يعود إلى أحد الجواهر يُتفث هواء مضغوط لفصله في وعاء خاص. وتُنقل الأحجار الكريمة بعد ذلك إلى مشاغل خاصة لتقطيعها ونحتها وصقلها؛ لتُكسب تلك الجواهر مظهراً لافتاً. وقد نشأ فن قطع تلك الجواهر ونحتها بمفهومه الحالي في البندقية منذ أواخر العصور الوسطى بعد أن أسّس الهنود لهذا الفن منذ العصور القديمة. وتؤثّر البنية البلورية كثيراً في عملية نحت الحجر، فيراعى التركيب البنائي للحجر، والغرض من عملية النحت، وتعقب ذلك عملية الصقل التي تعمل على إزالة جميع العيوب الموجودة في الحجر؛ ليظهر بكامل بهائه وجماله. وتتطلب عمليات المعالجة السابقة مهارة عالية، كما تُستخدم لتنفيذها حالياً معدات متطورة.

تصنيف الأحجار الكريمة

الأحجار الكريمة خليط من معادن متبلورة، سواء أكانت كاملة التبلور أم ناقصة التبلور. والتبلور Crystallization يكسب الأحجار الكريمة شكلاً ومنظراً جميلين، فتترتب الذرات المختلفة الداخلة في تركيبها ضمن نظام هندسي غالباً ما يتكرر في البلورات. وتعدّ صلابة تلك الحجارة أمراً مهماً جداً؛ إذ يكسبها قيمة عالية، واعتمدت إحدى الطرائق التي وضعت لتصنيف الأحجار الكريمة على مدى صلابتها؛ إذ يجب أن تعادل ما مقداره 7 موس Mohs أو أكثر (الموس: مقياس خاص للصلادة)، علماً أن صلابة الكوارتز Quartz تساوي 7 موس؛ لذلك صُنّفت الأحجار الكريمة إلى صنفين حسب صلابتها، هما:

• الأحجار التي تقلّ صلابتها عن الكوارتز؛ أي: تكون أقل من 7 موس، وتسمى: أحجار الحلي أو الزينة أو أشباه الأحجار الكريمة.

• الأحجار التي تزيد صلابتها على 7 موس، وتسمى: الأحجار الكريمة الأصلية أو الحقيقية.

لكن هذا التصنيف غير دقيق؛ لأنه لم يأخذ في الحسبان الصفات الفيزيائية الأخرى للأحجار؛ كالكثافة، واللون، وانعكاس الضوء، وتمريره، والشفافية، ودرجة اللمعان والبريق.

ومن جهة أخرى، استطاع عدد من الباحثين تصنيف أكثر من 135 حجراً كريماً تستخدم للزينة جواهر وحلياً اعتماداً على تركيبها الكيميائي، فتبيّن أن نصف الأحجار الكريمة سيليكاتية، وخمسها ألومينوسيليكات، وسبعها أكاسيد، ونسبة منها عضوية، وعدد آخر معادن منفردة، ويتّفق كثير من الباحثين على أن الألماس هو أغلى الأحجار الكريمة. كما جرى ابتكار تصنيف آخر للأحجار الكريمة اعتمد على ندرة تلك الأحجار، وهو ما يكسبها قيمة تجارية، فوُضع كلّ من: الألماس، والصفير، والياقوت، والزمرد، في قمة تدرّج الجواهر، بينما تكون الفلزات الشائعة كالكوارتز في نهاية القائمة، وصُنّف كلّ من: المرجان، والعنبر، والأحجار التركيبية والمصنعة، في قسم خاص بها.

ويجمع عدد كبير من الباحثين على تصنيف الأحجار الكريمة الآتية على أنها جواهر نفيسة: الألماس، والياقوت الأحمر، والياقوت الأزرق أو الصفير، والسبينل أو البلخش الذهبي، والكريزوبيريل (عين الهر والألكساندريت) والفيروز، والأوبال، والتورمالين (الأكروايت العديم اللون، والإنديكولايت الأزرق، والروبيدايت الأحمر)، والطوباز، والزبرجد، كما صُنفت الأحجار الآتية على أنها شبه كريمة: الجارنيت، واللازورد، والفلسبار، والجاد، والكوارتز، والجشمت، والسترين، والعقيق، واليشب، وغيرها من الأحجار. لكن على الرغم من هذا التصنيف إلا أنه في كثير من الأحيان يتعذّر تصنيف بعض أنواع الأحجار بوصفها كريمة أو شبه كريمة، كما يوجد تداخل بين أحجار القائمتين؛ فلكلّ حجر سوق في عالم الحلي والمجوهرات، إضافةً إلى اكتشاف أنواع جديدة من الأحجار قابلة للصقل والتشكيل ذات ألوان متميزة تُضاف إلى قوائم هذه الأحجار.

تحديد هوية الحجر الكريم

للأحجار الكريمة والجواهر عدد كبير من الصفات التي يجب مراعاتها عند الكشف عن أيّ حجر لتعرّف نوعه وتقييمه؛ فالفحص بواسطة العدسة المكبرة ليس كافياً، بل لا بد من تطبيق عدد من الاختبارات عليه من دون أن يصاب الحجر بالتلف، وهو ما يختلف عن الفحوصات التي تُجرى على المعادن؛ إذ يمكن فصل قطعة من المعدن أو الفلز وإجراء التحاليل اللازمة عليها. ومن الصفات المهمة التي يجب أخذها في الحسبان: اللون، والصلابة، والكثافة، والتبلور، ومعاملات الانكسار والانعكاس للضوء، والشفافية، والقوى الداخلية التي تحافظ على تماسك الحجر، واللمعان، وتوهّج الحجر، وخاصية امتصاص الضوء، وخاصية تركيز الضوء. ويُطبق في العادة عدد من الاختبارات على تلك الحجارة، سواء بواسطة الميكروسكوب الذي يكشف عن مدى تجانس الحجر الكريم، والشكل البلوري العام له، أم بواسطة عدد آخر من المعدات والأجهزة المتطورة الموجودة في مخابر الجواهر والأحجار الكريمة؛ فالمجهر يمكّن الخبير من تعرّف العيوب الموجودة في الحجر، كما تُحدّد الخواص الضوئية بواسطة المجهر الاستقطابي، ويُستخدم لتدرّج الألوان مجهر التلون أو مكبرة هيدينجر، ويُستخدم جهاز الداي سكوب لتحديد قدرة الحجر على تركيز الضوء أو تفريقه، كما توجد معدات لقياس الزوايا ومقدارها في التركيب البلوري، ومعدات أخرى لتحديد الكثافة والبريق والقساوة، وتستخدم الأشعة السينية لتعرّف البنية البلورية الداخلية. ويعطي الخبراء أهمية خاصة لاختبار حيود الأشعة السينية، الذي يكشف عن هوية الحجر المراد فحصه؛ إذ يتمّ تعرّف مخطط الحيود للحجر، ومطابقته مع قيم المخططات التي يجري نشرها بشكل دوري من المنظمات العالمية المتخصصة في عالم الجواهر والأحجار الكريمة.

ولتحديد الصيغة الكيميائية للفلز المراد فحصه، تستخدم طرائق التحليل بالتنشيط النيتروني، وطرائق الفلورة بالأشعة السينية. ويستخدم التحليل الطيفي لتحديد لون الحجر أو الجوهر، وقد اعتُمدت هذه الطريقة منذ عام 1866م، وهي من التقنيات السريعة وغير المخرّبة للحجر. ويمكن كذلك قياس طيف امتصاص الحجر الخام، وطيف امتصاص حجر منحوت، والبلورات الزجاجية، والفلزات المعتمة، والفلزات الشفافة. وتمكّن هذه القياسات الخبراء من التمييز بين الجوهر الثمين والمقلّد، كما تمكّنهم من الكشف عن هوية بعض الأحجار الكريمة التي يصعب تعرّفها للتشابه الكبير بينها.

اختلاف ألوان الأحجار الكريمة

يعتمد لون أيّ فلز على قدرته على امتصاص بعض أطوال موجات الضوء المرئي، والأطوال غير الممتصة هي التي تعطي اللون الذي يمكن مشاهدته؛ فالفلزات القاتمة تمتصّ جانباً كبيراً من الأشعة تقريباً، واختلاف ألوان الأحجار الكريمة يرجع إلى وجود كميات قليلة من بعض المعادن في تركيبها البلوري؛ مثل: الحديد، والكوبالت، والنحاس، والسيريوم، واللانثانوم، وغيرها من العناصر التي تعمل على تعديل طيف امتصاص الفلزات؛ فبعض الزمر الكيميائية تعطي ألواناً ثابتة؛ فمثلاً: النحاس يعطي فلزات ذات لون أزرق أو أخضر، والحديد يعطي فلزات حمراء تزداد قتامتها وصولاً إلى اللون الأسود كلما زادت نسبته، وفلزات اليورانيوم تعطي في الأغلب اللون الأصفر المخضرّ. كما أن وجود آثار من الكروم يعطي لوناً أحمر للكوراندوم Corundum، وتجعل منه ياقوتاً، بينما آثار من التيتانيوم تلوّن الفلز نفسه بالأزرق، وتجعل منه صفيراً Sapphire أو ياقوتاً أزرق، وكذلك فإن الكروم يلون البريل باللون الأخضر، وهو ما يعطي حجر الزمرد.

في الواقع، كثير من الأحجار الكريمة تتميّز بألوانها المتعددة؛ فهي لا تكون ذات لون واحد، بل تكون منقّطة، وموشّحة بألوان متعددة، أو على صورة خطوط متباينة من اللون نفسه أو ألوان أخرى، كما يمكن أن يحتوي الحجر على تموجات لعدد من الألوان، وهذا التناغم في ألوان هذه الأحجار يكسبها قيمة جمالية عالية، ويؤدي دوراً مهماً في تحديد سعرها. ويمكن في كثير من الأحيان التحكم في لون الحجر الكريم؛ فمن خلال القطع المدروس والصقل المحسوب له يجري تحسين اللون واللمعان، وإظهار الصفات الجمالية للحجر، ويصبح لونه منتشراً في أجزائه كافةً، وليس محصوراً في مكان واحد. وكذلك يمكن تغيير لون الحجر الكريم عن طريق تسخينه وتعريضه للحرارة في بوتقات خاصة بشكل غير مباشر؛ فمثلاً: الزركون البني اللون يتحول إلى اللون الأزرق الماسي إذا سُخّن ست ساعات داخل فرن يحتوي على بخار الفروسيانور، وإذا سُخّن بوجود الأوكسجين يتحول إلى عديم اللون، أو إلى اللون الأصفر الذهبي، وأحياناً إلى اللون الأحمر، ومعدن الأميثيست البنفسجي يتحول بالتسخين إلى معدن سينزين الأصفر، أو إلى الطوباز البني المصفرّ، والأميثيست البرازيلي أو روبريتو يتحول بالتسخين إلى اللون الوردي. ويمكن أيضاً تعديل ألوان بعض الأحجار الكريمة وتغييرها عند تعريضها لبعض أنواع الأشعة؛ كأشعة إكس وأشعة الراديوم، أو عن طريق بعض المعالجات الكيميائية؛ كغمسها في السكر بعض الوقت ثم غمسها في حامض الكبريتيك المركز. وهناك طرائق كثيرة تتعذّر معرفتنا لها؛ لأنها أحد الأسرار التجارية التي يحجم العاملون في هذا المجال عن الكشف عنها.

أحجار كريمة صناعية

سعى الكيميائيون (الخيميائيون) منذ العصور الوسطى إلى إنتاج أحجار ثمينة بطريقة صناعية عن طريق استخدام صهارات شظايا أحجار طبيعية لبناء بلورات كبيرة، وفي عام 1891م تمكّن الفرنسي أ. فرنوي من صنع الكوراندوم (الياقوت الأحمر) التركيبي من مسحوق ناعم من أوكسيد الألمنيوم جرى تعريضه للهب ذي درجة حرارة كافية لصهره، فتشكّلت بلورات الكوراندوم، التي أضاف إليها آثاراً من أكسيد الكروم، وفي عام 1902م استطاع كيميائيون ألمان إنتاج الياقوت الأحمر والياقوت الأزرق (الصفير) بكميات كبيرة وتجارية وفق الطريقة السابقة التي صُهر بها أكسيد الألمنيوم بلهب الأكسهيدروجين، وأدى ذلك إلى انخفاض حادّ في أسعار الياقوت، ويجري حالياً في ألمانيا إنتاج نحو ثلاثين مليون قيراط سنوياً من الياقوت الصناعي لأغراض الزينة والحلي والصناعة. وفي عام 1918م اكتشف أ. زوشرلسكي طريقة نمو بلورة بشكل مباشر في حوض صهارة؛ إذ استطاع إنتاج بلورات من الكوراندوم يصل طولها إلى 60سم بنقاء عال، كما أصبح ممكناً إنتاج الكوارتز التركيبي بطريقة صناعية بعد تطوير طريقة النمو البلوري بالوسيلة المائية الحرارية. أما إنتاج الزمرد، فقد جرت محاولات كثيرة لإنتاجه منذ عام 1848م، لكن لم يكتب لها النجاح، وفي عام 1935م تمكّن هـ. إسبيغ من إنتاج نوعية جيده من الزمرد، واحتفظ بسر إنتاجه طوال 30 عاماً، فتبيّن لاحقاً أنه قام باستخدام موليبدات الليثيوم الحاوية على أوكسيد البريليوم والألمنيوم على شكل محلول في بوتقة من البلاتين وضع فيها صفيحة من السيليس، وتحتها منخل من البلاتين، وعُرّضت هذه المجموعة لحرارة ثابتة تبلغ 800 درجة سلزيوس، وخلال بضعة أشهر نمت بلورات الزمرد.

أما صناعة الألماس، فقد نجح مختبر تابع لشركة جنرال إلكتريك عام 1970م في إنتاج أول ألماسات لا تتجاوز 1 قيراط؛ إذ استخدم الجرافيت الذي تمّ تعريضه لضغط يصل إلى 100 ألف ضغط جوي، وحرارة تبلغ 2760 درجة سلزيوس بوجود عامل مساعد كالنيكل، وكذلك نجح الباحثون في إنتاج الروتايل عام 1948م بعد أن ثبتت ندرة هذا الحجر في الطبيعة. والروتايل هو ثاني أكسيد التيتانيوم، ويجري إنتاجه مخبرياً بواسطة طريقة النمو البلوري بالصهر، ويراوح لونه بين الأصفر الفاتح والأصفر الغامق والبرتقالي والأحمر والأزرق حسب نوع الشوائب الموجودة فيه، ويعدّ من أكثر أنواع الأحجار الكريمة الطبيعية والصناعية جمالاً وروعةً.

الاستخدامات الصناعية للأحجار الكريمة

استُخدمت الأحجار الكريمة منذ أقدم العصور في كثير من مناحي حياة الإنسان، إلى جانب استخدامها جواهر وحلياً للزينة؛ فخلال سنوات طويلة خلت استخدم الكوارتز لصناعة الأسلحة، كما جرت تكسية رؤوس الرماح والفؤوس بالحجارة الصلبة التي عثر عليها الإنسان الأول، وكان منها عدد من الحجارة الكريمة؛ مثل: الجاد (اليشب)، والزويسايت، كما صنعت بعض الأواني القديمة من السربنتين والستيتايت، واستعمل الكوارتز لصناعة أحجار الجلخ والتنعيم والصقل، كما وجد أنه قبل الميلاد بمئات السنين صنعت بعض العدسات من المعادن الشفافة؛ مثل: الكالسايت، والكوارتز الشفاف، والفلورايت، كما استخدم بحارة الفايكنج بلورات الكورديرايت لمعرفة الجهات الأصلية في المناطق القطبية بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين.

ويمكن القول: إن الألماس من أهم الأحجار الكريمة التي استعملت في الصناعة بنسبة تعادل 85% من مجمل قيم الأحجار الكريمة الأخرى؛ إذ إن 75% من كمية الألماس المستخرجة في العالم تُستعمل في الصناعة؛ بسبب خواصّه المتميزة من ناحية صلابته، وقوة تحمّله، ومقاومته للانفلاق والانشطار والانكسار. وللألماس أنواع متعددة، أهمها: الألماس الصناعي، وألماس بورت، وألماس كاربونادو أو الألماس الأسود، وكرات الألماس التي تُعرف باسم: كرات بورت، وأحجار ألماس الجواهر، وهي قابلة للقطع والصقل وتُستخدم في صناعة الحلي والمجوهرات. أما الأنواع الأخرى فهي على شكل كسر أو مسحوق ألماس، ويستخدم ربع الألماس المستخدم في الصناعة في تغطية رؤوس أجهزة حفر آبار النفط، وآبار المياه، وآبار الفحص الجيولوجي؛ من أجل زيادة صلابة عجلات الحفر. كما يستخدم الألماس في تصليب وتقسية شفرات مناشير الجرانيت والرخام، وفي تغطية حجارة الجلخ والصقل وأدوات قصّ الزجاج، وتقسية أسلاك قطع السيراميك، وتقسية فوهات الحارقات الصناعية والمنزلية وقوالب السكب.

أما مسحوق الألماس، فيعدّ من أكفأ وأجود أنواع مواد الطحن والتنعيم التي عرفها الإنسان، كما يستعمل في صناعة بعض أنواع العدسات الطبية، وشمعات احتراق المحركات، ويستخدم في صناعة الزجاج الأمامي للسيارات والمركبات، وفي صناعة الأسنان والعظام الصناعية التي تُزرع في أجسام المرضى بدلاً من العظام الطبيعية التي أصابها التلف.

أما الصفير والياقوت، فيستخدمان على نطاق واسع في صناعة الجواهر، وأجهزة المساحة، وبفضل الياقوت تمكّن الإنسان من توليد أشعة الليزر؛ إذ استخدمه لتركيز أشعة الضوء. كما يستخدم الكورندوم والفلدسبار والعقيق والطوباز والكوارتز مواد كاشطة وحاكة، ويجري تثبيت بعضها على الورق والقماش لصناعة ورق القزاز، أو ورق الزجاج، كما تثبت على أحجار الجلخ والقطع والقص والصقل والتنعيم، ويُخلط مع مواد أخرى كمركبات الباريوم والسترونشيوم لصناعة رؤوس إبر الحاكي، وإنتاج زجاج نوافذ الأفران.

وتستخدم بلورات الكوارتز في صناعة العدسات الضوئية، وآلات التصوير والمجاهر، ومعظم أجهزة قياس الضوء؛ من أجل التكبير والتصغير؛ كالعدسات، ومتوازيات المستطيلات والمنشورات، كما يدخل الكوارتز في صناعة صفائح الكريستال في الراديو، والساعات، وأجهزة التلفاز، ويستعمل اللازورد مادة للتلوين باللون الأزرق لرسم اللوحات الفنية، أما الفلورايت فيستعمل بكثرة في أجهزة فحص النظر وقياسه وضبطه، وفي صناعة العدسات الطبية، والمنشورات، والعدسات التي تستخدم في أجهزة السبيكتروجراف، وأجهزة التصوير بأشعة إكس.

المراجع:

(1) الأحجار الكريمة في الفن والتاريخ، عبدالرحمن زكي، المؤسسة المصرية العامة، دار القلم، 1964م، القاهر، مصر.

(2) الأحجار الكريمة بين العلم القديم والحديث، حسام حسن وهبة، 2009م، رشاد برس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ، لبنان.

(3) الجواهر والأحجار الكريمة، خالد خيري الشمالي، 2000م، دار الضياء للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

(4) الجواهر والأحجار الكريمة، ياروسلاف بور وفلاديمير بوسكا، ترجمة: ميشيل خوري، الطبعة الثالثة، 1998م، طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، سوريا.

(5) الأحجار الكريمة، أحمد محمد صبري وأحمد محمود داود، 1984م، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت.

(6) الأحجار الكريمة، دور لنغ كندرسلي، 2002م، مكتبة لبنان، لبنان.

(7) الأحجار الكريمة بين الفن والصناعة، سمير أحمد عوض، مجلة الحرس الوطني، العدد 166.

(8) الأحجار الكريمة والاستثمار فيها، جودت البرغوثي، مجلة الاقتصاد المعاصر، العدد 7.

(9) ماذا تعرف عن الأحجار الكريمة؟، شوكت أبو فخر، مجلة المعلومات، العدد 48.

(10) قصة علم الجيولوجيا، درويش مصطفى الفار، مجلة تراث، العدد 33.

(11) Gems and Gem Materials, Krays and Slowson, New York and London,1947.

(12) Gem stones of the world, Walter schumann. London, 1994.

(13) http://en.wikipedia.org.

(14) http://www.gemstone.org/.

(15) http://www.galleries.com/Gemstones.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *