د. سائر بصمه جي - أستاذ تاريخ العلوم الأساسية وإدارة العلوم الفيزيائية

الإبداع والاختراع على الطريقة اليابانية

تدهشنا اليابان كلّ يوم باختراعاتها واكتشافاتها، فنسأل: كيف استطاع هذا البلد أن يقف وينهض بعد أن خرج منهك القوى من الحرب العالمية الثانية، بل مستسلماً، ببنية تحتية مدمّرة تماماً، يعتقد مَن يراها أنها تحتاج إلى مئة سنة حتى تُرمَّم ويُعاد إعمارها؟ ليس هذا فحسب، بل قامت الولايات المتحدة الأمريكية بفرض أنظمتها السياسية والتربوية، حتى الاجتماعية، على العقلية اليابانية؛ ليكون ولاء كلّ الأجيال المقبلة لأمريكا، وليس لليابان.

لكن ما حدث هو أن الإنسان الياباني، المُشبّع بروح (اعمل من أجل أن تجعل أمتك أفضل الأمم)، أثبت أنه لن يتغيّر بأيّ نوع من المتغيرات، وبقي ولاؤه لأهله ووطنه؛ لذلك استطاعت اليابان أن تنهض؛ لأن إنسانها المميّز يريد أن ينهض ويستعيد شخصيته ووجوده، وما هي إلا عقود معدودة حتى أصبحت اليابان عملاقاً اقتصادياً جعل الميزان التجاري للولايات المتحدة الأمريكية معه خاسراً دائماً حتى بلايين الدولارات.

استطاع الإنسان الياباني أن يجتاح بمنتجاته الأسواق الأمريكية، وينافسها فيه، إلى درجة جعلت الأمريكيين يفرضون أكثر من مرة عقوبات اقتصادية على اليابان من أجل الحد من هذا الاجتياح الاقتصادي الياباني.

ولم نرَ اليابان تخلّفت مع كلّ محاولات النيل منها، بل على العكس تماماً تقدّمت تقدّماً أذهل العالم؛ فأطلقوا عليها عدة تسميات، منها (المعجزة اليابانية(1)، حتى إن بعض علمائها حصلوا على جوائز نوبل خلال الحرب العالمية الثانية، وهو ما يعني أن الإنسان الياباني كان يعمل ويبحث ويبتكر على الرغم من كلّ الظروف الصعبة والقاسية المحيطة به، حتى تحت نيران القصف. لقد ركّز الياباني في بنيته الداخلية بمزيج من التحديث والتقليد، وبوعي تعليمي واحترام للتعاون والتجانس، إنها خصائص شكّلت بُعداً إيجابياً في التنمية اليابانية(2).

مقارنات

إذا قارنّا بين اليابان وأيّ دولة أخرى في عددٍ من النواحي نجد الآتي(3):

• جغرافياً: اليابان أكبر قليلاً من إيطاليا، وتعادل نصف مساحة بريطانيا، ولا تزيد على مساحة ولاية فلوريدا، ونقطة في أرض سيبريا الروسية.

• زراعياً: أربعة أخماس مساحة اليابان جبلية، ولا يصلح للزراعة سوى خمسها تقريباً، ومع ذلك اهتمت اليابان باستثمار الغابات، وبذلت جهوداً جبارة في تخزين المياه بكلّ كفاءة، وتُطبق فيها الأساليب العلمية في الري والهندسة الوراثية والميكنة الزراعية والمخصبات الكيماوية، حتى أحدثت طفرةً هائلةً في إنتاج الأرز لسدّ الاحتياجات الوطنية منه.

• صناعياً: تعتمد اليابان على الابتكار العلمي، والتطبيق التقني، والبحث العلمي، وتبدو المصانع في بعض المناطق كأنها سلسلة متّصلة لا تفصلها عن بعضها سوى الجبال، وهي مخدومة بأكبر شبكة مواصلات في العالم، وإدارة ناجحة في العمل الصناعي.

• اقتصادياً: لم تبدأ اليابان بالاقتراض والديون، بل بالعمل المنتج.

• تعليمياً: ابتكرت اليابان أفضل منظومة تعليمية في العالم، خصوصاً في المرحلة الابتدائية، وزرعت فكرة العقلية المنتجة، وليس البحث عن الشهادات والألقاب.

• اجتماعياً: المرأة في اليابان شريك الرجل في العمل من دون التخلّي عن مهامها في المنزل، خصوصاً في مجال العمل الزراعي؛ إذ هناك رغبة شعبية عارمة للعمل المنتج.

• بلد الكوارث الطبيعية: تقع اليابان على خطّ النار في الزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات المدمّرة، وعندما أُلقيت عليها قنبلتان ذرّيتان في أواخر الحرب العالمية الثانية قال الخبراء: لا يمكن أن ينبت زرع على أرض اليابان(4).

أهمية التجربة اليابانية

بدأت اليابان بالدخول في التصنيع منذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، وأطلقت شعارها الواقعي (التكنولوجيا المُسخَّرة للتنمية القومية)، وهو يعني دمج التكنولوجيا المحلية التقليدية مع التكنولوجيا الأجنبية العصرية بطريقة تمكّن الخبراء المحليين من العمل في ظلّ الظروف الخاصة بالمنطقة؛ لذلك فإن أحدث المبتكرات التكنولوجية لا تكون عادةً مرادفةً للتكنولوجيا المُسخَّرة للتنمية القومية. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن ما يميّز التجربة اليابانية هو سعيها إلى التقليل من الاعتماد على التقنيين الأجانب في أقرب فرصة ممكنة من خلال توطين التقنية بالاعتماد على الكفاءات والمواهب المحلية العالية؛ لأنهم قادرون على فهم التكنولوجيا الغربية، ولديهم المعرفة بالاحتياجات المحلية(5). وتتمثّل أهم عوامل نجاح التجربة اليابانية في:

– الاختراع العام والاختراع الخاص وظيفياً:

يُوصف اختراع ما بأنه عامّ عندما تتعدّد المهامّ والوظائف التي يقوم بها؛ مثل أن تكون الطابعة والإسكانر والفاكس وغير ذلك من خدماتٍ في جهاز واحد، وهو اختراع يتمّ استخدام العناصر الداخلة في تركيبه نفسها في أكثر من عمل، وهو ما يشكّل ضغطاً على هذه العناصر، ويجعل عمرها أقصر مما لو كانت تقوم بمهمة واحدة، فضلاً عن تعقّد عملية الصيانة، والتكلفة العالية في سعر البيع. أما الاختراع الخاص، فهو الذي يتخصّص في المهامّ والوظائف التي يقوم بها، مثل جهاز الطابعة فقط، ففي هذا الجهاز تقوم العناصر بوظائف محدّدة فقط في كلّ دقيقة عمل، وهو ما يخفّف الضغط عليها، ويجعلها تخدم بشكل أفضل. وعندما ترغب في الاختراع ننصح بأن تبدأ بالاختراع الخاصّ الذي يقوم بمهمة واحدة، وفي مرحلة متقدّمة يمكنك الانتقال إلى اختراع آلات تقوم بمهامّ متعددة بشكل ناجح، ونجحت التجربة اليابانية لأنها بدأت بإتقان صناعة المحرّكات قبل أن تنطلق إلى صناعة المركبات بجميع أنواعها. ونذكر هنا قصة نقل فكرة المحرّكات على يدي المهندس الياباني تاكيو أوساهيرا، الذي كان مسكوناً بعد عودته من الابتعاث في ألمانيا بأن يصنع محركاً يابانياً خالصاً، وبذل الغالي والنفيس من أجل نقل هذه التقنية إلى بلاده، واستطاع مع القليل من المال والكثير جداً من الصبر والعزيمة والإرادة أن يفعل ذلك، وعند مقابلته الميكادو/ الإمبراطور الياباني أحضر له عشرة محركات تهدر بأصواتها هدراً، فقال الميكادو عبارته الشهيرة: «هذه أعذب موسيقا سمعتُها في حياتي»(6).

– ممارسة الإبداع والاختراع:

لممارسة الإبداع في المصانع وُلدت فكرة علم جديد في اليابان، يسمى اصطلاحاً (Creativogencs)؛ أي: علم إحداث الإبداع؛ فقد عمدت شركة تويوتا إلى وضع صندوق لاقتراحات العمال، فقدّموا لها 300 فكرة في العام الواحد، وهو رقم أكبر بثلاثين مرة من الأفكار التي تستقبلها مؤسسة أوروبية من الحجم نفسه. وفي الشركات اليابانية يوجد جلسة اسمها وايجايا Waigaya، يغلق فيها فريق من الموظفين الأبواب على أنفسهم أياماً لممارسة العصف الذهني، ثم يتوجّه الفريق ليطوف على كلّ أقسام الشركة لإعلام المعنيين بما توصّلوا إليه(7). وهناك أسلوب ياباني آخر لممارسة الإبداع في المصانع، يتمّ فيه تشكيل مجموعات من العمال، يُطلق عليها اسم (حلقات ضبط الجودة)، وتضمّ ممثّلين عن القسم أو الورشة، ويجتمع الجميع في أوقات الدوام أو خارجه دورياً أو عند الحاجة، ويناقشون المشكلات التي يعانيها القسم، ويفتح باب الحوار والنقاش لطرح الأفكار لحلّ هذه المشكلة حتى يتمّ التوصّل إلى الحلّ الأفضل. ولتنشيط الحدس في الشركات تلجأ الإدارات إلى ما يُسمَّى بـ(محرّك الحدس)، وهو طريقة لوضع خطة للمستقبل البعيد جداً؛ فمثلاً: شركة ماتسوشيتا اليابانية -صاحبة ماركة باناسونيك- لديها خطة لمئة عام تشمل كلّ أنواع الأعمال المحتملة، وتوقّع التغيرات التي قد تطرأ على السوق. ومع أن التوقّع قد يكون قليلاً خلال هذه المدة الزمنية الطويلة إلا أن فائدته بوصفه محرّكاً للحدس لا تُقدَّر بثمن؛ إذ ينشّط الإبداع الفردي والجماعي، ويجعل الجميع يتوجّهون إلى البحث عن بدائل(8).

– الاستثمار فيما نملك:

يروي ابن عذري المراكشي في كتابه (البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب) هذه القصة: «لما انهزمت جيوش جرجير سار عبدالله بن أبي السرح حتى باب مدينته العظمى قرطاجنة، فحاصرها بما كان معه من المسلمين حصاراً شديداً حتى فُتحت، فأصاب فيها من السبي والأموال ما لا يحيط به الوصف، وكان أكثر أموالهم الذهب والفضة، وكانت توضع بين يديه أكوام الذهب والفضة لأنه انتزع إفريقية بكراً، فعجب هو والمسلمون من كثرة ذلك، فقال للأفارقة: من أين لكم هذا؟ فجعل الرجل منهم يتلمّس شيئاً من الأرض حتى جاء بنواة زيتون، فقال: من هذا أصبنا الأموال؛ لأن أهل البحر والجزر ليس لهم زيت فيمتارونه من هنا»(9).

لقد عرف أهل تونس كيف يستثمرون ما لديهم من ثروة، فعادت عليهم بغير المتوقّع، وما كان لهذا الاستثمار أن يُؤتي أكله لولا العقلية الصناعية الناجحة. وأنا ابن مدينة تُسمَّى (إدلب الخضراء) لكثرة أشجار الزيتون فيها، وهي تبعد من مدينة حلب نحو 60كم، وقد نجح أهل مدينتي إلى حدٍّ كبير في استثمار ما لديهم من ثروة زراعية، فتمّ تحويلها إلى صناعة غذائية استطاعت أن تصل بجودتها إلى الأسواق الأوروبية، بل قاموا بإنشاء مؤسّسات تستثمر بقايا الزيتون بعد أن يُعصر. وكثيرة هي مواد الخامات الأولية في الدول العربية، سواء الزراعية أم المعدنية، التي لو استُثمرت حقّ الاستثمار لاغتنت الطبقات الفقيرة، ولقضي على البطالة، بدلاً من أن نصدّرها ويستفيد غيرنا منها؛ ففي اليابان يقول المعلّمون لتلامذتهم: «نحن أمة بلا موارد أو خامات، نستورد خامات من الخارج، ونصنعها بالعقل الياباني، ثم نعيد تصديرها».

لا يشعر المخترع بأنه إنسان عاطل عن العمل يوماً ما، أو أنه عالة على غيره، بل يشعر بكامل استقلاليته وحريته المادية والنفسية. ولا شكّ أن الشخص الذي يولّد أفكاراً جديدة، ويتعلّم توليد الأفكار، سيخلق لنفسه بكلّ فكرة فرصة عمل جديدة، بل قد يصنع فرص عمل للآخرين إذا كان مشروعه يحتاج إلى شركاء وعمال. وقد لُوحظ بشكل عام أنه كلّما زاد عدد المبدعين في أيّ مؤسسة كانت المؤسسة مميّزة أكثر في منتجاتها أو خدماتها، والعكس صحيح؛ فمع قلّة المبدعين، أو قلّة دعم الأفكار المبدعة، تصبح فرص هذه المؤسسة في منافسة الآخرين أقلّ، واحتمالية بقائها على قيد الحياة أقلّ.

– عالمية الاختراع:

نقصد بـ(عالمية الاختراع) إمكانية استخدامه في أيّ مكان في العالم ضمن مدة عمره، وملامسته حاجة كلّ الناس في أرجاء المعمورة كافة؛ فأيّ اختراع يحتاج إليه الناس، أو يلبّي حاجةً إنسانيةً، سينتشر وسيمتد أثره إلى أقاصي الأرض طراً؛ فـ«التكنولوجيا عالمية، لا تستطيع أن تحتكرها أمة، أو طبقة، أو حكومة، أو مجموعة من الناس» كما يقول تشارلز بيرد(10)، لكن علينا عندما نبتكر اختراعاً، ونتوقّع أن يكون عالمياً، استثماره بالشكل الأمثل، لا أن نزرع ويقطف غيرنا الثمار؛ فقد أصبحت سويسرا مركزاً لصناعة الساعات في أوروبا بسبب دمار كثير من الشركات إبّان الحرب العالمية الثانية، ونجحت عام 1968م في السيطرة على 80% من السوق العالمية وقتها، ونتيجةً للبحث والتطوير اخترع السويسريون أنفسهم الساعة الرقمية اليدوية، لكنهم -بسبب عدم التبصّر بالآفاق التي يمكن أن يفتحها عليهم هذا الاختراع- أقنعوا أنفسهم بأن ما كان ناجحاً في الماضي لابد أن ينجح في المستقبل (شلل نمطي)، وكانت النتيجة أنهم لم يسجّلوا براءة اختراع تحمي الفكرة؛ فالتقطتها الشركات اليابانية والأمريكية، وقامت بالتسويق لها؛ فانخفض سوق الساعات السويسرية من 80% إلى أقلّ من 10%، كما انخفض عدد العاملين في هذا القطاع من الصناعة من 65 ألف شخص إلى 15 ألف شخص خلال مدةٍ لا تزيد على ثلاث سنوات(11). وهكذا قطف اليابانيون والأمريكيون ما زرعه السويسريون من اختراع عالمي، وحتى لو فكّر السويسريون في الدخول بشكل منافس في السوق الجديدة فلن يكون لهم نصيب الأسد فيما لو استثمروا أفكارهم قبل ذلك.

– نوادي المخترعين:

لدى الناشئة مواهب لإبداع واختراع شيء جديد في جميع المجالات، ومنها العلوم، وكانت اليابان من الدول التي بذلت جهوداً لاكتشاف هؤلاء المبدعين ورعاية مواهبهم، ومن الوسائل التي استخدمتها لهذا الغرض نوادي المخترعين، يقول ساكاموتو: «افتُتح أول نادٍ للمخترعين عام 1974م لتغذية الإبداع الكامن لدى الصغار حتى يستثير خيالهم، ويساعد على تنمية ما لديهم من أفكار علمية، وهي الفكرة التي لحقت بها الصين مؤخراً». وتهتمّ هذه النوادي بالتلاميذ من البنين والبنات في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وتنظّم مسابقة اختراع (Contest of school children’s invention) لها جوائز. ولعلّ مثل هذه النوادي هي ما جعلت اليابان تتفوّق على الولايات المتحدة الأمريكية في عدد براءات الاختراع التي مُنحت في سبعينيات القرن العشرين، وكان هذا مثار صدمة لبعض الصحف الأمريكية(12). ويسعى اليابانيون اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى إلى إتقان لعبة الإبداع والاختراع؛ فهم يعلّمونها في مدارسهم وجامعاتهم، كما سبق لهم أن أتقنوا لعبة الجودة في منتجاتهم، وبذلك سيكون لهم قصب السبق في كثير من المجالات، حتى في التفوق على الغرب مستقبلاً(13).

وتنتشر اليوم كثير من الأندية العلمية المميّزة في الدول العربية بهدف تنشيط الاهتمام بالعلوم لدى الشباب، كما هو الحال في النادي العلمي الكويتي، وما تقوم به مؤسسة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في المملكة العربية السعودية أيضاً في هذا المجال.

– مجتمع من المخترعين:

تشير الإحصائيات إلى أن نسبة المخترعين في اليابان تبلغ ألفاً في المليون، وهي من أعلى النسب في العالم، ولعلها تفسّر لنا في الوقت نفسه سبب الحضور التقني الياباني في المجالات كافةً؛ فقد أصبح اليابانيون حاذقين في كيفية النفاذ إلى جوهر الاختراعات الكبيرة، التي كثيراً ما تكون قد أُنجزت في مكان آخر، وجعْلها نقطة انطلاق لعملية اختراع، وإيجاد تطبيقات لها، أو الوصول إلى اختراعات أخرى. ويذكر لنا الباحث رونالد دور أن اليابان كانت سبّاقةً إلى بناء القدرة الذاتية على تعلّم التكنولوجيا، وإن تمّ ذلك في البداية من خلال تقليد المنتجات الغربية الرائجة على المستوى التجاري، لكنهم سرعان ما انتقلوا إلى مرحلة التصنيع والإبداع، حتى وصل عدد براءات الاختراع اليابانية المسجّلة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1979م إلى 25%، وبذلك يكونون قد سبقوا بريطانيا وألمانيا والسويد وسويسرا(14)، واليوم تسير على نهج اليابان دول النمور الاقتصادية الآسيوية وكوريا الجنوبية وتايوان والصين. وحتى نوضّح آلية عمل اليابانيين أكثر سنورد الأمثلة الآتية عن كيفية متابعتهم كل اختراع واكتشاف يصدر في الغرب، وكيف يبحثون في استثماره:

• في عام 1947م، اخترع ثلاثة فيزيائيين أمريكيين، هم: جون باردين، ووالتر براتين، ووليم شوكلي، الترانزستور، وأحدث ذلك ثورةً في صناعة  الإلكترونيات؛ فقد قلّل أحجام الحاسبات والمعدات الأخرى إلى أحجام بالغة الصغر. وسارع اليابانيون عام 1953م إلى أخذ ترخيص من شركة (ويسترن إلكتريك) لاستثمار هذا الاختراع لمصلحة شركة سوني، وما لبثت أن أدخلت سوني سريعاً تحسيناتها على الترانزستور، وطرحت عدداً من المنتجات الإلكترونية الاستهلاكية العالية الجودة. وتُقدَّر عائدات الصناعات الإلكترونية السنوية في اليابان اليوم بنحو 150 مليار دولار، وتركّز معظم الشركات المنتجة في حالة التطوير الذي يعتمد على عنصر واحد بشكل تدريجي؛ حتى يكون لديها كلّ مدة زمنية محددة (ستة أشهر أو سنة) منتج جديد يحافظ على حصّته من السوق أو يزيدها، وهو النهج الذي اعتمدته الشركات اليابانية في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، حتى وصلت إلى مرحلة التغييرات الجذرية الشاملة في المنتجات؛ ففي مجال ذاكرات الحاسبات الإلكترونية ارتفعت حصة اليابان في السوق العالمية من صفر عام 1974م إلى 80% عام 1986م على حساب الولايات المتحدة الأمريكية التي انخفضت حصّتها من الاستحواذ المطلق على السوق عام 1974م إلى نحو 20% فقط عام 1986م(15).

• في عام 1968م، منحت شركة (يونيميشن) الأمريكية ترخيصاً لشركة كاوازاكي اليابانية للصناعات الثقيلة، التي بدأت بتصنيع الروبوتات الصناعية، وبحلول سبعينيات القرن العشرين كانت الروبوتات الصناعية تقوم بعملها في المصانع اليابانية، وما أن انتهى العقد حتى وصلت الروبوتات اليابانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بينما لم تكن صناعة الروبوتات الأمريكية قد وقفت على قدميها بعدُ.

• مع أن مؤسسة كاليفورنيا (أمبيكس) هي الرائدة في صناعة مسجلات الفيديو، إلا أن اليابانيين قرّبوا إنتاجها من الكمال؛ فقد قامت شركة (كانون) بتحسين المفهوم الرئيس الذي استندت إليه ناسخة شركة (زيروكس) التي تستخدم الورق العادي، ونقلت تقانة النسخ الرخيصة الثمن التي كانت قد طوّرتها لتصنع الطابعات الليزرية الرخيصة الثمن، وهو اختراع آخر لم تستثمره بصورة تامة شركة زيروكس.

ويقارن دي بونو بين الصناعة الغربية والصناعة اليابانية، فيشير إلى أن الصناعة الغربية تنتظر تحقيق قفزات كبيرة في إجراء تغييرات جذرية، أو إيجاد مفاهيم جديدة، وهو ما يدفعها إلى إهمال الابتكار من الناحية العملية، بينما تُقدَّر عائدات الصناعات الإلكترونية السنوية في اليابان اليوم بنحو 150 مليار دولار كما سبق أن ذكرنا، وتركّز معظم الشركات المنتجة في حالة التطوير الذي يعتمد على عنصر واحد بشكل تدريجي، حتى يكون لديها كل مدة زمنية محدّدة (ستة أشهر أو سنة) منتج جديد يحافظ على حصّته من السوق أو يزيدها، إضافةً إلى السعي الدائم إلى تطوير ما هو قائم وناجح عن طريق التغذية الراجعة؛ فقد تلقّت شركة تويوتا للسيارات -مثلاً- 300 اقتراح في السنة من موظفيها، بينما لم تتجاوز أيّ شركة غربية عشرة اقتراحات(16). ويشير تورانس إلى أن الصناعيين اليابانيين يجوبون العالم من أجل جمع المعلومات، واختبار هذه المعلومات ثم تطويرها، وهو ما يضمن لهم وضع أشياء جديدة خاصة بهم(17)؛ فهم لا ينتظرون حدوث المشكلات حتى يقوموا بحلّها، بل يبحثون عن طرائق جديدة يظهرون بها المنتج وتطويره عندما لا توجد مشكلات، وهو ما يُسمَّى بـ(الريادة النمطية)(18).

الميكادو مقابل العمّ سام

إذا تمعَّنا عن كثب أسباب النجاح الياباني وتفوّقه على نظيره الأمريكي نجد أنه يرتكز على ستّ خطوات هي: مسح العالم بحثاً عن التقانات الحديثة، وربط الإنفاق الحكومي في البحث والتطوير بمنتجات مُربحة، وتكامل البحوث وأنشطة التطوير المؤسساتية مع عمليات الإنتاج، والسعي إلى وضع معايير تقنية عالمية، والاستثمار في التعليم التقني للقوة العاملة، وتوفير وتأهيل تعليم أساسي جيد لجميع المواطنين.

وعندما سُئل المخترع الأمريكي مارفن كامراس -مخترع التسجيل المغناطيسي- عن سبب نجاح اليابانيين، وسرعة انتقال اختراعاته إليهم، أجاب قائلاً: «أعتقد أن الشعب الياباني هو بدرجة ذكاء الناس في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنهم يعملون بجدٍّ وتكلفة أقلّ؛ فكيف نستطيع أن نتنافس مع شعب يقبل أن يعمل بنصف أو ربع الأجرة في الولايات المتحدة الأمريكية؟ علماً أنهم يستطيعون إنتاج شيء ما بجودة إنتاجنا نفسها أو أحسن، لكن بجزء من سعر الولايات المتحدة الأمريكية»(19).

وفي عام 2009م، أُجري استطلاع للرأي العالمي يتعلّق بالابتكارات، نشرت نتائجه مجلة (نيوزويك) بالتعاون مع شركة (إنتل)؛ للتفكير فيما قد يتطلّبه الأمر لدفع الأمريكيين إلى الإيمان من جديد بأنهم في طليعة الإبداع التقني العالمي، وكانت النتائج كالآتي(20):

• ثلثا المشاركين يعتقدون أن الابتكارات الأكثر أهميةً من أيّ وقت مضى ستكون لدى الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات الثلاثين المقبلة.

• 81% من الصينيين يعتقدون أن الولايات المتحدة الأمريكية تحافظ على تفوّقها على الصين في مجال الابتكارات، بينما 14% يوافقون على ذلك.

• للتوصّل إلى الابتكار التالي المهم، يوافق الأمريكيون على تحسين منهجية تعليم الرياضيات والعلوم، بينما يركّز الصينيون في تحسين قدرتهم على حلّ المشكلات بطريقة إبداعية، ويركّزون في المهارات التجارية.

نأمل أن نستفيد نحن العرب من هذه التجربة الرائدة، التي تعتمد في اقتصادها على المعرفة والإبداع أكثر مما تعتمد على وفرة المواد الخام في أراضيها.

—————–

الـمـراجـع:

(1) المعجزة اليابانية، إزرا فوجل، ترجمة: يحيى زكريا، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م.
(2) خلاف خلف الشاذلي، دلائل التخلف ومشكلات التنمية في الدول الأقلّ نمواً، مجلة الفيصل، الرياض، ع238، 1996م، ص33.
(3) محمد بن محمد شتا أبو سعد، عوامل النجاح في التجربة الاقتصادية اليابانية، المجلة العربية، الرياض، ع186، 1993م، ص38، 39.
(4) إبراهيم خليل إبراهيم، الإرادة تصنع المعجزات، المجلة العربية، الرياض، ع199، 1994م، ص118.
(5) تاكشيو هياشي، وشوجي إيتو، إستراتيجية البحث العلمي والتكنولوجي، بحث منشور في السياسات التكنولوجية في الأقطار العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985م، ص409، 410.
(6) انظر تفاصيل القصة في مقالة منشورة في موقع منظمة المجتمع العلمي العربي بعنوان (على قدر أهل العزم تأتي العزائم)، على الرابط: .http://www.arsco.org
(7) صلاح يحياوي، الإبداع مصادفة أم ذكاء أم ماذا؟، مجلة الفيصل، الرياض، ع251، 1997م، ص57.
(8) جون كاو، الإبداع في المشروعات، ص56.
(9) محمد الأسعد، التباسات الأصالة والمعاصرة، مجلة العربي، الكويت، ع320، يوليو 1985م، ص99.
(10) محمد التكريتي، التكنولوجيا والتنمية، ص27.
(11) حسين علي، الإبداع في حلّ المشكلات، ص25.

(12) إبراهيم عميرة، الأنشطة العلمية غير الصفّيّة ونوادي العلوم، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، 1998م، ص76، 77.
(13) إدوارد دي بونو، الإبداع الجادّ، ص66.

(14) محمد التكريتي، التكنولوجيا والتنمية، ص24.
(15) محمد رؤوف حامد، إدارة التغيير التكنولوجي، مجلة علوم وتكنولوجيا التي تصدر عن معهد الكويت للأبحاث العلمية، الكويت، ع47، أكتوبر 1997م، ص46.
(16) إدوارد دي بونو، الإبداع الجادّ، ص111.
(17) أنور طاهر رضا، الابتكار في ميادين العلوم والتكنولوجيا، مجلة الفيصل العلمية، الرياض، مج4، ع3، 2006م، ص37، 38.
(18) حسين علي، الإبداع في حلّ المشكلات، ص25.
(19) كينيث براون، مخترعون يزاولون أعمالهم، ص81.
(20) دانييل ماكجلين، تراجع الابتكارات الغربية، مجلة نيوزويك العربية التي تصدر عن دار الوطن، الكويت، ع24، نوفمبر 2009م، ص24.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *