د. حذيفة أحمد الخراط - اختصاصي جراحة التجميل والحروق

رحلة الدواء في جسم الإنسان

تُعدّ مادة الدواء جوهر علم الصيدلة، ومحوره الرئيس، وتمرّ هذه المادة بسلسلة طويلة من التفاعلات التي تطولها داخل الجسم، بدءاً من لحظة تناولها حتى ظهور أثرها المنشود. وليس ثمة إنسان لم يتناول ذات يوم دواءً شعر أن جسمه بحاجة إليه لعلاج داء طارئ ودخيل ألـمّ بالجسم على حين غفلةٍ من صاحبه؛ فمن منّا مثلاً لم يَنَلْ منه الصداع المفاجئ الذي أرّق مضجعه، وأخذت مطارقه توجّه طاقتها من دون رحمة تجاه رأس صاحبه، فسارع باحثاً عن قرص دواء مسكّن يبتلعه ليخفّف حدة هذا العارض المزعج الذي عرض له؟ هذا مثال، وكثير غيره، وهو ما دفع الإنسان قديماً وحديثاً إلى تناول الدواء بحثاً عن ضالّته المنشودة التي جدّ في السعي إليها، ونعني بها حياةً يحياها دونما شكوى من ألم أو مرض.

ثمة تفاعلات كيميائية وفسيولوجية غنية ومعقّدة يشهدها مسرح حافل، وتدور فصولها وأحداثها داخل أجسادنا، من دون أدنى شعور منا أو تحكّم إرادي، ولعل الفضول يدفعنا إلى كشف النقاب عن جزء من المعلومات المتعلّقة برحلة الدواء المثيرة للدهشة في جسم الإنسان. وحقيقة الأمر أن هناك عدة محطات يمرّ بها الدواء داخل الجسم منذ لحظة تناوله حتى ظهور أثره العلاجي أو الوقائي المرجو، ونتاج ذلك تـحرّر طاقة كامنة تنطلق من ذاك الدواء فتعالج المشكلة بإذن الله، وتزيل الشكوى المؤرّقة، كأن شيئاً لم يكن.

ما الدواء؟

الدواء Drug هو مادة طبيعية أو مصنعة يتناولها الإنسان بغية تحقيق هدف علاجي(1)، أو وقائي(2)، أو تشخيصي(3). وقد تطوّر العلم الحديث في سبر أغوار مادة الدواء، وكشف النقاب عن كثيرٍ من الغموض الذي يلفّ هذه المادة السحرية الفاعلة، وما يعتريها من تغيّرات وتفاعلات حيوية عقب دخولها أجسامنا، وظهر نتيجة ذلك علم متخصّص اسمه (علم الأدوية Pharmacology)، الذي يتناول في دراسته أصناف الدواء المختلفة، واستخداماتها العلاجية والوقائية والتشخيصية، وما يدور نتيجة تناولها من تفاعلات حيوية داخل أجسامنا، وما قد يظهر في جسم متناولها من تأثيرات جانبية ذات نتائج متباينة.

هناك مصادر مختلفة لما نتناوله من أدوية، ولعلّ بعضنا يعتقد أن الدواء ما هو إلا مادة كيميائية أنتجتها تفاعلات معقّدة، وتلاعبت بها أيادي العلماء في أقبية مختبراتهم، حتى ظهر الدواء في صورته النهائية، لكن حقيقة الأمر أن تلك التفاعلات الكيميائية ليست المصدر الوحيد الذي نحصل من خلاله على حاجتنا من الدواء؛ إذ ثمة مصادر أخرى تمدّ العالم بحاجته من الأدوية المختلفة، ومن ذلك:

– يعدّ عالم النبات من حولنا مصدراً غنياً بكثير من الأدوية؛ إذ يمدّنا نبات الزعتر -على سبيل المثال- بأدوية فاعلة في علاج حالات الإسهال، ويعدّ لحاء أشجار الكينا Cinchona مصدراً رئيساً لأدوية علاج داء الملاريا، وتُستخرج من نبات السِّنا Senna أدوية تعالج الإمساك.

– هناك أيضاً مصادر حيوانية لبعض الأدوية، وأشهر مثال على ذلك هو مادة (الأنسولين) المعروفة في علاج الداء السكري، التي يمكن تحضيرها من بنكرياس الأبقار مثلاً.

– بعض المعادن في الطبيعة لها خواصّ دوائية تجعلها مصدراً من مصادر الدواء المختلفة؛ إذ يدخل معدن الزئبق -على سبيل المثال- في صناعة بعض المطهّرات والمعقّمات، وتدخل الفضة في صناعة بعض المراهم الجلدية المستخدمة في علاج الحروق المختلفة.

– الأحياء المجهرية أيضاً لها دور مهمّ في إنتاج بعض الأدوية، ولعل مادة (البنسلين) أشهر مثال لها؛ إذ تنتجه بعض الفطريات المجهرية بصورة طبيعية، ويعدّ الفطر المعروف باسم (Penicillium) المصدر الرئيس لهذا المضاد الحيوي.

– معامل الكيمياء لها حضور كبير في تركيب كثير من الأدوية؛ فعلى طاولاتها تنشأ تفاعلات كيميائية بنسبٍ متناهية الدقة بغية الحصول على دواء مطلوب ذي أثر صحي ناجع، وقد يحتاج هذا الدواء إلى تجارب تستغرق سنين بحثية طويلة إلى أن يُعتمد ويُعمَّم استعماله في العالم بعد أن تثبت جدواه الدوائية، وأمانه في جسم متناوله. ومن الأدوية التي تحضّر في معامل الكيمياء مادة (الأسبرين)، التي تذكرها كتب علم الأدوية باسم طويل هو (حامض الأسيتيل ساليسيليك Acetyl salicylic acid).

وتطرأ على الدواء الذي يدخل أجسامنا سلسلة طويلة من الأحداث التي تتعاقب فصولها المتتالية من دون شعورٍ منا أو حسٍّ أو إدراك، وهذا الأمر من دلائل عظيم صنع الله سبحانه وتعالى الذي سخّر لنا في أجسامنا أجهزةً ذات قدرة فائقة على التعامل مع جزيئات الدواء تلك، فتبدأ بذلك رحلة شاقة وطويلة يسافر فيها الدواء داخل الجسم إلى أن يظهر أثره المطلوب، سواء أكان علاجياً أم وقائياً.

رحلة الدواء في جسم الإنسان

تنقسم رحلة الدواء داخل أجسامنا إلى خمس مراحل، هي:

– دخول الدواء إلى الخلية:

يتوجّب على جزيئات الدواء المتناولة عبور غشاء الخلية Cell membrane، وهو حاجز منيع يحول دون تجوال الدواء بحرية وسهولة، ويمنع انتقاله عبر سائل الدم إلى أنسجة الجسم المختلفة. ويجب أن يجد هذا الدواء وسيلةً ما يحتال بها على هذا الحاجز، وينجح من خلالها في اختراق هدفه. وهناك عدة وسائل يتحايل بها الدواء على غشاء الخلية كي يسمح له بدخولها، منها:

– انتشار الدواء عبر ذوبانه في الدهون Diffusion: وهو ما يحدث مع أقراص الأسبرين -مثلاً- التي تذوب بسرعة في الدهون، فيسمح لها ذلك بعبور غشاء الخلية الدهنية في المعدة بسهولة، فتنتقل منها إلى مجرى الدم الذي سيُوصله إلى أنسجة الجسم المختلفة.

– الارتشاح Filtration: ويُقصد به مرور جزيئات الدواء الصغيرة التي تذوب في الماء عبر مسامات صغيرة في غشاء الخلية.

– يساعد ما يُعرف بـ(الحامل الخاصّ Special Carrier) بعض الأدوية على ولوج الخلايا بطرائق مختلفة تسهل عملية ذوبان الدواء ودخوله إلى الخلية بيسر ومرونة.

– تقوم بعض الخلايا بعملية فريدة تـجبر من خلالها الدواء على دخول الخلية بغية الاستفادة منه، وتحيط هنا الخلية بالدواء المستهدف من جميع الجهات، وتدفعه إلى دخولها قسراً، وهو ما يحدث مع أدوية الفيتامينات مثلاً.

– امتصاص الدواء:

نعني بامتصاص الدواء Absorption عبوره من الخلية نحو مجرى الدم، وتحكم هذه العملية عدة عوامل، منها:

– تـمتصّ خلايا الجسم الأدوية السائلة بصورة أسرع من الأقراص الصلبة، كما أن امتصاص المادة الدوائية المأخوذة عبر الحقن الوريدية أسرع من تلك المأخوذة عبر الحقن العضلية.

– تمتصّ المعدة والأمعاء السليمتان الدواء بشكل أسرع، وفي المقابل تضعف بعض أمراض المعدة والأمعاء عملية امتصاص الأدوية فيهما.

– امتصاص الأدوية غير العضوية Nonorganic drugs أسهل من الأدوية العضوية Organic، وكذلك هو الحال مع الأدوية التي تذوب في الماء؛ فإن امتصاصها أسرع من تلك التي تذوب في الدهن. ومن جهة أخرى، كلما كانت جزيئات الدواء أصغر، وتركيزها أعلى، كانت عملية امتصاصها أسرع.

– كثيراً ما يؤدّي تناول دواء ما إلى تقليل امتصاص دواء آخر؛ فمادة الأدرينالين -مثلاً- تضيّق الأوعية الدموية، وهو ما يضعف امتصاص ما يتناوله المريض من الأدوية الأخرى.

– محتوى المعدة من الطعام والشراب له تأثير في امتصاص بعض الأدوية؛ فشرب الشاي -مثلاً- يقلّل امتصاص أقراص معدن الحديد.

– انتشار الدواء:

بعد تناول الدواء، وامتصاصه داخل خلايا الجسم، تبدأ مرحلة جديدة تُعرف بمرحلة (انتشار الدواء Distribution)، ويقصد بها وصول جزيئات المادة الدوائية إلى أنسجة الجسم المختلفة منقولةً عبر جريان الدم. وتتفاوت نسب الدواء المنتشر داخل الجسم بين نسيج وآخر، ويخضع ذلك لمعدل جريان الدم داخل كلّ نسيج؛ فالقلب والكلى والدماغ والكبد -مثلاً- تتلقّى جرياناً دموياً مكثفاً، وهو ما يعني وصولاً سريعاً لجزيئات الدواء الآتية باتجاهها، وعلى خلاف ذلك تتأخّر المادة الدوائية بعض الشيء في الوصول إلى أنسجة العضلات والأمعاء والجلد؛ بسبب ضعف ترويتها الدموية مقارنةً بما سبقها من أعضاء الجسم.

– التغيّر الحيوي للدواء:

تعدّ عملية (التغيّر الحيوي Biotransformation) المحطة الكبرى في رحلة الدواء الطويلة داخل جسم الإنسان، ويُقصد بها تغيّر الدواء عبر تفاعلات كيميائية خاصة من صورته المتناولة إلى صورة المادة الفعالة التي تحقّق الهدف العلاجي أو الوقائي المنشود. وتُسند مهامّ القيام بهذه العملية المعقّدة إلى الكبد؛ إذ تتفاعل إنزيماته حيوياً مع جزيئات الدواء التي تصل إليها، فتـغيّر من معالمها الكيميائية، وهو ما ينتج منه ظهور خلاصة مُنتخبة من جوهر المادة الفعالة تلك. كما تسهم الكلى والرئتان والجهاز الهضمي بجزء من عملية التغيّر الحيوي لما يدخل أجسامنا من دواء.

يظهر الأثر المطلوب لما نتناوله من دواء بعد سلسلة طويلة من التفاعلات الكيميائية المعقدة داخل الجسم مروراً بالمراحل المذكورة آنفاً، ويعمل الدواء المتناول في أجسامنا ضمن مسارات مختلفة تقود في نهاية المطاف إلى تخفيف حدة الأعراض المرضية التي يشكوها المريض، ومن تلك المسارات:

– الطريقة الكيميائية: مثل إعطاء مضادات الحموضة التي تقوم بعلاج زيادة حموضة المعدة، فيزول الشعور المزعج لدى المريض.

– بعض المضادات الحيوية لها القدرة على مهاجمة الكائنات الحية المجهرية(4) التي تسبّب المرض، وهو ما يقود إلى قتلها بصورة مباشرة، أو إيقاف نموها وتكاثرها، فتقلّ أعداد تلك الأحياء الدقيقة في الجسم شيئاً فشيئاً.

– تحـدّ أدوية علاج داء السرطان من عملية انقسام الخلايا السرطانية الشاذة، وهو ما ينقص أعداد تلك الخلايا، ويوقف نمو الورم السرطاني.

– إخراج بقايا الدواء من الجسم:

تنشأ عن تعرّض الدواء لعملية التغيّر الحيوي نواتج كيميائية، ومخلّفات غير ذات قيمة أو جدوى، سرعان ما تتراكم في خلايا الجسم، ويجب أن تخضع تلك المواد لعملية إخراجها من الجسم بغية تنقية الدم والأنسجة المختلفة من أثرها السامّ. ولكبد الإنسان دوره المهمّ في عملية إخراج الدواء، ويظهر أثر ذلك في تحويل بعض الأدوية إلى جزيئات صغيرة يسهل على الجسم التخلص منها. وثمة طرائق كثيرة ينظّف خلالها الجسم ما علق بأنسجته وخلاياه من شوائب دوائية، منها:

– إخراج الجهاز البولي الأدوية التي تذوب في الماء عبر البول، مثل (البنسلين).

– التخلّص من بعض أدوية التخدير عبر الجهاز التنفسي مع هواء الزفير الذي يـخرج من الرئة.

– طرح بعض الأدوية عبر الجهاز الهضمي عن طريق اللعاب، أو ممزوجة مع فضلات البراز.

– خروج أجزاء من مخلّفات الدواء مع سائل العرق، أو مع حليب الأم المُرضع، أو عن طريق الشعر والخلايا الجلدية المتساقطة.

في النهاية، رحلة الدواء الطويلة، ومساره العجيب في جسم الإنسان، لهما من دلالات عظيم صنع الله تعالى وإبداعه في خلق أجسامنا، فسبحان مَن علّم هذا الإنسان ما لم يعلم، وسبحان من أراه آياته في الآفاق وفي نفسه البشرية، وسخّر له ما في الكون، وسهّل عليه اكتشاف ما يفيده من حقائق ومعلومات تنطق بوحدانية الله.

المراجع:

(1) من أمثلة ذلك تناول مادة الباراسيتامول Paracetamol لعلاج الألم.
(2) مثل تناول أدوية خاصة للوقاية من الإصابة بداء الملاريا.
(3) من ذلك استخدام قطرات خاصة في العين لتشخيص ما نزل بها من داء.
(4) الكائنات الحية المجهرية عالم خفيّ يحوي مليارات الكائنات الحية التي لا تُرى بالعين المجردة، بل تحتاج إلى عدسات المجهر المكبّرة. ويضم عالم الميكروبات كلاً من: الفيروسات Viruses، والبكتريا Bacteria، والفطريات Fungus، والكائنات الأوّلية Protozoa، ولكلٍّ من تلك الكائنات خصائصها، وأشكالها المختلفة، وطرائق تكاثرها التي تمتاز بها.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *