د. محمد نورين بن أحمد الأهدل - أستاذ الأحياء الدقيقة والمناعة والتقنية الحيوية، واستشاري علم المناعة

أمراض الجهاز التنفسي الفيروسية المُعدية

احتقن بلعومه وأنفه وعطس وسعل، ثم شَعُر برعشة برد خفيفة، وبدأ يفكر: ماذا لديّ؟ ولِمَ أحسُّ بالإرهاق والكسل؟. كان عاقلاً فارتأى أن يذهب إلى الطبيب، وبعد الفحص قال له الطبيب: إنّ لديه التهاباً فيروسياً في الجهاز التنفسي العلوي.

فيروسات والتهابات

استرسل الطبيب في الحديث، وقال: هناك بعض الميكروبات التي لا تُرى إلا بمجهر إلكتروني تسمّى: الفيروسات، وهي تغزو خلايا جميع المخلوقات، وعند البشر يمكنها أن تتكاثر في خلايا أجهزة كثيرة في الجسم، منها الجهاز التنفسي لدى الإنسان، وتظهر هذه الأعراض عند الصغار والكبار، خصوصاً في فصل الشتاء، ومنها ما يصيب أعلى الجهاز، ومنها ما يصيب أسفله، ومنها ما يصيب كليهما، ومنها ما قد يسبب مرضاً شديداً، ومنها ما يتسبّب في مرضٍ خفيف، وتصنَّف على أسس مختلفة، الشائع منها هو مكان الالتهاب في الجهاز التنفسي كما يظهر سريرياً؛ فهناك التهابات الأذن الوسطى، والجيوب الأنفية، واللوزتين، والبلعوم، والحنجرة، والقصبات الهوائية، والشعب الهوائية، وذات الرئة. ومع أن هناك مرضين معروفين؛ أولهما خفيف، والثاني شديد، هما: الزكام، والإنفلونزا (ويخلط الناس بينهما قليلاً؛ إذ تتشابه الأعراض في البداية)، إضافةً إلي مرض الخُنّاق، إلا أن مسبّبات هذه الالتهابات من الفيروسات كثيرة، بعضها متخصّص في موقع معيّن، وبعضها أقلّ تخصصاً في مناطق العضو البشري؛ فمثلاً: نجد أن الفيروس التنفسي المخلوي RSV يفضّل أن يغزو الشعيبات الهوائية، لكن هناك فيروسات أخرى يمكنها أن تغزوها، مثل: فيروسات الإنفلونزا، والبارا إنفلونزا، والأدينو، والراينو. وفي بعض الأحيان، خصوصاً في فصل الشتاء، تظهر بعض الأعراض المرضية على كثير من الناس صغاراً وكباراً، وفي القنوات التنفسية خاصةً، ولا يستطيع الطبيب تحديد نوعية المسبب على وجه الدقة عندما يراجعه المريض؛ لأن الحالة قد لا يكون سببها جرثومة معروفة يتم عزلها، وتعرّفها بسهولة، وقد جرت العادة أن يُقال: إن المسبب هو فيروس؛ لأن الفيروسات هي من بين الأحياء المجهرية أو الجراثيم التي ليس من السهولة الكشف عنها، وتعرّفها بالتحديد.

صعوبة تعرّف الفيروسات

هناك كثير من الأسباب التي تجعل تعرّف الفيروسات مهمة ليست من السهولة واليسر بمكانٍ، ولعلّ من أهمها أن الفيروسات، ومن بينها تلك التي تسبّب أمراضاً في قنوات التنفس خاصةً، يحدث فيها تغيرات كبيرة في تكوينها الوراثي، وهو ما يغيّر من خصائصها التركيبية والمناعية، ويؤثّر في الفحص عنها وتحديد هويتها والوقاية منها، إضافةً إلي علاجها. وكذلك فإن الفيروسات عامة تحتاج الى طرائق ذات تكاليف عالية لتعرّفها؛ لذلك فإن الحاجة الملحة إلى تعرّفها قد تكون في حالة إذا كان الطبيب يعتقد أن هناك فرصة لعلاجها، أو أن حالة المريض تحتاج إلى ذلك؛ كأن تكون لديه أمراض أخرى مزمنة، وهو ما يجعل تعرّف الفيروسات عملية صعبة ومكلّفة؛ لأنها تحتاج إلى مزارع خلوية لكي يمكن تنمية بعض أنواعها في المختبر، أو إلى اختبارات متقدمة للفحص عن وجود مورّثاتها، أو العناصر التي تنتج مناعياً نتيجة غزوها الجسم، وإذا أخذنا في الحسبان أنها -كما ذكرنا آنفاً- تغيّر من شكلها وتركيبها الكيميائي بدرجاتٍ متفاوتة فإنه يتّضح لنا مدى صعوبة تعرّف الفيروس سريرياً، إضافةً الى العدد المحدود جداً من الأدويه المضادة للفيروسات، بعكس الأمراض المعدية الأخرى التي توجد لها عقاقير كثيرة، مثل: المضادات الحيوية المختلفة للبكتيريا. والسبب في محدودية عدد مضادات الفيروسات هو أنها تتكاثر داخل خلايا الجسم البشري، وليس بينها كأغلبية الجراثيم، وعندما تتكاثر داخل خلايا الجسم فإنه ليس لها آليتها الخاصة بها للتكاثر، بل تعتمد اعتماداً كلياً على آلية الخلية التي تغزوها؛ لذلك فإن أيّ مضاد لتكاثر الفيروس يؤثّر سلباً في آلية أيض جميع الخلايا، سواء كانت موبوءة بالفيروس أم سليمة، وجميع مضادات الفيروسات المرخّص باستعمالها حالياً عددها محدود جداً، وتستخدم لعدد محدود من الفيروسات، ولها تأثيرات جانبية في الجسم تختلف شدتها من عقار إلى آخر؛ لذلك فإن استعمالها لا يجب أن يكون إلا في حالات الضرورة القصوى لكيلا يتأثر المريض، ولكيلا تُعطى الفيروسات فرصة أن تدافع عن نفسها بغريزة حب البقاء بتغيير محتوياتها كما ذكرنا سابقاً، ومقاومة هذه العقاقير المحدودة العدد والتأثير.

طرائق كثيرة لانتشار الأمراض الفيروسية

مواقع الالتهابات في مناطق الجهاز التنفسي البشري

لا يعتمد انتشار الأمراض الفيروسية التى تسهل العدوى بها عن طريق الأجهزة التنفسية للبشر على الموقع الجغرافي، بل على طبيعة المقام سكناً كان أم مكان عمل، وكذلك على الاهتمام بالنظافة الشخصية والصحة العامة؛ فالأمكنة العامة، أو الغرف المكتظة بالأشخاص، تنتقل العدوى فيها بشكل أكبر وأسرع، وعدم غسل اليد، أو عدم استخدام المناديل الورقية مرة واحدة مثلاً، يجعل كثيراً من الأشياء التى تُلمس بؤراً لوجود الفيروسات؛ كالمصافحة، ولمس مقابض الأبواب، وعدم تغطية الأنف والفم بالمناديل الورقية عند السعال أو العطاس يجعل الرذاذ المحمل بالفيروس ينتشر في مساحة أكبر، ويسقط على الأسطح المختلفة، فتسهل بذلك العدوى، وعدم النظافة الصحية والسعة المساحية في المرافق العامة يسهل انتشار الأمراض الفيروسية؛ لذلك فإن أي موقع، سواء أكان قرية أم مدينة، يقلّ فيه علم الناس بهذه البديهيات والضروريات كما نصّ عليها ديننا الحنيف فإنه يكون عرضة لانتشار الأمراض المُعدية، خصوصاً الفيروسية منها، التي تنتقل بالطرائق المعتادة اجتماعياً (مثل المعانقة عند اللقاء) التي لا يعيرها بعض الناس اهتماماً.

تشمل الأمراض الفيروسية الشائعة التي تصيب الجهاز التنفسي التهابات البلعوم، والحنجرة، والشعب والقصبات الهوائية، وذات الرئة، إضافةً إلى التهابات الأذن الوسطى، والجيوب الأنفية، واللوزتين. وقد تسبب هذه الفيروسات، أو بعضها على الأقل، أمراضاً شديدة تستوجب العناية المركزّة، خصوصاً عند الأطفال، وتفرض عبئاً مادياً ومعنوياً كبيراً في جميع أنحاء العالم.

الفيروسات الشائعة التي تسبّب التهابات الأجهزة التنفسية

م

الفيروس

الأمراض الناتجة من غزو الفيروس

1

الفيروسات الأنفية (الراينو) Rhinoviruses

الزكام Common Colds، والتهاب الشعب الهوائية Bronchiolitis، وذات الرئة Pneumonia

2

الفيروسات التاجية (الكورونا)  Coronaviruses

الزكام، وذات الرئة

3

فيروسات الإنفلونزا Influenza Viruses

ذات الرئة، والخُنّاق Croup، والتهاب الشعب الهوائية، والتهاب القصبات الهوائية، والزكام

4

فيروسات البارا إنفلونزا Parainfluenza Viruses

الخُنّاق، والتهاب الشعب الهوائية، والتهاب القصبات الهوائية، والزكام، وذات الرئة

5

الفيروس التنفسي المخلوي Respiratory Cyncytial Virus (RSV)

التهاب الشعب الهوائية، والتهاب القصبات الهوائية، والزكام، والخُنّاق

6

فيروسات الأدينو Adenoviruses

الزكام، والتهاب الحنجرة، وذات الرئة

7

فيروسات الباطنة الأخرى Enteroviruses (others)

التهاب الشعب الهوائية، وذات الرئة

8

فيروسات التهاب الرئة المتخالفة Metapneumoviruses

التهاب الشعب الهوائية الحادّ، وذات الرئة

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *