د. خاليد فؤاد طحطح - باحث وكاتب وأستاذ اجتماعيات مغربي

مطبَّات التحليل النفسي التاريخي

يمكن عدّ كتاب سيجموند فرويد Sigmund Freud عن الرسام ليوناردو دافينشي Leonardo da Vinci، الذي نشره في أوائل عشرينيات القرن الماضي، النموذج الأول لما يمكن أن نطلق عليه بالفعل اسم (التحليل النفسي التاريخي)؛ فقد بدأ فرويد كتابه هذا بتأكيد القول: إن ليوناردو دافينشي كان يتمتّع بمجموعة من الصفات والخصائص المحدّدة، التي تعدّ مفتاح تفسير عبقريته وعظمته في مجال فنّ الرسم. أولى هذه الخصائص الشعور الأنثوي الرقيق الذي يتمتّع به؛ إذ قام فرويد بتحليل حياة دافينشي الغامضة انطلاقاً من حادث صغير غير ذي دلالة في الظاهر استقاه من سجلات مذكراته، وهو حلم دافينشي الذي رأى خلاله طائراً يقترب من المهد، ويدخل ذيله في فم الطفل.

دافينشي والموناليزا

دافينشي

هكذا بنى فرويد حياة الرسام انطلاقاً من هذا الحلم، الذي استنتج منه انفصال الابن عن أبيه، ودخوله في حالة اكتئاب حادّ، بل ارتباطه بعاطفة قوية مع أمه، ذلك أن الطائر، وهو الصقر، كائن خنثوي مثله مثل طائر الفنيق/ العنقاء الخرافي. ويستخلص فرويد من ذلك وجود علاقة قوية بين سلوك ليوناردو الأنثوي والمفعول الخنثوي للابتسامة الشهيرة الغامضة للوحة الموناليزا؛ لينتهي إلى القول بأن الإنتاج الفني للرسام العبقري ليس إلا انعكاساً لمرضه العصابي؛ فبفضل ما تمتّع به دافينشي من ميول جنسية خاصة فإنه أصبح من الممكن لغريزته أن تعمل بحرية في خدمة أهداف العقلانية السامية؛ لأن رغباته المكبوتة -في رأي فرويد- تحوّلت إلى دوافع حفزته إلى الانغماس في البحث وإشباع الفضول. ومن المفترض على نطاق واسع أن ليوناردو كان ذا ميولات مثلية؛ فقد أشار عدد من مؤرّخي الفن إلى سمات كثيرة في رسوماته وكتاباته لتأكيد ذلك، لكن ليس هناك برهان محدّد يؤكّد هذه المزاعم. ويعدّ العمل المشهور لفرويد عن دافينشي -في نظر الباحث الأمريكي ديفيد ستانارد David Stanard– من أفضل الأمثلة التي توضّح أن التاريخ النفسي يحتوي على خيال واسع.

دوستويفسكي رائد التحليل النفسي

دوستويفسكي

لم يكن فنان عصر النهضة دافينشي الشخص الوحيد الذي اتّخذه فرويد نموذجاً لتحليلاته ونظرياته، بل سلّط الضوء أيضاً في مجال تفسير الإبداع في كتابه (التحليل النفسي والفن) على شخصية الروائي الروسي العبقري فيودور دوستويفسكي Fyodor Dostoyevsky، الذي برز في أعماله المتأخرة قبل وفاته، خصوصاً في رائعته (الإخوة كارامازوف)، رائداً للتحليل النفسي، وواحداً من أبرز الروائيين على مرّ التاريخ الذين تمكّنوا من النفاذ عميقاً إلى خوالج النفس البشرية بتقلّباتها؛ فكلما ازددنا توغّلاً في أعماق أعماله ازداد شعورنا بعمق أنفسنا من خلالها؛ فدوستويفسكي لا يكون شيئاً إذا لم يَعْنِهِ المرء من الداخل؛ فقد استطاع تحويل حياته المملوءة بالمآسي إلى أعمال فنية مبهرة؛ لذلك يمكن عدّ أعماله الأساس لكثير من الأفكار التي بُنيت عليها مدارس التحليل النفسي لاحقاً.

النبي موسى ومارتن لوثر

إضافةً إلى هاتين الشخصيتين، اللتين وظّف فيهما فرويد منهج التحليل النفسي، ونقصد: دافينشي، ودوستويفسكي، نجده يحاول انطلاقاً من حالة أخرى كان مرتبطاً بها أشد الارتباط تطوير النظرية الأنثربولوجية إلى نظرية للتاريخ، ونقصد شخصية النبي موسى، الذي جعله فرويد بطلاً؛ فهو في نظره -بالفعل- مؤسّس الدين اليهودي، لكنه لم يكن من بني إسرائيل، وإنما كان مصرياً، واستخدم فرويد للوصول إلى هذه النتيجة ما سمّاه (تأويل الأسطورة التاريخية لميلاد موسى بمعنى معاكس لما ترويه التوراة)؛ فهو -في نظره- لم يكن يهودياً استقبلته أميرة مصرية، بل على العكس: كان مصرياً استقبلته عائلة يهودية.

ويمكن أن نورد أمثلةً أخرى عن أعمال مشابهة قائمة على فكرة الصراع مع الأب، والرغبة في مواجهته، منها عمل إريك إريكسون Erik Erikson الشهير عن مارتن لوثر Martin Luther فتى الإصلاح الديني في أوروبا خلال عصر النهضة؛ فقد جعل المؤلِّف العلاقة الصدامية لهذا الأخير، ونزاعه مع والده، أساس المسلكية البروتستانتية، والانشقاق عن الكنيسة الكاثوليكية. ومن المعلوم أن صاحب هذا العمل يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز مَن اشتغلوا بالتاريخ النفسي، لكنه ارتكب الهفوة نفسها التي سقط فيها فرويد حين ركّز في واقعة واحدة لتفسير شخصية مارتن، وهو ما يعني أن التاريخ النفسي الذي كتبه إريكسون عن طفولة مارتن لوثر وارتقائها يتطلّب منا أن نتقبّل كون والد مارتن لم يكن سوى طاغية جبار، وهو ما يتعارض مع كثير من المعلومات التي تبيّن أن علاقة الابن بوالده تحسّنت بشكل كبير لاحقاً.

التناقض بين فرويد وألفريد أدلر

فرويد

ديفيد-ستاندرد

استوحت قراءات التحليل النفسي التاريخي مفاهيمها مباشرةً من قاموس التحليل النفسي الفرويدي، خصوصاً من الأسطورة التحليلية النفسية عن جريمة قتل الأب وما يتّصل بها من مفردات من قبيل: الطوطم، والحرام؛ فأسطورة أوديب الإغريقية قادت فرويد إلى أن يرى في حبّ الطفل أحد والديه، وكرهه الآخر، عقدة النزوات النفسية التي تؤدي لاحقاً إلى ظهور العُصابات والاختلالات المزاجية. وقد دافع فرويد بقوةٍ عن فكرة الرغبات الجنسية المكبوتة بوصفها السبب الأساسي في الاضطرابات والأمراض النفسية التي قد تلحق بالفرد، وعدّها المحرك والدافع الأساسي والعالمي المشترك بين جميع البشر. وهنا يختلف فرويد بشدة مع آراء خصمه اللدود ألفريد أدلر Alfred Adler، الذي آمن بأن المحرك والدافع الأساسي هو رغبة الفرد في إحراز التفوق نتيجة شعوره بالنقص، وهو ما فصّله بشكل مستفيض في كتابه (معنى الحياة What Life Could Mean to You?)، وهو من أهم مؤلَّفاته وأكثرها شهرةً وتداولاً، ونشره أول مرة عام 1931م، وشرح فيه أهمية التعويض الزائد بوصفه ميكانيزماً يلجأ إليه الفرد في محاولة لقهر عقدة النقص، والوصول إلى تحقيق هدفه في التفوق.

أثارت محاولة فرويد إنجاز تاريخ نفسي، كما هو الأمر في كتابه عن موسى والتوحيد، أو عن ليوناردو دافينشي، أو عن فيودور دوستويفسكي، كثيراً من الأسئلة؛ فقد تعرّض للنقد من وجهة نظر أنثربولوجية من خلال ملاحظات سجّلها مالينوفسكي عن الأهالي في تروبيان؛ لأن الأب لديهم ليس هو الشخصية الأساسية في التنظيم الأسري والتربوي، كما تعرّضت قراءته التي أنجزها للميثولوجيا الإغريقية، بدءاً من قصة أوديب نفسها، لنقدٍ عنيفٍ مؤسَّسٍ على التاريخ، وجّهه له بيار فيدال- ناكيه Pierre Vidal-Naquet، وجان بيار فرنانJean- Pierre Vernant ، في كتابهما المشترك (الأسطورة والفكر عند اليونانيينMyth and Thought among the Greeks)، ويمثّل كتاب (أوديب وأساطيره Oedipe et ses mythes) للمؤلِّفيْن السابقيْن تحريراً لهذه الشخصية الأسطورية من قيود التحليل النفسي الفرويدي.

تعدّ محاولة الحصول على المعلومات هي إحدى المهامّ الأساسية للمؤرّخ، بينما المحلّل النفسي الذي يعمل في مجال التاريخ النفسي غالباً ما تكون لديه ميول لإعطاء تأويلات معينة لبعض الأحداث، التي يجعل منها مفتاحاً لفهم أفعال الشخص الذي يجري التأريخ له من الناحية النفسية، وهذا الأمر هو أحد أهم مكامن القصور والضعف، بل إنه من أهم مطبّات التحليل النفسي التاريخي.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *