خالد التركاوي - طبيب وأكاديمي سوري يقيم بالرياض

أطفال رومانيا في محنة كيف يخرب الحرمانُ الدماغ ويفسد بهاءه؟

حكم نيكولاي شاوشيسكو رومانيا قرابة ربع قرن (1965 – 1989م)، فزادها رهقاً، وملأ جنباتها بؤساً، حتى لم تبقَ زاوية فيها إلا وأنبتت للمعاناة شجرةً خبيثةً. وحينما انهار نظامه انكشف الغطاء عن منظومة مريعة للفساد، امتدت أذرعها إلى كلّ مناحي الحياة. كانت المآسي كثيرةً، لكن مأساة أطفال الملاجئ كانت واحدةً من أكثرها ضرراً، وأشدّها إيلاماً.

أصل المشكلة

توهّم شاوشيسكو في ذروة سلطانه -كعادة المستبدين- أنه يحتكر الوصفة المثالية للتنمية والتقدم، وتلخّصت رؤيته -بل قُلْ: عَمايته- في أن بناء اقتصاد قويّ يمر عبر زيادة اليد العاملة القادرة على الإنتاج؛ لذلك عمد الى سنّ عدد من التشريعات المشجعة على الإنجاب، اشتملت على: منع الإجهاض، وتجريم منع الحمل، وفرض ضريبة على الأسر التي يقلّ عدد أطفالها عن خمسة أطفال (ضريبة العفة). وأدّت هذه السياسات -كما هو متوقّع- إلى زيادة حادة في معدل المواليد، وإرغام كثير من الأسر على إنجاب أطفال أكثر من قدرتها على الإعالة. وبدعوى تخفيف العبء عن الأسر الفقيرة شجّعت الحكومة على إيداع هؤلاء الأطفال في مراكز حكومية لرعاية الأيتام، بدلاً من تنشئتهم ضمن عوائلهم. وهكذا أضحى التخلّي عن المواليد (هجرهم) خياراً سائغاً -بل مفضّلاً في بعض الأحيان- لألوف العائلات التي هدّها الفقر، وأنهكها الإملاق، وهو ما ولّد واحدةً من كبرى منظومات الرعاية الحكومية لتنشئة الأطفال في التاريخ.

وفي الوقت الذي جرت فيه الإطاحة بشاويشسكو كان هناك ما يزيد على 170 ألف طفل يعيشون في أكثر من 700 مؤسسة رعاية حكومية تكتظّ بالنزلاء. ولاستمرار الوضع على ما هو عليه حتى بعد قيام الثورة الرومانية اضطرت هذه المؤسسات إلى مواصلة (رسالتها) حتى أهلّ القرن الحادي والعشرون؛ فعندئذٍ  قادت ضغوط من الاتحاد الأوروبي إلى إصدار تشريع يمنع وضع الأطفال ممّن هم دون السنتين -ما لم يكونوا شديدي الإعاقة- في مثل هذه المراكز، وتزامن ذلك مع جهود منهجية بغية إغلاقها، ولمّ شمل الأطفال مع أسرهم، أو وضعهم في مراكز أصغر حجماً تحاكي في بنيتها أجواء الأسر التقليدية إلى حدٍّ ما.

المنظومة الرومانية

تنبغي الإشارة هنا إلى أن المنظومة الرومانية لرعاية الايتام والأطفال المهجورين ليست بدعاً من النظم؛ فقد ظهرت مؤسسات مشابهة لها في العصور الوسطى، وترسّخ وجودها في غرب أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي بسبب الحروب، وتفشّي الأوبئة، والهجرة من الأرياف، أما الآن فقد أصبحت مراكز الرعاية ظاهرةً عالميةً. ومع انتشار الصراعات المسلحة في العالم، واستفحال الأوبئة، خصوصاً في إفريقيا، غدا ملايين الأطفال بلا أُسرٍ تؤويهم وتنشئهم؛ لذلك فإن إلقاء نظرة متفحّصة على ما تعلّق برعاية الأطفال من ميراث عهد شاوشيسكو يعدّ أمراً واجباً؛ فتنشئتهم في بيئة حرمان كهذه، مع ما تحدثه من أثر سلبي في أدمغتهم وتطورهم السلوكي، ثم تركهم عند يفاعتهم لمواجهة مصاعب الحياة من دون سند أو معيل، قادا كثيراً منهم إلى حياة التشرّد، أو إدمان المخدرات، أو كليهما معاً.

كانت شبكة رعاية الأطفال الرومانية تُديرها جهات حكومية متعددة، وكان المولودون في الأرياف غالباً ما يُجلبون مباشرةً إلى المراكز، أما مَن يُولدون في مشافي الولادة فقد كانوا عادةً ما يُتركون هناك ليمضوا مدةً، ثم ينقلون بعدها إلى مراكز يشرف عليها أطباء يفتقرون في معظم الأحيان إلى التأهيل الجيد، والعتاد المناسب، أما المربّون أو المربيات فكانوا من ذوي الخبرة المتواضعة. وبسبب عملهم المضني، آثر بعض العاملين عدم الانخراط فيما يدور حولهم، واختصوا طفلاً أو اثنين بجلّ وقتهم، تاركين الآخرين من دون عناية تُذكر. وإذا بلغ الأطفال سنّ الثالثة أُخضعوا لتقويم صحي للتعرّف باكراً إلى مَن يُعتقد أنهم لن يصبحوا أبداً مواطنين منتجين؛ لذلك كان بمقدور الحكومة أن تؤمّن بثمنٍ بخسٍ (مخازن) لإيواء الأطفال المعيّبين بحجة أنهم لن يتعافوا، وأن تُنفق ما تيسّر لها من موارد على آخرين يتمتّعون بإمكانية الشفاء.

مشروع بوخارست

حاز مفهوم (المرحلة الحساسة في تطور الدماغ) على اهتمام متزايد في تسعينيات القرن الماضي عندما انشغل الباحثون بمجموعة دراسات تمحورت في معظمها حول الخبرات الحياتية المبكرة وتطور الدماغ، لكن دراسةً وحيدةً تميّزت بتركيزها في الأطفال الذين عاشوا تجربة الحرمان (الهجر) في سنّ مبكرة، وأطلق عليها (مشروع بوخارست للتدخل المبكّر ΒΕΙP)، واستمرت هذه الدراسة زهاء أربعة عشر عاماً، وظهرت نتائجها مؤخراً في كتاب صدر عن جامعة هارفارد بعنوان: (أطفال رومانيا المهجورون).

باختصار، تعود قصة المشروع إلى عام 1998م عندما تلقّى مجموعة من الباحثين دعوةً من الحكومة الرومانية لدراسة مدى نجاح خيار التبنّي أو الرعاية العائلية بديلاً عن برامج الرعاية المؤسسية المعتادة. وواجه فريق البحث عند البدء تحدّيات جمّة، تمثّلت في الأسئلة المثارة حول الأبعاد الأخلاقية لإجراء مثل هذه الدراسة، التي تعتمد على مبدأ التصميم العشوائيRandomized ، على هؤلاء الأطفال، ومدى زيادتها من معاناتهم، واحتمال تعرّضهم لمخاطر أخرى فوق ما هم فيه، وتكلفتها، وجدواها. وكالعادة، كان هناك مَن يقف بالمرصاد مشكّكاً في جدوى الدراسة كليةً من دون أيّ سبب وجيه، إضافةً إلى المعارضة الشرسة والمتوقعة ممّن يستفيدون من الواقع القائم.

تمّ استقطاب 163 طفلاً لهذه الدراسة، راوحت أعمارهم بين سبعة أشهر و33 شهراً، ووزّعوا إلى مجموعتين، خُصِّصت إحداهما للتبنّي، وتُركت لتتلقّى الرعاية التقليدية في الملاجئ، وأُجريت فحوص طبية ونفسية منتظمة بفواصل زمنية محددة على الأطفال في كلتا المجموعتين، كان آخرها عندما وصلوا إلى سنّ 12 عاماً. وفي إطار السعي إلى الإقلال من المحاذير المصاحبة لهذه الدراسة، ومنع تعريض الأطفال قيد الدراسة لمخاطر جديدة، أُوكلت مهمة توزيعهم على مجموعتي البحث إلى الجهة الحكومية المعنية بحماية الطفل، كما أخضعت الدراسة طوال مدتها لمراقبة صارمة ومستمرة من عددٍ من لجان المراجعات الأخلاقية في جامعات الباحثين وجامعة بوخارست ومن مجلس مراقبة سلامة المعلومات في رومانيا.

نظرة إلى النتائج

أُجريت عند بدء المشروع مقارنة بين الأطفال الذين يعيشون ضمن أسرهم الأصلية ونزلاء مراكز الرعاية الحكومية، وكان الفارق كبيراً على كلّ مقياس تقريباً: النمو، واللغة، والاستيعاب، والقدرة على المحاكاة، وبناء العلاقات الاجتماعية الناجحة؛ فمثلاً: بلغت معدلات اختبارات الذكاء ΙQ عند مَن نشأوا ضمن عائلاتهم نحو 100 درجة (طبيعية)، بينما راوحت عند أقرانهم في مراكز الرعاية بين 60 و70 درجة (إعاقة طفيفة). وأظهرت النتائج النهائية تحسّناً ملحوظاً في معدلات الذكاء عند مَن جرى تبنّيهم، وعاشوا في بيئة أسرية، بخلاف مَن واصلوا حياتهم في الملاجئ، خصوصاً إذا حدث هذا التبنّي قبل سنّ 24 شهراً. وكذلك أظهر فحص الارتباط العاطفي (مقياس لمتانة العلاقة بين الطفل ومَن يرعاه) نمطاً مماثلاً. وعلى ما يبدو، فإن جودة هذا الارتباط تشكّل عاملاً حاسماً في الحدّ من فرص نشوء الاضطرابات النفسية لاحقاً؛ فالأطفال الذين تمكّنوا من إقامة علاقات صحية مع مربّيهم وفي مجالهم الأسري كانوا -إلى حدٍّ كبير- في أمانٍ من الإصابة بالاضطرابات النفسية. كما لوحظ اختلاف في نمط تخطيط الدماغ الكهربي EEG بين أطفال المجموعتين؛ إذ بدا النمط طبيعياً عند مَن أُبعدوا من هذه المراكز، بينما عانى الباقون فيها أنماط نشاط دماغية شاذة. وأظهرت فحوص الرنين المغناطيسي MRI، التي أُجريت في عمر 8-10 سنوات، نقصاً ملحوظاً في حجم الدماغ، وعيوباً في الأجزاء الرابطة بين مختلف مناطقه، عند مَن عاشوا طوال حياتهم في مراكز الرعاية مقارنةً مع مَن حالفهم الحظ وحصلوا على عائلة تبنّتهم. وعلى النقيض من ذلك، لم تسجّل في عمر الثامنة إلا فروق طفيفة بين المجموعتين في عددٍ من الوظائف الذهنية؛ كالاستيعاب، والمرونة، والتحكّم في ردّ الفعل. وكان معدل الإصابة بداء نقص الانتباه وفرط النشاط ADHD قريباً من سنّ الخامسة متشابهاً بين الفريقين.

وعلى الرغم من أن هذه الدراسة أُجريت على أطفال يعيشون في بيئة مأزومة، وينتمون إلى جماعة بشرية محدّدة، إلا أن مخرجاتها تنطبق إلى حدٍّ بعيد على أيّ مجتمع يعاني ظاهرة التفكّك الأسري، وفقدان المعيل، وشكّلت نتائجها صرخة تحذير لكلّ ذي سمع؛ إذ بيّنت بجلاء أن الحرمان المبكر من الرعاية الأسرية يقود إلى اضطرابات في نمو الدماغ، وإلى تشوّهات هيكلية ووظيفية فيه، وقدّمت أيضاً دليلاً مقنعاً على وجود مرحلة حرجة في نمو الدماغ تنبغي مراعاتها، وبدا ذلك واضحاً من التحسّن الذي طرأ على مَن وُضعوا للتبنّي (عناية أسرية) قبل سنٍّ معينة (15-24 شهراً) مقارنةً بمَن وُضعوا بعدها. كما أظهرت الدراسة أن الأطفال ذوي الذكاء المنخفض، الذين يعانون مشكلات سلوكية نتيجة نشأتهم المبكرة في هذه المراكز، غالباً ما يُخفقون في إكمال تعليمهم الثانوي، وتطوير مهارات العمل، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وإقامة علاقات حميمية، أو المساهمة المجتمعية الفعالة. ولعلنا لا نبالغ إذا لخّصنا نتائج هذا المشروع في جملة واحدة: «لا مكان في العالم أفضل من بيت العائلة، ولا رعاية تعدل ما تقدّمه أسرة حانية لطفل في طور النمو»(1).

والمؤسف في الأمر أن هذه المأساة ناجمة في معظمها عن سلسلة من القرارات الخاطئة التي لم تجد في حينها الشجاعة والإرادة اللازمتين لتصحيحها؛ فتعاظمت وتعقّدت حتى غَدَتْ عصيّةً على الحلّ. وعلى الرغم من جهود بعض المنظمات الدولية في هذا الصدد كاليونيسيف إلا أن التعاون الدولي كان هزيلاً، وكذلك كانت النتائج. وغنيّ عن القول: إنه لا بدّ للحلّ الناجح من مضاعفة الجهد، وانتهاج مقاربة مدروسة بعناية وملمّة بالتفاصيل، أما إذا استمرت لا مبالاة مَن يعنيهم الأمر فإن فرص الحياة الكريمة لهؤلاء الأطفال ستتضاءل وتتلاشى مع كلّ يوم يمرّ.

——————–

المراجع:

(1) لقراءة المزيد عن مشروع بوخارست للتدخّل المبكر ΒΕΙΡ يمكن الرجوع إلى المقالة الآتية:

http://www.foreignaffairs.com/articles/142409/charles-a-nelson-nathan-a-fox-and-charles-h-zeanah/forgotten-children.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *