د. علي الشامي - طبيب نفسي، عضو اتحاد كتّاب مصر

من باريس مع حبي.. ومن القدس أيضاً

هل زُرتَ باريس من قبلُ؟ وهل وجدتَ تشابهاً بين روايات ألكسندر دوما -الأب والابن- وفيكتور هوجو واللوحات الفنية والقطع الأثرية الممثّلة لجميع حضارات البشرية في متحف اللوفر وبين الواقع الذي رصدتَهُ حال وصولك إلى مطار شارل ديجول؟

تفرّد اليابانيين والصينيين

من ضمن ملايين السائحين الذين يصلون إلى باريس سنوياً من مختلف جنسيات العالم نجد اليابانيين متفرّدين في ظاهرة نفسية خطيرة، يشاركهم فيها الصينيون طبقاً لتقارير طبية حديثة، وتُدعى هذه الظاهرة (متلازمة باريس). وتعني متلازمة، أو زملة في بعض الترجمات، تلازم ظهور أعراض بعينها ترافق حدوث المرض. الحدث هو زيارة باريس، وأعراض المتلازمة هي حالة نفسية تنتاب زائر عاصمة النور، وتتمثّل في انهيار نفسي، ومشاعر قلق زائدة، وشعور باضطرابات في الإدراك. وتتطور الحالة في بعض الأحيان إلى هلاوس سمعية، وأحياناً بصرية، وهذيان وأفكار ضلالية بالاضطهاد، ونحو ذلك.

صدمة ثقافية

من بين ستة ملايين زائر ياباني لباريس سنوياً، وسبعة ملايين زائر صيني، هناك عشرات الحالات المسجّلة لهذا الاضطراب النفسي الغريب، ومرجع هذا الاضطراب هو صدمة ثقافية بين المُتخيَّل والواقع؛ لأن المتخيّل هو باريس المثالية الكلاسيكية، عاصمة النور والجمال واللوحات الفنية والأزياء العالمية، بينما يصطدم الزائر بالواقع حيث الصخب والزحام الشديد والأصوات العالية، وأحياناً عدم نظافة الشوارع. وطبقاً لبعض الروايات، تتحسّن حالات الاضطراب تدريجياً عند الخروج من باريس، ويحتاج الزائر بعدها إلى الحجز في مصحات نفسية.

ولا تنتهي الصدمات الثقافية عند باريس عاصمة النور والجمال، وإنما تمتد إلى بعض العواصم الأخرى؛ فربما تحدث -طبقاً للحالات المسجّلة- في العاصمة الإسبانية مدريد، لكن الحالة تظلّ منطويةً تحت اسم (متلازمة باريس) حيث تمّ اكتشافها.

متلازمة ستاندال

لا ترتبط الأعراض النفسية، أو الاضطرابات النفسية المرتبطة بالصدمات الثقافية والحضارية، بمكان محدّد أو بعاصمة من دون غيرها؛ فنجد لدينا في مقابل (متلازمة باريس) متلازمة أخرى تُدعى (متلازمة ستاندال)، وهي أكثر غرابةً من سابقتها؛ إذ يواجه المرء أعراضها عند التعرّض لجرعة ثقافية كبيرة من خلال مشاهدة لوحات فائقة الجمال أو قطع أثرية جميلة في أحد المتاحف، أو حتى مشاهدة منظر طبيعي خلاب. ويتعرّض الشخص في هذه المتلازمة العجيبة لنوبات شديدة من القلق النفسي، مع أعراض جسدية؛ مثل: خفقان شديد في القلب، أو ضيق في التنفس، وتعرّق شديد، وتصل أحياناً إلى نوبات هلع تؤدي به إلى فقدان الوعي، ويُصاب أحياناً بهلاوس سمعية أو بصرية وهذيان، مع بعض الاضطربات الانشقاقية/ التحولية، وأفكار ضلالية شديدة، وتغيّر في مستوى الوعي. وتُنسب هذه المتلازمة النفسية إلى الكاتب الشهير ستاندال، الذي روى تجربته بعد زيارته مدينة فلورنسا في إيطاليا -لذلك تُعرف المتلازمة أحياناً بـ(متلازمة فلورنسا)- في القرن التاسع عشر الميلادي، وتحديداً عام 1817م، وكان حينها في الرابعة والثلاثين من عمره. ويمكن السيطرة ذاتياً على الاضطراب من دون الدخول في اضطراب عقلي شديد، لكن يلزم بعض العلاج النفسي التدعيمي لتخطّي الأزمة الناشئة عن الجرعة الثقافية الزائدة.

ليست الجرعات الثقافية الزائدة وحدها هي المسؤولة عن الاضطرابات النفسية، بل هناك أيضاً في بعض الأحيان حالات غريبة من الإصابة بالاضطرابات النفسية أو العقلية نتيجة جرعة روحانية/ دينية زائدة، أو لنقل: صدمة دينية، ويحدث ذلك فيما يُسمى بـ(متلازمة القدس)، وتصيب هذه المتلازمة المرضية زوّار المدينة العتيقة من جميع الأديان؛ فنجد سنوياً نحو 100 إصابة جديدة، وتمتلئ مصحّات القدس بمرضى (متلازمة القدس)، ويُصاب المرء في هذه المتلازمة بهلاوس وضلالات دينية؛ فنجد مدّعي النبوة والمخلصين والكهنة يدورون في شوارع القدس لتخليص العالم من الشرور. ومن اللطيف أن أهالي المدينة المقدسة اعتادوا مثل هذه الأمور، حتى بات من غير اللافت أن تجد أشخاصاً مدّعين للألوهية أو مسوحاً أو شياطين أو كهنةً على سبيل الادّعاء بالطبع.

ولا تنفرد مدينة القدس وحدها بهذه الظاهرة، وإن كانت تعدّ الأشهر؛ لذلك سُمِّيت الظاهرة باسمها؛ فنجد الظاهرة تشمل جميع الأمكنة المقدسة عند كلّ الأديان، لكن الظاهرة غير خاضعة لأرقام بحثية في أمكنة أخرى.

وتستلزم (متلازمة القدس) الحجز في المصحة النفسية عدة أسابيع، وتُعامل علاجياً معاملة مرض الفصام، ويجب التفرقة بينها وبين مرض الفصام بأنواعه المختلفة، وبينها وبين النوبات الذهانية الحادة التي تصيب بعض الناس، وإن اشتركت معهم في وجود تاريخ مرضي وأعراض ذهانية تسبق الإصابة بالمتلازمة من قبل الوجود في الأمكنة المقدسة.

———————

المراجع:
(1) New oxford textbook of psychiatry by Michael gelder and nancy andreasen.
(2) Textbook of psychiatry the American publishing textbook of psychiatry.
(3)Rare and unusual psychiatric syndrome– Medscape.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *