زاهر الحاج حسين - وائل العلواني - استشاري تقنية معلومات متخصّص في مجال تحليل الأعمال والأنظمة ومشروعات التحول الرقمي

إدارة البيانات في عصر التحول الوطني

كنّا نصف عصرنا الحالي بأنه عصر السرعة، لكن من الواضح أننا تجاوزنا ذلك؛ فنحن نعيش اليوم في عصر مضطرب يتسارع بشكل محموم، وتتشابك فيه العوامل والمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، مدعومةً بالانفجار المعرفي، والتطور التقني، ووجود عوالم افتراضية موازية. نحن نشهد ونعيش نشوء أنماط حياة ومنظومات عمل جديدة لم يعهدها الانسان من قبل عبر التاريخ. ويحاول كثيرون توصيف ما يحدث في عالمنا اليوم؛ فبعضنا يتحدث عن إعادة رسم حدود دول ونظام عالمي جديد، وبعضنا الآخر يبشّر بقرب انهيار النظام الرأسمالي. وأياً كانت التوصيفات فإنها تتقاطع في أن عالمنا يمرّ بحالة تغيير شاملة تطول الجميع: الدول، والشركات، والأفراد، وأن كلّ ما عرفناه في السابق ستهبّ عليه رياح التغيير لا محالة

ما الذي يحدث إذاً؟

يصف السياسي الأمريكي ريتشارد هاس -رئيس مركز العلاقات الخارجية الأمريكي- عصرنا بأنه (عصر اللاقطبية)، الذي يعبّر عن المرحلة التي تلت عصر القطبين (الحرب الباردة)، وعصر القطب الواحد(1)، ويصرّ على وصفه بـ(عصر اللاقطبية)، وليس (متعدّد الأقطاب)؛ لأن الفاعلين ممن يمتلكون أدوات السلطة والقوة والمعرفة ليسوا من طبيعة واحدة (الدول الحديثة، وكيانات خارج الدولة، وجماعات الضغط، والمؤثّرون في الشبكات الاجتماعية)، وهو ما جعل أشكال السيطرة والتدافع والتنافس التقليدية غير فعالة في المنظومات الاقتصادية والسياسية وغيرها. يتحرك العالم اللاقطبي وفق نماذج شبكية تجاوزت الترتيبات الهرمية التقليدية، وهي نماذج من التعقيد بمكانٍ تصعب معه إدارتها أو ضبطها، ويكون التعامل الأمثل من خلالها هو تطبيق أكبر قدر من المرونة، وتعظيم المكاسب، وتقليل الخسائر.

ما علاقتنا بكلّ ذلك؟

ألقت التغيرات العالمية بظلالها على المنظومات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في بلداننا بشكل أحدث تغيرات عمودية وأفقية، ووضعتنا أمام مجموعة من التحديات، وقد تنبّهت المملكة العربية السعودية مبكّراً إلى هذه التحديات، فقامت بترجمة تحرّكاتها ضمن عدة برامج وخطط، لعل أحدثها (رؤية المملكة 2030) عام 2016م.

التحول الوطني والجدران الصماء

يقول المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد تونبي: «لا شيء يخفق كالنجاح»، ويقصد بذلك أن الحلول التي نجحت سابقاً مع مشكلات الماضي ستخفق إخفاقاً مدوياً في علاج تحديات اليوم، وهذه هي الحقيقة الأولى التي يجب أن نعتنقها بداهةً قبل المضي قدماً في سبر الحلول الممكنة، خصوصاً مع تحديات عصرنا الحالي.

لم يكن تعريف الحلول هو التحدي الأكبر في المرحلة السابقة؛ فقد جرى تحديد كثير من الحلول الواردة في الخطط الإستراتيجية على مستوى المملكة في جميع المجالات وتفعيلها (خطة التحول الإلكتروني، وخطة التحول لاقتصاد المعرفة، والخطط الخمسية المتتالية، والخطة الوطنية للعلوم والتقنية، وغيرها)، وأتت هذه الخطط أُكلها إلى حدٍّ معقول. وإنما كان التحدي الأكبر هو أن هذه الخطط اتّسمت عادةً بالنظرة الأحادية؛ فقد جرت العادة أن تكون كل خطة إستراتيجية من اختصاص جهة حكومية واحدة (وزارة، أو هيئة، أو مصلحة، أو برنامج، أو غيرها)، من دون فهم أو دراسة أو تحليل العلاقات والتفاعلات والاعتماديات بين هذه الخطط المختلفة على المستوى الوطني.

هذا الأمر مفهوم؛ لأن مقتضيات المرحلة السابقة ومستوى النضج آنذاك كانا يستلزمان النظر إلى المشكلات بشكل محلي اختصاصي ضيق؛ فتحديات التعليم هي من مسؤولية وزارة التعليم، وتحديات الصحة هي من مسؤولية وزارة الصحة، وهكذا. وسادت هذه النظرة التقليدية للتحديات المحلية طوال العقود السابقة، ليس على مستوى المملكة فحسب، بل في عدد من دول العالم، لكنها اليوم ستكون الطريقة الأكيدة نحو الإخفاق للأسباب التي فرضها واقعنا اليوم.

معظم هذه التحديات في عصرنا الحالي ذات طبيعة عالمية وإقليمية، وتستدعي استجابة وطنية واعية ومتأنية، وهو ما ظهر جلياً في الإطلاق الجسور لرؤية المملكة 2030 عام 2016م، وما تجسّد قبلها من إنشاء مجلسين وطنيين بالغي الأهمية، هما: مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي، ومجلس الشؤون السياسية والأمنية السعودي، وكذلك في (خطة النمو الشاملة للمملكة العربية السعودية)(2) المقدمة في مجموعة العشرين G20. ويمثّل إنشاء هذه المجالس تجسيداً فعلياً لمبدأ يجب أن يصبغ جميع خطوات المرحلة المقبلة، وهو «تجاوز التفكير المحلي العمودي في معالجة القضايا الوطنية إلى تناولها بشكل أفقي وطني شامل عابر للمؤسساتCross-Organizational». وتوافقت الاستجابة الوطنية، وما تلاها من تحرّكات، مع ما طرحه عدد من التقارير، أهمها تقرير ماكينزي McKinsey (المملكة العربية السعودية ما بعد النفط)(3)، من أن المرحلة المقبلة في المملكة يجب أن تتسم بتنويع الاقتصاد وموارد الدخل، وتفعيل دور القطاع الخاص عبر الشراكة والخصخصة والاستثمار، ودعم الموارد البشرية والتوظيف. باختصار، رؤية المملكة 2030 ستكون المظلة التي ستنضوي تحتها جميع خطط التحول والخطط الإستراتيجية والبرامج الوطنية لتتمازج وتتناغم فيما بينها محققةً أهدافاً وطنيةً مشتركةً. لكن، كيف يمكن أن يتحقق هذا عملياً؟ وكيف يمكن للجهات والشركات الوطنية أن تكون جزءاً من هذا الحراك الوطني؟

الطريق أمامنا: زمن جديد.. عقل جديد

يحتّم إدراكنا أهمية النظرة الوطنية الشاملة للمشكلات والتحديات، في مقابل النظرة المؤسساتية التخصصية، أهمية التوقف قليلاً عند آليات تنفيذ الخطط والحلول؛ لأن علة العلل في آليات التنفيذ الحالية هي أنها لا تتوافق مع مقتضيات العصر الحالي اللاقطبي والشبكي؛ فمهما كانت الخطط الإستراتيجية محكمة فمن الصعب جداً تحقيق النتائج المرجوة باستحضار الآليات التقليدية.

ويحتّم علينا الانطلاق من النظرة الوطنية الشاملة للمشكلات والتحديات الوطنية تصميم وتبنّي آليات حديثة تتصف بالرشاقة Agility، والأداء، والشفافية، والتعاونية؛ فعندما نتحدث عن الرشاقة Agility فإننا عندئذٍ نتحدث عن مدى سرعة الاستجابة للمتغيرات المحيطة والمتغيرات الداخلية، ونتحدث عن اليقظة لما يحدث في العالم، وعن المرونة في الاستجابة لهذه الأحداث، وربما استباقها، وقد استهلكت هذه السمة -للأسف- كثيراً في السوق المحلي، وهي تخبئ وراءها عقليات وآليات تنفيذ مترهّلة؛ لذلك يتوجّب إعادة الاهتمام إلى هذه الخاصية، والإلمام بجوانبها بوصفها جزءاً من تطبيقها. وعندما نتحدث عن الأداء فإننا نتحدث عن مدى سرعة الاستجابة لمتطلبات العمل اليومي، ونتحدث هنا عن الكفاءة والإنتاجية، ونتحدث عن البناء على الخبرات والجدارات، بدلاً من الألقاب والأسماء. وعندما نتحدث عن الشفافية فإننا نتحدث عن مستوى الثقة بين جميع الأطراف عبر مشاركة المعلومات المهمة. وكما أشرنا فإن العالم اللاقطبي يتدافع فيه لاعبون من طبائع وكيانات غير متجانسة؛ لذلك يتوجب الاعتراف بوجودهم والتعامل معهم. وعندما نتحدث عن التعاونية فإننا نتحدث عن الكفاءة والتفاعلية الشبكية بين الجهات المختلفة بعضها بعضاً، ونتحدث هنا عن تجاوز بيروقراطية الهرميات الإدارية الخانقة إلى بساطة ومرونة الشبكات الاجتماعية. هذه هي (رباعية التحول)، ومن دونها ستكون آليات التنفيذ مبتورةً وعاجزةً، وإعادة إنتاج لما أخفق سابقاً.

تتغلغل سمات (رباعية التحول) في جوانب آليات الحلول بأنواعها التقنية والقانونية والتشريعية والإجرائية والتنظيمية والاجتماعية والاقتصادية؛ فعلى سبيل المثال: شدّدت (خطة النمو الشاملة للمملكة العربية السعودية) المقدمة في مجموعة العشرين G20 على أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص PPP هي من آليات الحلول الرئيسة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية الوطنية، خصوصاً في قطاعات: التعليم، والصحة، والتنمية الاجتماعية. وتتّضح هنا أهمية أن تشمل (رباعية التحول) جوانب هذه الآلية.

ويعدّ جانب تقنية المعلومات أحد أهم جوانب آليات تنفيذ الحلول؛ فقد عدّ مدةً طويلةً الممكّن الرئيس Enabler لتنفيذها، لكن طبيعة عصرنا الحالي أثّرت في هذا الموضوع أيضاً؛ فلم يعُد الحديث اليوم عن دور تقنية المعلومات بوصفها ممكّناً فحسب كما كان يُنظر إليها، بل بوصفها واحدةً من دوافع التغيير Drivers؛ فالتقنيات الحديثة التي تُوصف بـ(تقنيات الاضطراب Disruptive Technologies) خلقت اليوم استخدامات جديدة لم يكن تخيّلها ممكناً. وفي السابق، كان الجدال الدائم بين عالم الأعمال وعالم تقنية المعلومات هو حول (مَن يقود مَن؟)، فظهرت بعد ذلك العبارة التأكيدية التي أصبحت تطلّ برأسها في كلّ مناسبة (عالم الأعمال هو مَن يقود تقنية المعلومات). لكن مع التطورات التقنية الحديثة في مجال البيانات الهائلة Big Data، والحوسبة السحابية، وتحليلات الأعمال Business Analytics، والحوسبة المتنقلة Mobility، وشبكات التواصل الاجتماعي، ظهرت سيناريوهات جديدة لاستخدام التكنولوجيا، وهي سيناريوهات لم يتم إملاؤها من عالم الأعمال أصلاً، بل جاءت من رحم الإبداع التقني؛ لذلك فإن النموذج اليوم بين هذين العالمين هو نموذج تفاعلي، وكلّ منهما يغذي الآخر، وليس (مَن يقود مَن؟). هذا هو الجانب التقني الذي سنركّز فيه ضمن آليات الحلول الملائمة للعصر الحالي، من دون إغفال أهمية الجوانب الأخرى، خصوصاً التشريعية والتنظيمية والإجرائية.

من أهم أبعاد عصرنا الحالي، وأبرز ما أتاحته التقنية الحديثة، هو الوفرة في توليد البيانات، وازدياد القدرة على تخزينها ومعالجتها؛ حتى بات توظيف البيانات واستخراج ما تحويه من نتائج وأرقام من أهم أساليب التعامل مع عالمنا اللاقطبي الشبكي؛ لذلك لم يعُد من الممكن إغفال جانب (إدارة المعلومات والبيانات) عند الحديث عن التقنية، وهو ما يهمّنا في هذا المقال؛ لأن البرامج المنضوية تحت رؤية 2030؛ مثل: برنامج تحقيق التوازن المالي، وبرنامج التحول الوطني، وبرنامج إدارة المشروعات، وبرنامج قياس الأداء، تلزمها قدرة عالية على قياس الأثر الذي تحدثه آليات حلولها، مع توافر القدرة الدائمة على تحسين القرارات وتصحيحها بشكل مستمر، وهو تحدٍّ كبير؛ لأن تحقيقه يأتي من منهجية إدارة معلومات وبيانات ليس داخل مؤسسة/ منظمة واحدة، وإنما بين مؤسسات وكيانات وأفراد على المستوى الوطني كله.

لا يعدّ مفهوم (إدارة المعلومات والبيانات) بين المؤسسات بشكله التقليدي مفهوماً جديداً تماماً؛ فمنذ سنوات أسهم تطبيق مفهوم (تدفّق المعلومات العابر الحدود Boundary-Less Information Flow) تحت قيادة جاك ويلش في شركة GE بتحولات هائلة في الشركة أعادتها من شركة مقبلة على الإفلاس إلى واحدة من أهم شركات العالم(4)، وبالطبع كان هذا التحول مشفوعاً بتغييرات مؤسساتية أخرى؛ كتطبيق تقنية درجات سجما الست Six Sigma لتحسين إجراءات العمل، لكن ما يهمّنا هنا هو تأكيد أهمية تفعيل إدارة المعلومات والبيانات لتمكين التحول الوطني الشامل. وللتأكيد هنا، يرجى مراعاة أننا عندما نتحدث عن إدارة البيانات فنحن نتكلم عنها من جانب إداري وتقني وبشري، ولا نتكلم عن إدارة قواعد البيانات الذي هو جزء يسير، وإنما عن الصورة الكاملة لإدارة البيانات.

من قواعد البيانات إلى عيون القيادة

في لقاء جمع بين الصحفي الأمريكي الشهير توماس فريدمان وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع- قال فريدمان في أحد مقالاته في صحيفة (نيويورك تايمز) تحت عنوان (رسالة من السعودية)(5): أحد أهم مشروعات القيادة الرئيسة هو «مجموعة من شاشات مراقبة أداء Dashboards تظهر مؤشرات أداء كلّ وزارة»، ثم أردف يتحدث عن توجه جدّي لتحويل الأسلوب الإداري لجعله قائماً على (الأداء)، وهو أحد أبعاد (رباعية التحول).

نتحدث اليوم عن آلية اتخاذ القرارات المقادة بالبيانات Data-driven decision-making، وعندما نتحدث عن الأداء فإننا نتحدث عن معلومات، وعندما نتحدث عن معلومات فإننا نتحدث عن مكوّنها الخام الأولي (البيانات). ويمكننا القول: إن الحديث بهذا الوضوح عن البيانات، وكونها جزءاً من الإستراتيجية الشاملة، هو حديث غير مسبوق، ونادراً ما كانت تجد مصطلحات من قبيل (معلومات، ومؤشرات أداء، وغيرها) طريقها الى العلن بهذه الصراحة في المملكة على أعلى المستويات، وهو أمر له دلالات إيجابية كثيرة، أهمها أن العلاقة العضوية بين البيانات والأداء تعني تحوّل البيانات إلى واحد من الأصول الإستراتيجية للمملكة.

لكن هذه البيانات -مثلها مثل أيٍّ من الأصول الوطنية أو المؤسساتية الأخرى- لا بد من أن تُدار بطريقة فعالة ومنضبطة. ومن جديد نحن لا نتحدث هنا عن إدارة قواعد البيانات، بل نتحدث عن إدارة أصول إستراتيجية تدعى (البيانات). وللأسف حتى الآن مازال موضوع حوكمة البيانات (أي: إدارة البيانات بطريقة منضبطة ومتماشية مع التوجّهات الإستراتيجية والاهتمامات الأمنية والوطنية الأخرى) هامشياً وغير مطروق في كثير من الأحيان. وعلى الرغم من الدور المهم الذي يقوم به مركز المعلومات الوطني في حفظ بيانات المواطنين إلا أننا نتحدث هنا عن جميع أنواع البيانات التي تهمّ التحول الوطني من البيانات الشخصية، وبيانات التوظيف، والقوى العاملة، وبيانات الصحة، وبيانات التعليم، وبيانات التجارة الداخلية والخارجية، والجمارك، وغيرها. وحجر العثرة هنا هو حسبان أن كلاً من هذه البيانات ملك حصري للجهة التي تولّدها، وهو نتيجة طبيعية لما اتّصفت به الحقبة السابقة التي أشرنا إليها.

أدّت النظرة الذاتية الضيقة للمشكلات -بطبيعة الحال- إلى نظرة ضيقة حول البيانات التي تتعلق بهذه المشكلات، وأصبحت هذه البيانات، التي تحتوي كماً هائلاً من القيمة الوطنية، حبيسة مراكز البيانات في الجهات الحكومية، من دون فهم كيفية الاستفادة منها في سياق وطني متكامل، والنظر إليها على أنها خاصة بكل قطاع من القطاعات الحكومية؛ فعند الحديث اليوم عن تحديات الصحة -مثلاً- لا يُكتفى بالرجوع إلى بيانات وزارة الصحة فقط؛ لأن هناك كماً هائلاً من البيانات الأخرى الضرورية لتشخيص التحديات الصحية وتحليلها وإيجاد حلولها؛ مثل: بيانات التعليم، وبيانات الشؤون الاجتماعية، وغيرها.

باختصار، المشكلات العابرة للوزارات بحاجة إلى تدفق مرن للبيانات، وهذا التدفق المرن بحاجة إلى حوكمة بيانات -أحد أبرز عناصر إدارة البيانات- مرنة وشفافة في الوقت نفسه. وتفترض حوكمة البيانات أن البيانات التي بين أيدينا هي بيانات ذات جودة عالية، لكن قلما تكون البيانات الحكومية كذلك. ولا يُعزى تدنّي جودة البيانات في كثيرٍ من الجهات الحكومية كليةً إلى أسباب تقنية بحتة، بل يعود في جوانب كثيرة منه إلى النظرة الدونية للبيانات التي سادت في العقود السابقة بوصفها مجرد قواعد بيانات متّصلة ببعض التطبيقات البرمجية، وليس بوصفها أصلاً من أصول المؤسسة؛ لذلك فإن النتيجة الحتمية هي بيانات ذات جودة متدنية. وعندما تتحدث أعلى الجهات عن مراقبة الأداء الحكومي، وعندما يكون من أهم برامج رؤية 2030 هو برنامج إعادة هيكلة الحكومة، وبرنامج قياس الأداء، وعلى الطرف المقابل تكون حالة جودة البيانات متدنية لدرجة كبيرة في عددٍ من الجهات، فإن هناك فجوة تنفيذية هائلة. وعندما تتحدث خطة النمو الشاملة عن ضرورة تأسيس نظام إنذار مبكر EWS يكون قوامه البيانات الحكومية فإننا نتحدث عن أضغاث أحلام في ظلّ الوضع الحالي للبيانات، ولا أهمية لجودة الأنظمة البرمجية ومتانتها وجماليتها إذا كانت مدخلاتها خاطئة؛ فالحكمة التقليدية تخبرنا بأن «مدخلات سيئة تعني مخرجات سيئة».

نحو بترول جديد لعصر جديد

كلّ ما تقدّم لا بد أن يقود إلى سؤال منطقي: ما دور شركاتنا وجهاتنا الوطنية في هذا البحر المتلاطم من التحديات؟.

تأسّست في السابق شركات محلية كثيرة كانت البيانات لديها المادة الخام الأولية، وبرع كثير منها في تحويل البيانات -عبر سلسلة طويلة من العمليات المعقدة تقنياً- إلى قيمة ملموسة حقيقية؛ لذلك ارتبط اسم جهات مثل مركز المعلومات الوطني، وشركات مثل عِلم، بالبيانات الوطنية على نحو دائم؛ إذ أصبحت (البيانات الوطنية) هي أول ما يخطر على البال عند ذكر هذه الجهات.

نحن نتحدث عن ملايين العمليات يومياً، وكمّ هائل من البيانات والإجراءات وملايين المستفيدين عبر شبكات معقدة من العمليات والتفاعلات؛ فإذا كانت شركة (سابك) قد اهتمت بتحويل المواد الطبيعية الأولية إلى مواد أساسية تستخدم في الصناعات التحويلية وصولاً إلى المنتج النهائي في السوق فإن هذه الشركات والجهات قد تميّزت في تحويل المواد الأولية (البيانات الوطنية) إلى منتجات نهائية لمس فائدتها القاصي والداني في المملكة، وأدّت إلى قيم حقيقية أثْرَت حياتنا، وجعلتها أكثر سهولة؛ لذلك يمكن القول: إن هذه الجهات والشركات أصبحت المطوّر الوطني لمصافي البترول الوطني الجديد، والشريك التقني في تمكين الرؤية الوطنية والتحول الوطني. ومن المهم هنا إدراك أنه ليس ثمة استخدام وحيد للبيانات؛ لأن هناك عدداً هائلاً من الاستخدامات للبيانات، والبراعة تكمن في معرفة النموذج الأنسب الذي يحقق أكبر عائد ممكن من هذا الاستخدام. وبشكل عام، عندما نتحدث عن استخدام البيانات فإن هناك ثلاثة مستويات للاستخدام: المستوى التشغيلي العملياتي operational، والمستوى التكتيكي، والمستوى الإستراتيجي.

تشكّلت لدى العاملين في هذه الجهات والشركات خبرة غير مسبوقة في السوق المحلي عند الحديث عن مشروعات البيانات العابرة للوزارات والجهات الحكومية، حتى المشروعات الخاصة بجهة واحدة، وكانت أبرز التحديات المتكررة التي خلصت إليها في مشروعات البيانات على النحو الآتي:

غياب تعريفات محددة على نطاق الشركة أو الوزارة لأبرز المفاهيم المتعلقة بمجال عمل الجهة (مثل: تعريف خدمة، أو منتج، أو عميل/ زبون، أو غيرها).

عدم تقدير القيمة الفعلية للبيانات وقدرتها على المساعدة على اتخاذ القرار، والتعامل معها على أنها مجرد معطيات وأرقام تختزن في قاعدة البيانات.

ضعف إجراءات السرية والخصوصية التي تحكم التعامل بالبيانات.

غياب آليات تنقيح البيانات بشكل مستمر، وتحسين جودتها، والتعامل مع البيانات المتعارضة التي تقدم قراءات مختلفة للموضوع نفسه.

تشظّي البيانات بين الأقسام، وعدم تحديد ضوابط ملكيتها واستخدامها على مستوى الشركة.

عدم وضوح السياق العملي Business Context الذي يحكم طبيعة البيانات، والضوابط التي تؤثر في البيانات تباعاً.

في المقابل، استطاعت هذه الجهات والشركات الوطنية استخلاص دروس وملاحظات مهمة تحكم مشروعات البيانات في السوق المحلي. والقراءة المتمعنة لهذه الدروس مفيدة جداً، وتعظّم بنسبة كبيرة احتمالات نجاح مشروعات البيانات في المملكة العربية السعودية، وهي كما يأتي:

– توافر البيانات لا يعني القدرة على استخلاص نتائج فورية؛ إذ تمرّ البيانات بعدة مراحل من المعالجة والتنقيح لتصبح قابلة للتحليل، ويتم تحديد نسبة الاعتمادية على النتائج المستخلصة منها.

– غياب الرؤية العملية، والحاجة الفعلية، والمشكلات التي يراد حلّها لدى صانع القرار؛ فكلّ ذلك يؤثر في الفائدة التي يمكن تحقيقها من مشروعات ذكاء الأعمال والبيانات الضخمة.

– تحقيق الأهداف المرجوة من البيانات لا ينحصر في الاستثمار في الأدوات والحلول التقنية، بل يجب أن يشمل ذلك الأشخاص والإجراءات.

من المهم أن تكون لوحات المعلومات Dashboards تفاعلية، وتصميمها احترافياً، لكن يتوجب التركيز بشكل أكبر في وضوح ونوعية النتائج والخلاصات التي تقدمها هذه اللوحات وتساعد على صناعة القرار الفعلي؛ ففي كثير من الأحيان، تقدّم اللوحات البسيطة التصميم ذات العناصر المرئية التقليدية (Bar Charts, Pie Charts, …) قدرة عالية على إيصال النتائج الأكثر أهمية، والإجابة عن الأسئلة التي تهمّ صاحب القرار.

من المهم العمل على نشر ثقافة البيانات في المنظمات لتبيان أهميتها وأثرها؛ لأن البيانات تحتاج إلى اهتمام من الجميع كي تنتج منها تحليلات ومعلومات يعوّل عليها، وهو ما يتطلب جهوداً في مجال إدارة التغيير Change Management.

لأن مشروعات ذكاء الأعمال Business Intelligence من المشروعات التي تتضافر فيها جهود فرق الأعمال وفرق التقنية بشكل متشابك ومتداخل، فقد بات من الطبيعي أن تكون هذه المشروعات عدسة مكبّرة لتحديات كامنة داخل الشركة الواحدة، لعل أبرزها قضية ملكية البيانات، وتجنّب مشاركتها مع الفرق الأخرى.

تقدّم المعلومات المستخلصة من البيانات إجمالاً جزءاً من الإجابة. وبشكل عام، كلما زادت البيانات كماً ودقة زادت دقة الإجابة. وتبقى أهمية فهم دور البيانات في أنها تساعد على اتخاذ القرارات، ولا تستبدل الخبرة والفهم البشري؛ لذلك يتوجّب تحاشي التفكير الثنائي في البيانات؛ لأنها ستقدّم إجابة لكلّ شيء، أو لا تقدّم البتة.

من المهم قبل الشروع في الاستثمار في مشروعات تطوير البيانات تقييم نسب النضوج والجاهزية لدى الشركة؛ لتبنّي مثل هذه المشروعات من ناحية قدرات وخبرات الموظفين، وتوافر البيانات ودقتها، وقدرة ومرونة آليات العمل، وأخيراً التقنيات المتوافرة.

يتضمن التعامل مع البيانات العربية، وتحديداً غير المنتظمة منها، وأبرزها البيانات النصّية، عدداً من التحديات التي قد تعجز الحلول التقنية الشهيرة عن تقديم حلول مُرضية لها، خصوصاً عند تحليل جودة البيانات. ومن أفضل إستراتيجيات التعامل مع هذه البيانات هو عدم إقصاء التعامل اليدوي كليةً؛ حتى يكون هو المكمل للقصور الذي ستواجهه بالضرورة الحلول والأدوات التقنية المتاحة.

الخاتمة

مع إطلاق رؤية المملكة 2030، ومن متابعتنا التحولات الجذرية التي ستأتي تباعاً، نخلص إلى أهمية امتلاك الوسائل التي تمكّن من التعامل بمرونة مع التحديات، ويشمل ذلك القدرة على اتخاذ وقياس أثر القرارات باستخدام البيانات، وهو ما يحتّم علينا تفعيل آليات إدارة البيانات التي تعالج المشكلات والصعوبات المتعلقة بها، وتراعي الدروس والخلاصات التي قدمتها هذه المقالة. وللاقتراب بخطوة عملية أولى نحو تفعيل أفضل لإدارة البيانات داخل المنظمات والشركات، تطرح الخطة الآتية ثلاث مراحل أولية يمكن البدء بها، مع ملاحظة أنها خطوات إجمالية غير تفصيلية:

030 يوماً: تقييم نضج الشركة من ناحية البيانات Maturity Assessment، وتطوير إستراتيجية البيانات للمنظمة، وبناء خطة عمل إجمالية لبرنامج إدارة وتطوير البيانات.

3060 يوماً: تحديد مبادرات إدارة البيانات التكتيكية الرئيسة، وتأسيس نموذج أولي لحوكمة البيانات، وتطوير عمارة البيانات الأولية داخل المنظمة Data Architecture.

9060  أو 100 يوم: بناء خريطة الطريق التفصيلية لتنفيذ المبادرات، وتوزيع الفِرق، وتعيين القيادات، وتحديد آليات تحليل ومعالجة البيانات وطبيعة المعلومات المفيدة.

المراجع :

(1) The Age of Non-Polarity, What Will Follow U.S. Dominance. Richard Haass.

(2) Adjusted Growth Strategy: Saudi Arabia. G20.

(3) Moving Saudi Arabia’s economy beyond oil. Mckinsey.

(4) The New Boundaries of the “Boundary-less” Company. HBR.

(5) Letter From Saudi Arabia. Thomas Friedman.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *