سامح الجباس - صيدلي مصري، والروائي الفائز بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2015م

أدوية قاتلة!!

هناك بعض الأدوية تسوّق في بعض البلاد، ثم تظهر بسبب استخدامها أعراض جانبية، ومخاطر في الاستخدام، لم تظهر في التجارب السريرية التي تُجرى قبل طرح الدواء في الأسواق؛ لذلك تقوم المؤسسات الحكومية المختصّة بسحبها من الأسواق. وتعدُّ وكالة الأدوية الأوروبية هي المسؤولة عن إجراءات المصادقة أو عدمها، بل حتى عن سحب الدواء من الأسواق في الاتحاد الأوروبي، بينما المسؤولة عن ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية هي هيئة الغذاء والدواء. وربما بدأ الأمر فى حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين عندما سُحب دواء (ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك)، الذي كان يسوّق على أنه دواء نفسي، وكان السبب هو استخدامه مخدّراً يؤدي إلى الإدمان، وأصبح استخدامه غير شرعي حتى اليوم في معظم دول العالم. ويُورد هذا المقال بعض النماذج من أشهر الأدوية التي جرى سحبها، والأضرار التي تسبّبت فيها.

ثاليدوميد Thalidomide

مهدّئ للحوامل ظهر في ستينيات القرن الماضي مع دعايةٍ بأنه الآمن للحوامل، لكن الشركة المنتجة كانت مخطئةً؛ فقد وُلد جيل من الأطفال بلا أقدامٍ أو أيدٍ. وبلغ عدد الأطفال المولودين بتشوّهات بسبب استخدام الثاليدوميد نحو 12 ألف طفل في 46 دولة في العالم، وجرى سحب الدواء عام 1961م. ووافقت إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1998م على استخدام الثاليدوميد في علاج الجذام، واستحدثت الإدارة نظام توزيع خاصّ يضمن عدم وصول هذا العقار إلى النساء الحوامل. وبمقتضى هذا النظام، فإن على الأطباء إحاطة مرضاهم بمخاطر هذا العقار، ويوقّع المريض على إقرار يثبت إدراكه مخاطره، ويلتزم عدم تناول أحد غيره هذا العقار. ويقدّم النساء اللواتي في سنّ الإنجاب ما يثبت استخدامهن وسائل تنظيم النسل، كما يخضعن لاختبارات التأكّد من عدم وجود حمل طوال مدة استخدامهن العقار.

دانترون Dantron

يعدّ الدانترون دواءً مليّناً؛ إذ يستعمل في بعض البلاد مُسهّلاً، وجرى سحبه من السوق في كثير من البلدان نتيجة ارتفاع سُمِّيَّته. وقد منع استعمال هذا الدواء في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1963م؛ لأنه مادة مسرطنة.

نيالامايد Nialamide

هو مثبّط أكسيداز أحادي الأمين من مجموعة الهيدرازين، استخدم مضاداً للاكتئاب، وسحبته شركة فايزر عام 1974م بسبب مخاطر تسبّبه في تسمّم الكبد.


فيناسيتين Phenacetin

مركّب مشتقّ من الأمبيدوفينول، ويستعمل في خفض الحرارة، وإزالة الصداع وآلام الأعصاب والروماتيزم، وجرى إيقاف استعماله عام 1975م بسبب تأثيراته السمية الكبدية والكلوية والدموية.

بنتوباربيتال Pentobarbital

هو باربيتيورات قصير المفعول، بدأ استخدامه منذ عام 1930م. ويسبّب بنتوباربيتال الوفاة عند تناوله بجرعات عالية؛ لأنه يؤدي إلى توقّف التنفس، وقد استخدم هذا الدواء في الولايات المتحدة الأمريكية لإعدام المجرمين؛ لذلك لا تسمح شركة وندبيك ببيعه إلى أقسام الشرطة أو السجون لتنفيذ عقوبة الإعدام. ويمكن أن يسبّب بنتوباربيتال الموت إذا جرى تناوله بجرعات عالية، ويستخدم لقتل الحيوانات والبشر على حدٍّ سواء، وهو لا يستخدم على أنه دواء منذ عام 1980م، لكن ينصّ البروتوكول القياسي للانتحار بمساعدة الطبيب في هولندا على الحقن الوريدي بمخدّر ثيوبينتال، ثم يليه ألكورونيوم البروميد لحفز إحداث أزمة تنفسية. وقد أُقرّت الجرعة اللازم تناولها عن طريق الفم لتكون كافيةً للانتحار منذ يناير عام 2016م في الولايات المتحدة الأمريكية في ولايات: أريجون، وفيرمونت، وواشنطن، وكاليفورنيا، وحُدِّدت بنحو 10جم في الصورة السائلة، وهو معدّل أعلى بكثير من الجرعة المستخدمة لتهدئة حالات الصرع. وبدأت ولاية تكساس الأمريكية باستخدام بنتوباربيتال لتطبيق الإعدام على السجناء المحكوم عليهم بالقتل بواسطة الحقنة القاتلة في 18 يوليو عام 2012م، وجرى النظر في استخدام بنتوباربيتال في كثيرٍ من الولايات الأمريكية، منها: أريزونا، وأوهايو، وإيداهو، وواشنطن، واتّخذت هذه الولايات قرارها باستخدام بنتوباربيتال بعد نقص بروميد بانكورونيوم الذي يؤدي إلى ارتخاء العضلات، والذي استخدم سابقاً بوصفه أحد مكوّنات كوكتيل الأدوية الثلاثة. وفي أكتوبر عام 2013م، غيّرت ولاية ميسوري بروتوكولها لتسمح باستخدام بنتوباربيتال مركّب بجرعة قاتلة من أجل تنفيذ أحكام الإعدام، وفي نوفمبر عام 2013م أُعدم جوزيف بول فرانكلين بواسطة إدارة ولاية ميسوري، فكان أول مَن أُعدم بجرعة واحدة من بنتوباربيتال.

جلافينين Glafenine‏

مسكّن ألم غير أفيوني، وخافض للحرارة، وقد مُنع استخدامه عام 1984م لأنه يسبّب صدمة الحساسية.

فينيلبيوتازون phenylbutazone

مضاد التهاب غير ستيروئيدي يُستخدم للحيوانات بوصفه مسكّن ألمٍ قصير المفعول، وخافضاً للحرارة. ولم يُصرَّح باستخدامه للبشر بسبب آثاره الجانبية الخطيرة التي تتضمن تثبيط إنتاج الكريات البيضاء، وفقر الدم اللاتنسجي، وتوقّف استخدامه عام 1985م بسبب سوء استخدامه من دون تصريح، ولأنه يحدث التسمّم الدموي.

إيتريتينيت Etretinate

يملك هذا الدواء خصائص عالية مُحبّة للدسم؛ لذلك تستمر آثاره مدةً طويلةً حتى بعد إيقاف استخدامه، ويمكن تحرّي آثار الدواء في البلازما بعد ثلاث سنوات من إيقاف العلاج، ويملك كذلك هامشاً علاجياً ضيقاً، وعمراً نصفياً طويلاً يبلغ 120 يوماً حتى يجري التخلّص منه. ويُستخدم هذا الدواء في علاج حالات الصدفية الشديدة، ومن آثاره الجانبية أنه يشوّه الأجنة، ويسبّب عيوباً خلقيةً؛ لذلك يجب على النساء إجراء اختبار الحمل قبل أسبوعين من بدء الدواء، ويجب تحديد النسل في أثناء استخدامه وبعد إيقاف استخدامه لمدة ثلاث سنوات، ولا يُعطى الأطفال لأنه يتداخل مع نمو العظام، وهو يسبّب التهاب الكبد، والورم الدماغي الكاذب، واضطراب المعدة، وجفاف الأنف ونزيفه، وتشقّق الشفتين، وتقرّح الفم، ونزيف اللثة، وزيادة العطش، وجفاف الجلد، وتساقط الشعر، وجفاف العين. وقد سُحب هذا الدواء من الأسواق عام 1999م.

أومنيفلوكس Omniflox

هو فلوروكوينولون من المضادات الحيوية، وهو من الأدوية التي سُحبت من السوق الأمريكي بعد وقت قصير من الموافقة عليه عام 1992م بسبب آثاره السلبية الخطيرة التي أدّت إلى ثلاث حالات وفاة. ووافقت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية على هذا الدواء في يناير عام 1992م لعلاج عدوى الجهاز التنفسي السفلي، والأعضاء التناسلية، والتهابات المسالك البولية، مثل: التهاب البروستاتا، والتهاب الجلد. وقد طُوِّر هذا الدواء بسبب آثاره الجانبية الشديدة، منها: الحساسية، وفقر الدم الانحلالي، وجُرِّب استخدامه في نحو 50 مريضاً خلال أربعة أشهر، فكانت هناك ثلاث حالات وفاة، فرفضت شركة أبوت بيعه في يونيو عام 1992م.

مينابرين Minaprine

هو مثبّط أكسيداز أحاديّ الأمين، كان يستخدم مضاداً للاكتئاب في فرنسا حتى عام 1996م، ثم سحب لأنه كان يسبّب الاختلاجات.

أستيميزول Astemizole

من مضادات الهيستامين، وجرى سحبه عام 1999م لأنه كان يسبّب اضطراباً في ضربات القلب قد يؤدي إلى الوفاة.

روفيكوكسيب Rofecoxib

من مضادات الالتهاب غير الستيرويدية من مجموعة مثبّطات كوكس-2، استعمل في علاج التهابات العظام والمفاصل في حالات الآلام الحادة، وطُرح في السوق عام 1999م على شكل حبوب أو معلقات للشرب، وقُدِّر مستعملوه في الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 20 مليون شخص، قبل أن يُسحب من السوق عام 2004م لتسبّبه في مشكلات متعلّقة باحتشاء عضلات القلب.

أديرال Adderall

هو العلامة التجارية لمنشّط يتألف من الأمفيتامين وdextroamphetamine، ويُعتقد أنه يعمل على زيادة كمية إفراز الدوبامين في الدماغ، وأفادت الدراسات بأن أديرال يعمل على نطاق واسع على زيادة اليقظة والتركيز، والأداء الإدراكي عامةً، عن طريق تقليل الشعور بالتعب لدى المستخدم. وأُدرج أديرال في الولايات المتحدة الأمريكية ضمن العقاقير ذات التصنيف الثاني في إطار قانون المواد الخاضعة للرقابة بسبب ظهور حالات إدمان أو احتمال إساءة استخدامه. وتعدّ احتمالات إدمان أديرال عالية بسبب تأثيره القوي في زيادة ضغط الدم، كما أنه ينطوي على مخاطر، مثل: الموت المفاجئ، والسكتة الدماغية، وجلطة القلب، خصوصاً لدى المرضى الذين يعانون مشكلات سابقة في القلب. وقد علّقت وزارة الصحة الكندية في 9 فبراير عام 2005م جميع مبيعات أديرال XR بعد البيانات التي جمعتها شركة شاير للصناعات الدوائية، وهي الشركة المصنّعة له، وجرى الربط بين العقار و12 حالة وفاة مفاجئة لأطفال أمريكيين.

سيبوترامين Sibutramine

دواء مشهور باسمه التجاري MERIDIA أو ريداكت REDACT، وهو عقار طبي يُستخدم في المساعدة على إنقاص الوزن، ويعمل من خلال تأثيره الحافز لمستقبلات الدوبامين داخل الجهاز العصبي المركزي وخارجه، ويقوم بتثبيط الإحساس بالجوع لدى مَن يتناولونه من خلال تأثيره المثبط وغير المباشر في جهاز الحفز حول السمبثاوي، وارتبط استخدامه بارتفاعٍ في أمراض القلب والسكتات الدماغية؛ لذلك سُحب من الأسواق في الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وأستراليا، وكندا، وهونج كونج، وتايلاند، والمكسيك، ومؤخراً في الهند، في أعقاب قرار لجنة الخبراء المعنية بآثاره في نظام الدورة الدموية SCOUT report. ويؤدي استخدام العقار إلى ارتفاع مُلاحظ في مستوى التوتر الشرياني (ضغط الدم)، خصوصاً لدى النساء في الفئة العمرية بين 40 و50 سنة، كما أدى في بعض الحالات إلى ارتفاع التوتر الشرياني الرئوي، والإصابة باستسقاءات رئوية، وهو ما قد يؤدي إلى هبوط في عمل العضلة القلبية، والوفاة في بعض الحالات. وقد يحدث مع تناول السيبوترامين عَرَض نادر، لكنه خطير على الحياة، يُدعى (تناذر السيريتونين serotonin syndrome)، ويشعر معه المريض بالضعف، وعدم الارتياح، والتشوّش، وارتفاع الحرارة، والإقياء، والتعرّق، والرجفان، وتسارع ضربات القلب، وفقدان الوعي، وسُحب هذا الدواء من السوق عام 2010م.

ثنائى ميثيل أميل/ ميثيل هكسامين Methylhexanamine

سحبته الشركة المنتجة من السوق طواعيةً عام 1983م، ثم أُعيد طرحه على أنه مُكمّل غذائي عام 2006م، ومنعته هيئة الغذاء والدواء الأمريكية عام 2013م بسبب مشكلات وعائية قلبية.

ناتاليزوماب Natalizumab

يُستخدم في علاج التصلّب اللويحي أو التصلّب المتعدّد، وداء كرون، ويتوافر تحت اسم تجاري هو (تيسابري TYSABRI)، وتتشارك في تسويقه بيوجن آيدك وشركة إيلان، وكان اسمه سابقاً (أنتجرن Antegren). ويُعطى ناتاليزوماب بالتسريب في الوريد كلّ 28 يوماً، وثبت أنه فعّال في علاج أعراض الأمراض، ومنع الانتكاس، وفقدان الرؤية، والتدهور المعرفي، وتحسين نوعية الحياة بشكل ملحوظ لدى الأشخاص المصابين بالتصلّب المتعدد، فضلاً عن تزايد معدلات هدوء المرض، ومنع الانتكاس في مرض كرون. وحصل ناتاليزوماب عام 2004م على ترخيص هيئة الغذاء والدواء الأمريكية، ثم سحبته الشركة المصنّعة له من السوق بعد أن ارتبط بثلاث حالات عصبية نادرة من اعتلال بيضاء الدماغ المتعدّد البؤر المتقدم PML عندما أُعطي مع إنترفيرون بيتا-1A، وهو من الأدوية المثبطة للمناعة الأخرى، ويُستخدم غالباً في علاج التصلّب المتعدّد. وأُعيد الدواء إلى السوق الأمريكي عام 2006م في إطار برنامج وصفة طبية خاصة بعد مراجعة معلومات السلامة وعدم وجود أيّ حالة وفاة أخرى. وحتى يناير عام 2010م نُسبت 31 حالة من اعتلال بيضاء الدماغ المتعدّد البؤر المتقدّم إلى ناتاليزوماب، ولم تسحبه هيئة الغذاء والدواء من السوق بسبب فوائده السريرية التي تفوق مخاطره. وتمّت الموافقة على استخدامه البشري في الاتحاد الأوروبي لعلاج التصلّب المتعدّد فقط، على أن يكون علاجاً وحيداً؛ لأن الشركات المصنّعة عزت حالات الوفاة إلى استخدام المرضى أدويةً أخرى معه.

ألاتروفلوكساسين Alatrofloxacin

مضاد حيوي واسع الطيف من زمرة الكينولونات، سُحب هو وتروفافلوكساسين من السوق الأمريكي عام 2001م لأنه كان يسبّب تسمّم الكبد الذي يمكن أن يؤدي إلى الموت.

ريمونابانت Rimonabant

اسمه التجاري هو أكومبليا Acomplia، وهو دواء مُفقد للشهية، وقد سُحب من الأسواق بسبب أعراضه الجانبية الخطيرة، وثبت استخدامه وتسويقه في أوروبا والدول الأخرى، لكن لم يُصرَّح به في الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ كان مُتاحاً في أوروبا منذ يوليو عام 2006م، وأصبح ابتداءً من عام 2008م متاحاً في 56 بلداً. لكن أعلنت شركة الأدوية سانوفي أفنتيس، التي غيّرت اسمها عام 2011م إلى (شركة سانوفي)، أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أول دولة بِيع فيها دواء أكومبليا، وأن ذلك كان في يوليو عام 2006م، كما أنه -حسب الشركة- بيع عام 2007م في كلٍّ من: الدنمارك، وأيرلندا، وألمانيا، وفنلندا، والنرويج. والثابت أن هيئة الغذاء والدواء الأمريكية رفضت عام 2007م السماح بتداول هذا الدواء علاجاً للسمنة، كما أن وكالة الأدوية الأوروبية، التي تصادق على تداول المنتجات الطبية للاستخدام البشري، قرّرت أن مخاطر أكومبليا تفوق فوائده.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *