طارق راشد - أبو ظبي- الإمارات

أفسحوا الطريق للروبوتات رهاب التكنولوجيا وصفة مضمونة للركود

لقد رأينا العدو، وأدركنا أنه الروبوت. ثمة موجة من رهاب الأتمتة تقود التوقّعات الوخيمة بشأن تعطّل أعداد مهولة من الأمريكيين عن العمل بسبب الروبوتات، وخلقت تلك الموجة صرعةً لمقترحات سياسية ساذجة على نحو عجيب. وهناك فكرة شائعة في وادي السليكون تؤيّد مبدأ الدخل الأساسي الشمولي؛ أي أن الحكومة ستصدر شيكاً شهرياً لكلّ مواطن للتخفيف من وطأة أثر البطالة الناجمة عن الأتمتة، (ولا يعنينا أن هذه السياسة ستنجم عنها بطالة في حدّ ذاتها). ويودّ بيل جيتس أن يفرض ضرائب على الروبوتات، وهو الأمر الذي يتّسق مع منطق فرض ضرائب على الحواسيب الشخصية عام 1991م.

يجب أن تُصنَّف موجة الهستيريا المتصاعدة بخصوص مستقبلنا التكنولوجي بوصفها واحدةً من أكثر خصائص المناخ الفكري الحالي ضرراً. والطريقة الوحيدة لرفع مستوى معيشتنا تكمن في زيادة الإنتاجية، وهو الأمر المستحيل من دون ابتكار؛ فهذه العملية دائماً ما تدمّر بعض الوظائف، لكن برفع الأجور وخفض الأسعار يصبح من الممكن أن تنشأ وظائف أخرى تحلّ محلها.

باختصار، تلك هي قصة الاقتصاد الأمريكي كما وصفها روبرت أتكنسون وجون وو في دراسة جديدة لمؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار، وهي ليست قصة ركود، بل عواصف من التغير التكنولوجي التي تُعيد تشكيل المشهد الاقتصادي مجدداً. ومن الصعب أن نرى، كما يتجلّى لنا في أمثلة التحولات المهنية الماضية التي يستشهد بها أتكنسون ووو، كيف يمكن أن يسعى أيّ إنسان إلى خلاف ذلك.

هل نودّ حقاً استعادة عشرات الآلاف من وظائف ترتيب قناني لعبة البولينج التي شغلها فتيان وشباب في حارات لعبة البولينج سلفاً لتبني آلة ترتيب قناني اللعبة في أربعينيات القرن الماضي؟ أو هل نتمنى العودة إلى حقبة الخمسينيات حينما كان هناك أكثر من 100 ألف عامل مصعد، وهي المهنة التي اختفت فعلياً بعد تبنّي المصاعد الذاتية الخدمة على نطاق واسع؟ أو هل نريد إحياء الأيام المجيدة لعاملي عرض الصور المتحركة، الذين بلغ عددهم أكثر من 30 ألف عامل عام 1940م، وأمسى عددهم الآن في عصر الأجهزة المتعددة الإرسال أقلّ من خمسة آلاف عامل؟

ما تمنحنا إيّاه التكنولوجيا بيدٍ تأخذه منا باليد الأخرى؛ فقد لاحظ أتكنسون ووو أن المهن المرتبطة بالسكك الحديدية، مثل: المهندس، والمُحصِّل، وغيرهما، شهدت زيادةً بنسبة 600% في خمسينيات القرن التاسع عشر، وظلّت أعداد تلك المهن تزداد حتى عشرينيات القرن العشرين عـــندمـــا بـــدأت نشــــأة الـســــيارات والشاحنات تضرب سوق السكك الحديدية في مقتل وتقوّضه؛ فمنذ ذلك الحين ظلّ منحنى المهن في قطاع السكك الحديدية في تراجع مستمر. كما انخفض عدد عاملي الهواتف وموظّفي إدخال البيانات بنسبة 50% تقريباً منذ عام 2000م، مع عدم افتقارنا إلى الاتصالات أو المعلومات الجاهزة.

هذا النوع من الاضطراب المهني لا مفرّ منه عندما يصبح الاقتصاد أكثر إنتاجية، وحقيقة الأمر أن العامل العادي، المُجهّز بأدوات تكنولوجية لم يكن أحد يتخيّلها من قبل، يُنتج في الساعة الواحدة ما كان ينتجه نظيره منذ 100 عام في يوم بطوله.

النتيجة الرئيسة لدراسة أتكنسون ووو هي أن سوق العمل الأمريكي شهد خلال العقود الأخيرة، على الرغم من التحذير من الأتمتة، أدنى معدل للاضطرابات المهنية على الإطلاق منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، وبدلاً من أن تكتسح الروبوتات الاقتصاد الأمريكي نجد أن هذا الاقتصاد أمسى متخلّفاً عن ركب التغير التكنولوجي. ومن الواضح أن نمو الانتاجية ازداد بنسبة 1.2% سنوياً خلال المدة بين عامي 2008 و2015م، وهو ما يمثّل انخفاضاً حاداً عن المعدل السنوي الذي بلغ 2.8% خلال المدة بين عامي 1947 و1973م.

ويعتقد أتكنسون ووو أن ثمة موجةً تكنولوجيةً أخرى مقبلةً، لكن ربما ليس قبل عقود؛ فقد كتب أتكنسون ووو يقولان: «بدلاً من المغالاة في الابتكار أو الإنتاج فإن الخطر الأكبر يكمن في أن الاقتصادات لن تكون قادرةً على زيادة الإنتاجية بسرعة تكفي للارتقاء بمعدل الدخل للفرد، خصوصاً في عصر تواجه فيه الأمم أعداداً متزايدةً من السكان المُسنّين».

يقول ريتش لاوري؛ رئيس تحرير مجلة (ناشيونال ريفيو): «يمكننا مناقشة الطرائق المثلى لتدريب العمالة الماهرة، أو تخفيف وطأة ضربة التغير الاقتصادي التي تلقّاها العُمّال، لكن الخوف المرضي من التكنولوجيا هو وصفة مؤكدة للركود والكساد. إذا نجونا من نشأة السيارات والهواتف والإضاءة الكهربائية، وهي التغيرات الثورية حقاً التي طرأت قرب بداية القرن العشرين، فلا ريب في أننا سنصمد في مواجهة الابتكارات التحولية أياً كانت، التي ستجعل اقتصادنا وعاملينا مرةً أخرى أكثر إنتاجية من ذي قبل؛ فلا تهابوا الروبوتات».

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *