د. ليلى صالح العلي - أكاديمية عراقية، عضو الجمعية العالمية لهندسة البصريات

قد يكون لبس النظارات مزعجاً في بعض الأحيان، خصوصاً عندما نكون في فضاء مشمس، ونضطرّ إلى نزعها ولبس النظارات الشمسية، وحالما ندخل إلى داخل البيت، أو أيّ بناية أخرى، علينا نزعها والعودة إلى لبس النظارة الطبية مرةً أخرى؛ لذلك تحوّل كثير من الناس إلى لبس نظارات التلوين الضوئي photochromic للتخلص من هذا الإزعاج؛ لأن زجاج عدساتها يتلوّن حسب قيمة الشدّة الضوئية؛ فصفاء عدساتها يتحوّل إلى لون معتم عند وجودنا في جو مشمس أو فضاء منير، وتسترجع صفاءها وشفافيتها التامة عندما ندخل داخل الأبنية، أو إلى أيّ مكان فيه ظلّ، فكيف يحدث ذلك؟ وما الأسس العلمية لحدوثه؟

النظارات الشمسية التقليدية

تقوم النظارات الشمسية التقليدية بحجب بعض الضوء الساقط عليها بإحدى طريقتين معروفتين، هما:

– تكون النظارة مطليةً بمرشّحات ملوّنة تسمح فقط بمرور الضوء الذي يكون بلون مادة المرشّح، وتمنع بقية الطيف من المرور. ولأن هذه العملية ستسمح لجزء قليل فقط من الضوء بالمرور فإننا سنرى صورةً معتمةً بعض الشيء عما يحيط بنا.

– يُحجب جزء من الضوء باستعمال عدسات مُستقطِبة Polarizing lenses، تستند في عملها إلى ظاهرة استقطاب الضوء. ولفهم هذه الظاهرة بشكل مُبسَّط نقول: الضوء حركة موجية تشبه حركة أمواج البحر، أو حركة المياه في بركة أو حوض عندما نلقي فيها حجراً، والحركة الاهتزازية لجزيئات ماء الأمواج أو البركة أو الحوض تكون فقط في اتجاه الأعلى والأسفل صعوداً ونزولاً، أما الحركة الاهتزازية لمجالات الضوء فهي تكون في جميع الاتجاهات، ولا تقتصر على أيّ اتجاه محدّد. وهناك مواد طبيعية أو مُصنَّعة تسمح فقط للضوء المهتزّ في اتجاه محدّد بالمرور من خلالها، ويسمى الضوء الخارج أو المار من هذه المواد بـ(الضوء المُستقطَب Polarized Light)، وتُصنع مُرشِّحات العدسات الاستقطابية من مواد تسمح فقط بمرور مُركّبة مجالات الضوء المهتزّة في اتجاه معين، وتمنع بقية المُركّبات من المرور. ويتكون المُرشِّح من سلسلة طويلة من البلورات المايكروية مرتّبة داخل المُرشِّح في الاتجاه نفسه؛ إذ يجري في أثناء التصنيع شدّ السلسلة الطويلة من البلورات لتنتظم في الاتجاه نفسه قدر الإمكان، وليكن الاتجاه العمودي مثلاً. وعندما يسقط على النظارات الاستقطابية ضوء اعتيادي غير مُستقطَب؛ مثل: ضوء الشمس، أو ضوء المصباح الكهربائي، يقوم المرشِّح بامتصاص جزء الضوء الذي يهتزّ في الاتجاه العمودي؛ أي أن العدسات ستعمل تقريباً مثل شقوق صغيرة جداً تسمح بمرور الضوء الذي يهتزّ في اتجاه معين فقط، وهي بذلك تكون مثل العدسات المطليّة بمُرشِّحات ملونة. ولأنها تسمح فقط لجزء من الضوء الساقط عليها بالمرور، وتمنع جزءاً آخر من المرور، فإننا سنرى عالماً أقلّ سطوعاً، يميل لونه إلى الرمادي بدلاً من الألوان الطبيعية.

تختلف تقنيات نظارات التلوين الضوئي عن تقنيات النظارات الشمسية التقليدية تماماً؛ فعملها يعتمد على كيفية استجابتها، أو ردّ فعلها، للأشعة فوق البنفسجية. وتصل إلينا هذه الأشعة من الشمس بغزارة، لكن أعيننا لا تستطيع أن تراها؛ بسبب عدم وجود متحسّسات بصرية في شبكية العين لقيم تردّداتها، التي تزيد على تردّد اللون البنفسجي. وعندما نكون داخل بناء تبقى هذه العدسات شفافةً لقلة وجود أشعة فوق بنفسجية أو عدم وجودها بسبب امتصاص النوافذ والجدران أغلبها، وعندما نكون في الخارج تحت أشعة الشمس يسقط عليها كثير من الأشعة فوق البنفسجية الآتية من الشمس، فتتحوّل إلى الإعتام.

ابتكار عدسات التلوين الضوئي

تتكوّن كلمة photochromic من دمج كلمتين إغريقيتين، هما: كلمة photos، وتعني (ضوء)، وكلمة chroma، وتعني (لون)، وبذلك يكون معنى photochromic هو الشيء الذي يغيّر لونه عندما يتعرّض للضوء. وتمّ ابتكار الزجاج المتلوّن ضوئياً منذ ستينيات القرن الماضي عن طريق العالميْن: وليم آرمستيد William Armistead، وستانلي ستوكي Stanley Stookey، وحصلا على براءة اختراع عنه عام 1962م. وكان اختراعهما يشبه بعض الشيء طريقة اسوداد اللوح الفوتوغرافي في الكاميرات الفوتوغرافية؛ إذ كان الفلم يحوي بلورات من مركبات الفضة التي تتحوّل إلى فضة سوداء عند تعرّضها للضوء، واحتوى ابتكارهما العدسة التلوينية على بلورات من مركبات الفضة التي تتحول إلى دقائق مايكروية من معدن الفضة عند تعرّضها للضوء، وهنا نسأل: كيف يمكننا أن نرى من خلالها إذا كانت الدقائق المايكروية من معدن الفضة تنتشر فيها، والفضة معدن معتم؟ ويجيب العالمان عن هذا السؤال بقولهما: «ما نحتاج إليه من بلورات مركبات الفضة قليل جداً، ولا يتجاوز واحداً من الألف من الحجم الكلي، وحجم البلورة الواحدة يقلّ عن 0.1 مايكرون؛ أي: أقلّ من واحد من عشرة آلاف من الملليمتر. وتختلف حالة عدستنا عن حالة اللوح الفوتوغرافي؛ فهي تعود إلى حالتها الشفافة عندما يرجع مستوى الإضاءة إلى حالته الأصلية، على خلاف اللوح الفوتوغرافي الذي يبقى مسوداً بصورة دائمة».

الأسس العلمية لحدوث ظاهرة التلوين الضوئي

تستعمل العدسات الحديثة مواد بلاستيكية بدلاً من المُركّبات الكيميائية للفضة، وهذه المواد هي جزيئات عضوية كاربونية تُسمَّى (بيران نفطي naphthopyrans)، وتستجيب هذه الجزيئات للضوء بشكل مختلف شيئاً ما عن استجابة اللوح الفوتوغرافي؛ فهي تغيّر تركيبها الجزيئي عند تعرّضها للأشعة فوق البنفسجية، وتقوم في تركيبها الجزيئي الجديد بامتصاص أغلب الضوء الاعتيادي، وتمنعه من المرور خلالها، وهو ما يجعلها تُعْتم، وكلما تعرّضت لأشعة فوق بنفسجية أكثر زاد الإعتام. ويمكننا تصوّر سبب إعتام جميع العدسة بسبب وجود عدد كبير من الجزيئات العضوية تحوّل إلى الإعتام فجأةً داخل العدسة الشفافة، وهو ما يشبه إلى حدٍّ ما حال إسدال ستائر شريطية على نافذة في يوم مشمس؛ فكلما دوّرنا الشرائط أكثر حجبنا كمية ضوء أكثر. والجميل في هذا الاختراع هو سرعة الاستجابة؛ فهي تمنع نحو50% من شدة الضوء خلال الدقيقة الأولى، وتصل هذه النسبة إلى نحو 80% خلال ربع ساعة فقط.

المساوئ والمعوّقات

أهم مساوئ هذه التقنية أنها تأخذ وقتاً أطول في التحول إلى الشفافية من الوقت الذي تأخذه للإعتام؛ فهي تأخذ في المتوسط نحو خمس دقائق لتستعيد 60% من شفافيتها، وتأخذ نحو الساعة لكي تستعيد شفافيتها كاملةً. والسيئة الأخرى أنها عند الخروج إلى مكان مكشوف تبدأ بالعُتمة، سواء أكان الجو غائماً أم صحواً، وسبب ذلك أن الأشعة فوق البنفسجية تصل إلينا بوفرة على الأرض حتى لو كان الجو غائماً. والأسوأ من كلّ ذلك أن الجزيئات العضوية بها تستجيب كذلك للحرارة؛ فهي تُعتم بشكل أكبر في الجو البارد، ويعني ذلك أنها تكون في أفضل أداء لها خلال فصل الشتاء، وتكون في الصيف أقلّ كفاءةً، وهو عكس ما نرغب فيه؛ فنحن نتمنّاها أن تكون أكثر إعتاماً في فصل الصيف. وقد تضعنا هذه الحالة أمام مخاطر جسيمة عند قيادة السيارت أو الدراجات في فصل الشتاء؛ لذلك لا يُنصح باستخدامها في أثناء القيادة شتاءً. والسيئة الأخيرة لهذه التقنية أنها لا تُعمِّر طويلاً؛ فبعد استعمالها نحو ثلاث سنوات تقلّ قدرتها على التحول من الشفافية إلى الإعتام، والعكس. ولا يكون هذ العائق مهماً عادةً؛ لأن أغلب من يرتدي النظارات الطبية يقوم بتبديل نظارته خلال مثل هذه المدة أو أقلّ. لكن على الرغم من كلّ ما ذكرنا يبقى هذا الاختراع مفيداً جداً للأشخاص الذين يكرهون تبديل نظاراتهم عشرات المرات في اليوم كلما خرجوا خارج منازلهم.

الانحلال أو التفسّخ الضوئي

ذكرنا أن عدسات التلوين الضوئي شريحة بلاستيكية تغيّر لونها تناوبياً أو تبادلياً؛ فهي تُعتم في الشمس وفي الفضاء المفتوح، وتعود إلى لونها الفاتح أو الشفاف عندما نبعدها من الشمس. وهناك في الأسواق كثير من المواد البلاستيكية التي تغيّر لونها إذا تعرّضت للشمس، لكن لا يكون هذا التغيير بشكل تبادلي، وتحيل كثرة التعرض للشمس بعض البلاستيك الشفاف تماماً إلى اللون الأصفر، ويُسمَّى هذا التغيّر التدريجي في اللون بالانحلال أو التفسخ الضوئي photodegradation، ويعود سببه إلى كون الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء الموجودتين في ضوء الشمس تتسبّبان في تفتّت جزيئات البلاستك الكبيرة إلى قطع صغيرة، وهذا التغيير في اللون غير مرغوب فيه إطلاقاً في عالم العدسات الطبية، لكن هذا التأثير الذي يبدو مضراً هنا يكون مفيداً في تطبيقات أخرى؛ فهو -مثلاً- يمكن أن يكون مفيداً في التخلص من بعض النفايات التي يمكن أن تبقى في البيئة مئات السنين؛ فالبلاستيك العضوي والبلاستيك المنحلّ عضوياً biodegradable plastics صُنعا لكي يضمحلا بهذه الطريقة.

———————-

المراجع:

-www.transitions.com/en-in/why…/the…/photochromic-technology/.

-http://www.technologystudent.com/joints/photchrom1.html.

-www.anysunglasses.com/…/advantages-and-disadvantages-of-photoc.

-photochromiclens.blogspot.com/…/advantages-and-disadvantages.ht.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *