كيف  يجعلنا الموت بشراً؟

التفكير في الموت من الأمور المتأصّلة في الجنس البشري، ويعكس التقدّم التكنولوجي رغبةً في تجنّب الموت على غرار كثير من الأنشطة البشرية، لكن كلّ ذلك قد يكون على وشك التغيير.

علاقة الإنسان بالموت جوهرية وأساسية؛ فهو ليس مفهوماً خارجياً يمكن للمرء التخلي عنه أو تجاهله ثم يبقى بعد ذلك كما هو بشراً؛ لأن الموت هو ببساطة جزء منا. وعلى حدّ تعبير الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر: «موتنا وشيك (فقد نموت من فورنا)، لكننا نتخيّله بعيداً (فنحن نعتقد عادةً أننا سنعيش وقتاً طويلاً)»، ويسأل الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا مازحاً: «هل موتي ممكناً؟»؛ فعند الموت تُمحى تماماً جميع الاحتمالات. ومما يثير الفضول أنه بينما نعلم أننا ما وُلدنا إلا لنموت فإننا نُفني حياتنا في محاولة التغلب على الموت؛ فهناك غرابة أساسية أو سبب غير منطقي لكلّ تصرفاتنا؛ لذلك نهرب إلى شؤوننا اليومية المعتادة من أجل النسيان أو السلوان، وقد يفسّر هذا الغموض قدراً كبيراً من الثقافة البشرية؛ فكما نرغب في نفي الموت نسعى كذلك إلى التفوق على أنفسنا.

افترض الكاتب الإسباني ميجل ديه أونامونو، الذي عاش في القرن العشرين، أن القلق البشري هو نتاج للتوتّر بين المنطق من جهة، الذي يقرّ بأن الحياة فانية، والرغبة في الاستمرار إلى ما لا نهاية من جهة أخرى؛ فقد أصبحت تلك الرغبة هي الدافع وراء كلّ محاولات التفوق على أنفسنا؛ لذلك فمع كلّ ابتكار تكنولوجي، وتحوّل رمزي، وثورة في القيم، أو كتابة جديدة عن معنى الحياة، ألسنا في كلّ ذلك نسعى في نهاية المطاف إلى تحقيق الخلود؟

«لا تذكّر القبور ناظريها بمنشئنا بقدر ما تذكّرهم بوجهتنا»..

الموت، وهو ما يتعلّق بموت الآخرين، ويختلف في ذلك عن وفاة المرء نفسه، هو أمر لا يمكن لنا تجربته، والمقابر وشعائرها طرق نرتبط فيها بموت الآخرين، وهي تجربة الموت الوحيدة الممكنة. وعلى كلّ حال، يفترض المرء أنه هو الآخر سيُدفن ويُكرم ويتذكّره الآخرون، وربما ينسونه؛ فالمقابر لا تذكّر ناظريها بمنشئنا بقدر ما تذكّرهم بوجهتنا، وهو ما يخلق لدينا جميعاً أحاسيس من الشك والاحترام والقلق.

وبطبيعة الحال، تظلّ المقابر على الحال الذي بُنيت عليه، وتُتيح التكنولوجيا في عصرنا الحالي العيش من خلال الصور والتسجيلات؛ فتخلق وجوداً من تجربة العدم. وقد يكون من المثير للاهتمام تحليل تأثير شمولية الموت، وتطور الحداد وآليات الذكرى التي أصبحت الآن حيةً ومتاحةً لنا على الدوام. يقول داريو شتاينشرايبر، وهو فيلسوف أرجنتيني يقيم ببوينس آيرس: في واقع الأمر التوجّهات الحالية، كعلم الإنسان الآلي أو الاستنساخ، ستغيّر أُسس علاقاتنا بموت الآخرين، ليس ذلك فحسب، بل بموتنا نحن أيضاً، وحتماً سيأتي اليوم الذي نحلّ فيه مسألة الموت، وهو ما سيحدث فقط عندما نمنع حدوث الموت. وبطبيعة الحال، سيحدث ذلك عندما نصير غير بشريين، وبذلك سنتحوّر إلى كائنات أخرى.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *