د. عبدالله الحاج - رئيس التحرير

المعلومات الضخمة وهتك الخصوصية

«عندما تنظر إلى الإنترنت بعينٍ يعود الإنترنت ويراقبك بألف عينٍ».

صدر كتاب (صدمة المستقبل: المتغيّرات في عالم الغد) للكاتب المستقبلي الشهير ألفن توفلر عام 1962م باللغة الإنجليزية، وتمّت ترجمته إلى اللغة العربية عام 1974م، وكان عنوان الكتاب الأصلي هو: The Science of our Selves؛ أي: علم ذواتنا. والحقيقة أن عنوان الكتاب باللغة العربية يدلّ على محتواه أكثر من العنوان الأصلي.

كان الكتاب صيحةً تحذيريةً من تقنيات المستقبل، وأثرها في الإنسان والمجتمع، لكن الملاحظ في هذا الكتاب بعد أن رجعتُ إليه عند كتابة هذا المقال أنه لم يذكر قطّ تقنيات المعلومات، أو حتى تنبّأ بحدوثها، على الرغم من أنه جال في أشياء كثيرة، مثل: رصد المريخ، وملابس الإنسان المستقبلية من الورق، ومرصد تحت الأرض، وغير ذلك. وهذا الأمر متوقّع؛ فقد بدأ البحث عن طريق الشبكة العنكبوتية نحو عام 1994م بشكل خجول ومتواضع، ثم تسارعت وتيرة التطور بشكل حادّ ومهول في سنوات قليلة فقط؛ إذ قُدِّر عدد الأسئلة أو الطلبات عام 1997م بنحو20 مليون طلب في اليوم، وكانت أفضل التقديرات عام 2016م بنحو 50 بليون صفحة على الشبكة، ويتكفّل جوجل وحده بالاستجابة لأكثر من ثلاثة بلايين طلب في اليوم الواحد.

يحاول إريك شميث -رئيس شركة جوجل- شرح المحتوى المعلوماتي المهول بالشكل الآتي:

• قدّمت البشرية منذ فجر التاريخ حتى عام 2003م نحو خمسة مليارات جيجابايت من البيانات فقط.

• أنتجت البشرية عام 2011م نحو خمسة مليارات جيجابايت في يومين فقط.

• أنتجت البشرية عام 2013م نحو خمسة مليارات جيجابايت كل عشر دقائق.

هناك أكثر من ثلاثة مليار إنسان يحملون جوالات وهواتف متنقلة، وأكثر من 20 مليون تغريدة كلّ ساعة، ويرسلون أكثر من 200 مليون إيميل في الدقيقة الواحدة، وهي معلومات مهولة يصنعها الإنسان العادي عند ممارسة حياته العادية جداً، ما عدا المعلومات التي توفّرها الصناعات، والمواصلات، والأجهزة الكهربائية، وغيرها. ولو أخذنا الفرد الأمريكي العادي في حياته اليومية نموذجاً لوجدناه يعطي نحو 34 جيجابايت من المعلومات؛ فهو يقضي خمس ساعات يومياً في مشاهدة التلفاز، ونحو ساعة يتحدث في الهاتف المحمول، ويستخدم الكمبيوتر نحو ثلاث ساعات في اليوم، ويستخرج معلومات من الشبكة بنحو 19 جيجابايت؛ أي أن مجموع الاستهلاك في اليوم الواحد هو 11 ساعة و34 جيجابايت من المعلومات.

أصبحت المعلومات وجمعها أحد أهم الروافد الاقتصادية؛ فهي -كما يقول خبراء الاقتصاد- العنصر الرابع من عمليات الإنتاج الاقتصادي، وهي بأهمية العناصر الثلاثة الأخرى، وهي: العقار، والأيدي العاملة، ورأس المال. ولو أخذنا شركة جوجل بوصفها أهم مثال على ذلك؛ فقد أُنشئت الشركة عام 1998م، وطُرحت في الأسواق عام 2004م؛ أي: قبل 12 عاماً فقط، وبلغت قيمتها السوقية في نهاية عام 2016م نحو 550 بليون دولار، وجاءت مباشرةً بعد شركة (أبل)، التي بلغت قيمتها السوقية نحو 600 بليون دولار، على الرغم من أن أبل أُنشئت قبلها بسنوات طويلة، وتجاوزت قيمة (جوجل) السوقية شركات ضخمة، لها امتدادات وفروع عالمية، مثل أكسون- موبايل، التي قدِّرت قيمتها السوقية بنحو 350 بليون دولار؛ فشركة (جوجل) تمتلك الآن نحو 90% من محركات البحث في العالم.

هذا الملف يناقش ويشرح أهمية المعلومات الضخمة Big Data، واستعمالاتها، وأثرها في الفرد والإنسانية. وأودّ أن أختم مقالتي هنا بالإشارة إلى أن أهم المشكلات التي تواجهنا مع هذه التقنية هي هتك السريّة أو الخصوصية والأمان؛ فقد أصبح الفرد مكشوفاً حتى ضاعت خصوصيته؛ فأنت في كلّ ما تعمل توفّر معلومة عنك: عندما تشتري، وعندما تستخدم جوجل أو الجي بي إس، أو حتى عند تدوين تغريدة أو رسالة أو صورة؛ فأنت توفّر معلومة عنك قد لا يعرفها أقرب الناس إليك؛ فأنت (عارٍ) أمام هذا الكمّ المهول من المعلومات؛ إذ يقول سكوت ماك بيللي المدير التنفيذي لشركة مايكروسيستم: «شئنا أم أبينا ليست لنا أيّ خصوصية على الإطلاق»، فهذا الأمر مرعب، لكنه واقع.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *