تأليف: جون فريلي - عرض وتحليل: أحمد فؤاد باشا - صاحب «نظرية العلم الإسلامية» أستاذ متفرغ بكلية العلوم جامعة القاهرة

نور من الشرق .. علوم الحضارة الإسلامية وتشكيل العالم الغربي

صدر هذا الكتاب عام 2011م، وهو يجمع بين السرد القصصي والعلمي، ولا غنى عن ترجمته لإثراء المكتبة العربية؛ فهو يقع في 256 صفحة، ويصحب القارئ معه في رحلة ثقافية تنويرية فريدة، يعرف من خلالها الدور الرائد للحضارات القديمة عامةً، والحضارة العربية الإسلامية خاصةً، في إعادة تشكيل العالم الغربي منذ بدايات عصر النهضة الأوروبية الحديثة والثورة العلمية والصناعية التالية لها؛ فعندما كانت أوروبا مكفّنة في ظلمات العصور الوسطى كان علماء الحضارة العربية الإسلامية يتابعون أبحاثهم لتطوير المعارف والتقنيات التي استحدثوها أو حصلوا عليها من القدماء، ثم كانت الترجمات من العربية إلى اللاتينية دافعةً وحافزةً لحدوث التطورات التي أدّت إلى الإنجازات العلمية والتقنية التي تجني البشرية ثمارها اليوم.

مؤلِّف الكتاب هو جون فريلي John Freely، المولود في نيويورك عام 1926م. التحق فريلي بالبحرية الأمريكية وهو في السابعة عشرة من عمره ليشارك في الخدمة خلال الحرب العالمية الثانية، وحصل على درجة دكتوراه الفلسفة في الفيزياء من جامعة نيويورك، وأجرى دراسات ما بعد الدكتوراه في تاريخ العلم بجامعة أكسفورد، وهو يعمل أستاذاً للفيزياء في جامعة البوسفور بإسطنبول، ويدرّس الفيزياء وتاريخ العلم منذ عام 1960م، كما قام بالتدريس في جامعات: نيويورك، وبوستون، ولندن، وأثينا. ألّف فريلي أكثر من أربعين كتاباً في تاريخ العلم وأدب الرحلات، منها: مصباح علاء الدين.. كيف انتقل العلم الإغريقي إلى أوروبا عبر العالم الإسلامي، وعاصفة على ظهور الخيل، والشواطئ الغربية لتركيا.

لم يتّبع المؤلف ما هو مألوف عادةً في التبويب حسب الموضوعات، أو التسلسل الزمني لعصور الحضارات، لكنه آثر -بمنهجه الخاصّ، وحبّه الرحلات والأسفار- أن يصحب القارئ معه في رحلة ثقافية تنويرية على التعاقب من بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة إلى بلاد الإغريق وبغداد والقاهرة ودمشق ومراكش وقرطبة وفارس وسمرقند، وأبرز من خلال هذه الرحلة أهم جوانب العطاء العلمي والتقني للحضارة العربية الإسلامية، وأثرها الواضح في حركة التنوير مع بدايات عصر النهضة الأوروبية الحديثة.

يوضّح المؤلف في مقدّمته سبب تأليفه الكتاب بقوله: «بدأ كثير من مؤرّخي العلم المعاصرين في تأصيل الدور المهمّ الذي قام به العلماء والفلاسفة العرب في إيقاظ العقل الغربي؛ تمهيداً لقيام النهضة الأوروبية الحديثة، لكن معظم أعمال هؤلاء المؤرخين تأخذ طابعاً تثقيفياً لجوانب معيّنة من القضية، اقتصرت على الفلك الرياضياتي خاصةً، ولم يتطرق أيّ منهم إلى مخاطبة القارئ العام في التاريخ الشامل للعلم الإسلامي، وهذا الأمر هو ما دفعني إلى تأليف: نور من الشرق». ويؤكّد المؤلف أن الترجمات من العربية إلى اللاتينية كانت دافعةً وحافزةً لحدوث التطورات التي أدّت إلى الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين من خلال ظهور نظريات واكتشافات كوبرنيكوس وكبلر وجاليليو ونيوتن. وواصل العلماء الإسلاميون أبحاثهم الأصيلة حتى أواسط القرن السادس عشر الميلادي، خصوصاً في ميدان علم الفلك، باستحداث نماذج هندسية أكثر ملاءمةً للظواهر المرصودة لسلوك منظومة الكواكب في نموذج بطليموس، التي أثّرت بدورها في كوبرنيكوس، وأصبحت مقبولةً بشكل جيّد في القرن السادس عشر الميلادي، بل ربما أيضاً في القرن السابع عشر الميلادي في بعض الجوانب. لكن، مع حلول القرن السابع عشر الميلادي، نسيت أوروبا دَيْنها للإسلام، حتى عندما قال إسحق نيوتن: إنه رأى أبعد من غيره (يعني ديكارت)؛ لأنه وقف على أكتاف عمالقة سبقوه، أغفل تماماً أيّ ذكر لعلماء الحضارة العربية الإسلامية الذين تعلّمت أوروبا منهم العلم أولاً.

يركّز الكتاب في إطاره العام في عدة قضايا تتعلّق بالإجابة عن أسئلة من قبيل: ما العوامل التي أدّت إلى أن يتشرّب المسلمون العلم والفلسفة من الإغريق وحضارات أخرى أقدم في بلاد ما بين النهرين وفارس والهند والصين؟ وهل قدّم علماء الحضارة الإسلامية -إضافةً إلى صوْنهم العلم الذي اكتسبوه- أيّ إسهامات أصيلة؟ وما العوامل التي أدّت بهذه المجتمعات الإسلامية في نهاية المطاف إلى تراجع العلم العربي في معظم المجالات؟ ولماذا استمرت علوم معينة؛ مثل: الفلسفة، والحساب، والتنجيم، في الازدهار مدةً طويلةً بعد أن أصبحت العلوم الأخرى في حالة احتضار؟

تتابعت محتويات الكتاب في فصولها التسعة عشر بالعناوين الآتية: علم ما قبل العلم.. بلاد ما بين النهرين ومصر، وبلاد الإغريق، والطرق إلى بغداد، وبغداد العباسية: بيت الحكمة، والطب الروحاني، ومن بغداد إلى آسيا الوسطى، وعلاج الجهل، والقاهرة الفاطمية: علم الضوء، والقاهرة الأيوبية والمملوكية: شفاء الجسد والنفس، وأجهزة ميكانيكية بارعة، والتكنولوجيا الإسلامية، والأندلس، ومن المغرب إلى الصقلّيتين: من العربية إلى اللاتينية، وفلاسفة متهافتون، ومراغة وسمرقند: كرات داخل كرات، والعلم العربي والنهضة الأوروبية الحديثة، وكوبرنيكوس وأسلافه العرب، والثورة العلمية، وتراث العلم الإسلامي. وجعل المؤلف لكلّ فصل مراجعه وهوامشه في آخر الكتاب.

زُيِّن الكتاب بإحدى عشرة لوحةً توضيحيةً لرسوم وأشكال ونماذج تبيّن بعض الموضوعات المهمة التي ورد ذكرها من مصادرها الأصلية؛ مثل: كوكبة النجوم بيرسيوس من كتاب الصوفي (الكواكب الثابتة) في المكتبة البريطانية، ورسم العين والأعصاب المتّصلة بها من مخطوطة (كتاب المناظر) لابن الهيثم في القرن الحادي عشر الميلادي، ونافورة الطاووس من كتاب الجزري (علم الحيل الميكانيكية البارعة)، وصفحة من الترجمة اللاتينية لكتاب (القانون في الطب) لابن سينا، ورسم يوضّح (مزدوجة الطوسي) من شرح عربي في القرن الخامس عشر الميلادي على كتاب نصير الدين الطوسي (خلاصة علم الفلك)، ورسم يوضّح الحركة الكوكبية من كتاب كوبرنيكوس De Revolutionibus عن دوران الأجرام السماوية، وغيرها. وسنتوقّف قليلاً هنا عند بعض المحطات المهمة في رحلة المؤلف الشائقة بالقدر الذي تسمح به مساحة هذا العرض، مع ملاحظة أننا رجعنا في ترجمة بعض النصوص إلى أصولها العربية.

بيت الحكمة

كان برنامج الترجمة في بغداد في أوائل عصر العباسيين مُركَّزاً في (بيت الحكمة) الشهير، الذي كان في الأصل -على ما يبدو- مكتبةً أُسِّست -في الأغلب- لتكون مكتباً للمنصور، وكان الغرض الأوّلي منها أن تشمل نشاط الترجمات من الفارسية إلى العربية ونتائجها فيما يتعلّق بالتاريخ الساساني والثقافة الساسانية. وفي عهد المأمون، اكتسب هذا المكتب مهمةً إضافيةً تتعلّق بالأنشطة الفلكية والرياضياتية وغيرها، وذكر ابن النديم في (الفهرست) أن الفلكي المشهور محمد بن موسى الخوارزمي (ازدهر نحو 828م) كان مُستخدماً في بيت الحكمة طوال الوقت لخدمة المأمون.

وكان حنين بن إسحق (808- 873م) من أشهر المترجمين في بغداد، التي ذهب إليها للدراسة تحت إشراف الطبيب النسطوري يوحنا بن ماسويه (تُوفِّي عام 857م) الطبيب الخاصّ للمأمون وخلفه، لكن أسئلته المتكرّرة ضايقت ابن ماسويه الذي طرده، وقال عنه: إنه يضيع وقته في الطب، بينما كان باستطاعته أن يتاجر متجوِّلاً على الطريق مع مواطنيه من الحيرة في العملات الزائفة: «ما الذي يرغِّب أهل الحيرة في دراسة الطب؟ انطلقْ بعيداً، وابحثْ عن أحد أصدقائك، سوف يقرضك خمسين درهماً. اشترِ بعض السلال الصغيرة مقابل درهم واحد، وبعض الزرنيخ بثلاثة دراهم، واشترِ بالباقي عملات الكوفة والقادسية. قُم بطلاء النقود القادسية بزرنيخ، وضعْها في السلال، وقفْ على جانب الطريق منادياً بصوت عالٍ: هنا نقود حقيقية، صالحة للصدقات والإنفاق. بِع العملات؛ فإن ذلك سيكون أكسب لك كثيراً من دراسة الطب».

سافر حنين إلى بلاد الإغريق ليتقن الإغريقية بعد أن كان لا يعرف إلا السريانية، ثم انتقل إلى البصرة، وعاش فيها مدةً من أجل تعلّم العربية، ثم ذهب إلى بغداد حيث أصبح على الفور عضواً في دائرة الأطباء والفلاسفة الذين تجمّعوا حول الخليفة الواثق، وخلف الواثقَ الخليفةُ المتوكّل الذي عيَّن حنيناً طبيباً رئيساً له. وقام حنين وتلاميذه، ومنهم: ابنه إسحق، وابن أخته حبيش، بترجمات من الإغريقية إلى السريانية والعربية. ولم يتْعَبْ حنين من البحث عن مخطوطات إغريقية؛ فقد ذكر بخصوص عملٍ لجالينوس ما نصّه: «بحثتُ عنه جدّياً، وسافرتُ في طلبه إلى بلاد ما بين النهرين وسوريا وفلسطين ومصر، حتى وصلت الإسكندرية، ولكني لم أتمكّن من العثور إلا على حوالي نصفه في دمشق».

ومع نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، كان كثير من الأعمال المهمة للعِلم الإغريقي قد تُرجمت من العربية إلى اللاتينية، إلى جانب شروح وأعمال أصيلة لكثير من العلماء المسلمين، وكذلك المسيحيين واليهود والصابئة. وأدّى تمثيل واستيعاب العلم والفلسفة العربيين- الإغريقيين في الجامعات الأوروبية الأولى إلى إحداث شرارة النهضة الثقافية التي بدأت في القرن الثاني عشر الميلادي، ودامت حتى أواسط القرن التالي، وأفضى ذلك إلى ازدهار ما نتعارف عليه باسم (العلم الأوروبي الحديث)، بدءاً بدراسات روبرت جروسيتستي (نحو 1168- 1253م) وأتباعه في جامعات أكسفورد وباريس.

بدايات التنوير العلمي في الغرب

كان جروسيتستي R. Grosseteste، الذي تعلّم في أكسفورد وأصبح بعد ذلك رئيساً للجامعة، شخصيةً رائدةً في بزوغ فلسفة الطبيعة الأوروبية الجديدة التي تأسّست مبدئياً على الأرسطية، واختلفت منذ البداية عن بعض آراء أرسطو. ومع أن مؤلَّفات أرسطو شكّلت الأساس لمعظم الدراسات غير الطبية في الجامعات الأوروبية الجديدة إلا أن بعض أفكاره في الفلسفة الطبيعية وسرمدية الكون، خصوصاً تفسيراتها في شروح ابن رشد، قُوبلت بمعارضة قوية من جانب اللاهوتيين الكاثوليك.

اعتقد جروسيتستي أن دراسة البصريات كانت المفتاح لفهم الطبيعة، وأدّى ذلك إلى (ميتافيزيقا الضوء) الأفلاطونية المحدثة. كما اعتقد أن الضوء جوهر عيني أساسي للأشياء المادية، ويُحدث لها أبعادها التحيزية (في لا فضاء)، كما أنه يشكّل المبدأ الأول والعلة الفعالة للحركة. وطبقاً لنظريته البصرية، ينتقل الضوء في خطّ مستقيم خلال انتشار سلسلة من الموجات أو النبضات، وبسبب حركته في خطوط مستقيمة يمكن وصفه هندسياً، وأطلق جروسيتستي على هذه النظرية (تكاثر الأنواع). ولا يبدو أن جروسيتستي كان على علمٍ بنظرية الحسن بن الهيثم، التي تقضي بأن كلّ نقطة في الجسم المضيء تبعث إشعاعاً ينتشر في خط مستقيم، واعتقد أن نظرية (تكاثر الأنواع) يمكنها أن تشرح انتشار أيّ اضطراب، وليكن: الضوء، أو الصوت، أو الحرارة، أو الفعل الميكانيكي، أو حتى التأثير التنجيمي. وهكذا، اعتقد أن دراسة الضوء كانت ذات أهمية حاسمة لفهم الطبيعة، واعتقد أيضاً أن الضوء الذي لم يقصد به الإشعاع المرئي فقط، وإنما الفيض الإلهي أيضاً، كان الوسيلة التي خلق الله بها الكون، ومن خلاله تتأثّر النفس مع البدن.

صنّف جروسيتستي رسالةً في (قوس قزح)، وهي أحد أعماله البصرية الأكثر أهميةً، اختلف فيها مع النظرية الأرسطية في حسبان أن الظاهرة نتيجة انعطاف الضوء، وليس انعكاسه. وعلى الرغم من أن نظريته كانت غير صحيحة إلا أنه عرض المسألة بطريقة تجعل أبحاث مَن يأتون بعده تقترب أكثر فأكثر من الحلّ الصحيح عن طريق الدراسات النقدية لمجهوداته؛ فقد ألهمت رسالته في (قوس قزح) الشاعر الفرنسي جان دو مون Jean de Meun أن يكتب نحو عام 1270م أبياتاً من الشعر في الجزء الذي نظمه استكمالاً لما كتبه جيوم دو لوري (اللوريسي) Guillaume de Lorris؛ نسبةً إلى مدينة لوريس القريبة من أورليان في وسط فرنسا، بعنوان: (رومانسية الوردة)، وردت هذه الأبيات في الفصل رقم (83) حيث (تشرح الطبيعة تأثير السماوات)، ويذكر الشاعر فيها كتاب (المناظر) للهازن (الحسن بن الهيثم):

كتاب في المناظر

كتبه الهازن على خط (هتْشان)

لا يُهمله سوى الحمقى

والذي (يريد أن) يفهم هذه الألوان جيداً

(ألوان قوس قزح)

ينبغي أن يدرس هذا (الكتاب)

ويجب أيضاً أن يكون مُلاحِظاً جيداً

وقاضياً يقظاً

ومُثقَّفاً بعلوم الطبيعة والهندسة

ويؤكّد ذلك الدور التنويري لابن الهيثم في حركة التنوير الغربي من خلال كتابه (المناظر) ورسالته في (قوس قزح).

واصل ألبرتوس ماجنوس (نحو 1200- 1280م) جهود جروستيستي لصياغة فلسفة جديدة للطبيعة، وأدى ألبرتوس دوراً في إحياء أرسطو، وجعْل فلسفته الطبيعية مقبولةً من الغرب المسيحي. كان الصراع بين الإيمان والعقل هو لبّ المشكلة في القبول المسيحي لأرسطو، خصوصاً في التفسير (الرُّشْدي) للأرسطية بحتميتها، والأرسطية الصرفة في مفهومها لسرمدية الكون. سعى ألبرتوس إلى حلّ هذا الصراع عن طريق الأخذ في الحسبان أن أرسطو مرشد للعقل أكثر منه مرجعية مطلقة، قائلاً: حيثما يتصادم أرسطو مع أيٍّ من الأديان السماوية أو الرصد/ الملاحظة فإنه لا يكون مصيباً بأيّ حال. اعتقد ألبرتوس أن الفلسفة الطبيعية وعلم الإلهيات يقولان الشيء نفسه بطرائق مختلفة، كما أنه حدّد لكلٍّ منهما مجاله الخاصّ، ومنهجيته المميّزة، وأكّد أيضاً عدم وجود أيّ تناقض بين العقل والوحي.

كان ألمع تلاميذ ألبرتوس هو توماس الأكويني (نحو 1225- 1274م)، الذي جاء من إيطاليا ليدرس معه في باريس أو كولونيا. حاول الأكويني -مثل ألبرتوس- أن يحلّ النزاع بين اللاهوت والفلسفة، معتقداً أنه لا يمكن أن يكون هناك تعارض حقيقي بين الوحي والعقل، وقال في رسالته عن (الإيمان والعقل واللاهوت) لمحاجّة أولئك الذين رأوا أن الفلسفة الطبيعية كانت مناقضةً للإيمان المسيحي: «على الرغم من أن الضوء/ النور الطبيعي للعقل البشري ليس كافياً للتعريف بما يوحي به الإيمان إلا أنه لا يمكن أن يكون ما تعلّمناه إلهياً بالإيمان مناقضاً لما وهبته لنا الطبيعة، ومن شأن أيّهما ألا يكون صحيحاً؛ لأن كليهما من عطاء الله لنا، وإلا فإنهما سيكونان سبباً لأخطائنا، وهذا أمر مستحيل». وهاجم ابن رشد (تُوفِّي عام 1198م) في أحد أعماله، وهو شرحه على كتاب (الفيزياء) لأرسطو، نظرية ابن باجة (تُوفِّي عام 1138م)، التي تقضي بأن الحركة في الفراغ تكون بسرعة محدودة، وليست بسرعة لا نهائية/ غير محدودة كما أكّد أرسطو، لكن الأكويني جادل أرسطو وابن رشد داعماً نظرية ابن باجة من دون أن يذكر اسمه، وعرض نظرية ابن باجة التي تعلّل محدودية الحركة في الفراغ بأن الجسم المتحرك يمرّ من نقطة ما في الفراغ إلى النقطة التالية خلال مدة زمنية محدّدة، وهو ما سبق أن قاله ابن الهيثم. ومنذ ذلك الحين فصاعداً حازت نظرية الحركة في الفراغ قبولاً حسناً لدى المفكرين الأوروبيين.

علوم الفلك والرياضيات

كانت الترجمات لا تزال تتمّ في القرن الثالث عشر الميلادي من العربية إلى اللاتينية، وأُنجزت بعض هذه الترجمات تحت رعاية الملك ألفونسو العاشر (1221- 1284م) ملك قشتالة وليون المعروف في اللغة الإسبانية باسم (سابيو Sabio، أو الحكيم). وأدّى اهتمام ألفونسو الفعال بعلم الفلك إلى أن يكفل ترجمات الأعمال العربية في الفلك والتنجيم، متضمّنةً طبعةً جديدةً من (الجداول الطليطلية) في القرن الحادي عشر الميلادي للفلكي القرطبي الزرقالي. واشتملت هذه الطبعة، المعروفة باسم (جداول ألفونسو) على بعض الأرصاد الجديدة، لكنها حافظت على النظام البطلمي لأفلاك التدوير، والأفلاك المختلفة المركز.

أما الفلكي محمد البتاني الحرّاني (تُوفِّي عام 929م)، فيُنسب إليه (الزيج الصابئ)، الذي ترجمه أفلاطون التريفولي إلى اللاتينية في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي بعنوان: Opus astronomicum، وأعطى مؤلّفه اسم (الباتجنيوس). واستخدم كوبرنيكوس هذا الزيج، وأشار إلى مؤلّفه في مناقشة مدارات عطارد والزهرة، وفي قياسات السنة النجمية، التي تساوي الزمن بين مرورين متتاليين للأرض في مدارها حول الشمس بالنسبة إلى نجم معين. كما أشار الفلكي الدانمركي تيخو براهي في القرن السادس عشر الميلادي إلى أرصاد البتاني، مثلما فعل كبلر وجاليليو.

وذكر الكتاب من بين المؤلَّفات التنويرية لعلماء الحضارة العربية الإسلامية في مجال الرياضيات (كتاب الجبر والمقابلة لمحمد بن موسى الخوارزمي، الذي ترجمه أولاً روبرت الشستري عام 1145م إلى اللاتينية. وهناك عمل رياضياتي آخر للخوارزمي لم تبقَ منه إلا نسخة وحيدة بترجمة لاتينية بعنوان: De Numero Indorum، وهو العنوان الذي عُرف به الكتاب في القرن التاسع عشر الميلادي، أما العنوان العربي فلا يعرفه أحد على وجه الدقة، خصوصاً أن النسخة العربية مفقودة، ويصف هذا الكتاب الأرقام الهندية التي طوّرها العرب، واستخدمها العالم الغربي الحديث منسوبةً إليهم. والخوارزمي أيضاً هو الذي ألّف أقدم عمل أصيل باقٍ في الفلك الإسلامي، وهو (زيج السندهند)، الذي ترجمه أديلار الباثي إلى اللاتينية في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، واستخدم على نطاق واسع في أوروبا، ولم يبقَ إلى الآن إلا الترجمة اللاتينية فقط، أما الأصل العربي فقد سقط في طيّ الإهمال في العالم الإسلامي بعد القرن الثاني عشر الميلادي.

العلوم الطبية والصيدلية

كان الطب فرعاً آخر من العلوم المقدَّرة عالياً في الإسلام؛ مصداقاً لما جاء في حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيما معناه أن الصحة الجيدة أعظم نعمة من الله، ويجب الحفاظ عليها. ومن أوائل الذين كتبوا في الطب الإسلامي وأشهرهم أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (نحو 854- نحو 930م)، المعروف في الغرب بالاسم اللاتيني (رازس Rhazes). وُلد الرازي في الريّ بإحدى ضواحي طهران حالياً، ويقال: إنه كان في شبابه يعزف على المزهر/ العود قبل أن يبدأ دراساته في الطب والفلسفة. وطبقاً لابن خلكان، جاء في ترجمة الرازي: «كان يعزف في شبابه على المزهر، وكرّس نفسه للموسيقا الصوتية، لكنه عندما بلغ سنّ الرجولة تخلّى عن هذه الصنعة قائلاً: إن الغناء الذي يخرج من بين شارب ولحيةٍ لا يُسْتظرف».

تعلّم الرازي الطب في الري، وأصبح مديراً للمستشفى هناك قبل أن يبلغ الثانية والثلاثين من عمره، ثم صار بعد ذلك رئيساً لمستشفى في بغداد، وجاءه الطلاب من بعيد ليدرسوا معه. ويُنسب إلى الرازي 232 عملاً، شملت رسائل في جميع جوانب الطب تقريباً، إضافةً إلى أعمال في الفلسفة، والمنطق، والرياضيات، والفلك، والكونيات، والخيمياء، والإلهيات، والنحو، لكن أغلبها مفقود.

يُعدّ (كتاب الحاوي) أهم أعمال الرازي القروسطية المتبقية، ويُعرف في ترجمته اللاتينية باسم (Continens)، وهو أطول عمل عربي موجود في مجال الطب، وهو يقع في نحو خمسة وعشرين جزءاً، ترجمه إلى اللاتينية الطبيب اليهودي فرج بن سالم Frragut، وأتمّه عام 1279م بعد أن قضى معظم حياته لتحقيق هذا الهدف، وكانت الترجمة برعاية الملك شارل أنجو الأول، وطبعت هذه الترجمة خمس مرات بين عامي 1488 و1542م.

تُرجمت رسالة الرازي في الجدري والحصبة، المعروفة في اللاتينية باسم (De Peste) إلى الإنجليزية ولغات غربية أخرى، ونُشرت في أربعين طبعة بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر الميلاديين. وكان الرازي طبيباً مشهوراً في الشرق، وكان يُلقَّب بـ(الطبيب الأول في الإسلام)، وكان مشهوراً في الغرب، وكان يُعرف باسم (جالينوس الثاني). وتتميّز المؤلفات الطبية للرازي بشدة تأكيده التشخيص والعلاج السريرين اعتماداً على الرصد والملاحظات، بدلاً من الاستناد إلى نظرية الأمراض وعلاجاتها.

وهناك أيضاً أمير الأطباء ابن سينا، المعروف في الغرب باسم (Avecenna) (نحو 980-1037م)، صاحب كتاب (القانون في الطب)، الذي أُحصيت كلماته بنحو مليون كلمة، ووزِّعت محتوياته على خمسة أجزاء: الجزء الأول عموميات، وهو مخصّص لمناقشة نظريات طبية من قبيل: نظرية الأخلاط الأربعة (الدم، والصفراء، والسوداء، والبلغم)، وأسباب المرض وأعراضه، وعلم الصحة (بنائها وحفظها)، وأنماط العلاج، والعلاج بالريجيم، والتغذية، واستعمال الأدوية، وطرق الحجامة، وفصد الدم، والكيّ، والإفراغ، والجراحة العامة. وجاء الجزء الثاني بعنوان: (مفردات الأدوية)، وهو مسح شامل لخصائص واستعمالات نحو 760 دواءً، إضافةً إلى تطبيق منهجه العلمي في الطب والعلاج؛ إذ يفضّل الطرائق التجريبية على التجريد والشكلية. ويناقش الجزء الثالث (أمراض الرأس إلى أخمص القدمين)، فيتناول أعضاء الجسم وأجهزته، وجملتها اثنان وعشرون، بما فيها المخ، والأعصاب، والعين، والأذن، والمفاصل، حتى أظافر أصابع اليدين والرجلين. ويبدأ الجزء الرابع (أمراض لا تخصّ أعضاء معينة) برسالة عن الحميات وأنواعها وأعراضها، ثم يعرض لتعليم الجراحات الصغيرة وعلاج الجروح، والالتواءات، والانخلاعات، والسموم، ولدغ الحشرات والثعابين، وعضة الحيوانات، وأمراض الجلد. والجزء الخامس (الأدوية المركبة) كتاب في علم العقاقير بوصفه جزءاً تكميلياً للممارسة الطبية.

الفيزيائي الباكستاني عبدالسلام (1926- 1996م)

ودوّن ابن سينا أيضاً في كتابه (القانون) المعارف الطبية الإغريقية المترجمة إلى العربية، مؤسّساً -على سبيل المثال- وصفه التشريح ووظائف الأعضاء/ الفسيولوجيا بصورة رئيسة على جالينوس وكتابه في (الأدوية المفردة)، وعلى ديوسقوريدس. وظلّ كتاب (القانون) أشهر نصّ طبي طوال ستة قرون، ليس في العالم الإسلامي فقط، وإنما في أوروبا المسيحية أيضاً، وكان جيرارد الكريموني أول مَن ترجمه بين عامي 1150 و1187م إلى اللاتينية بعنوان: Canon Medicinae، ونشرت منه في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الخامس عشر الميلادي خمس عشرة طبعة، إضافةً إلى طبعة بالعبرية، وصدرت من كتاب (القانون) أيضاً عشرون طبعة أخرى في القرن السادس عشر الميلادي، وعدة طبعات أخرى في القرن السابع عشر الميلادي، مع طبعة بالعربية صدرت في روما عام 1593م.

ذكر دامونتي Da monte في شرحه على كتاب (القانون) المنشور عام 1593م أن (أفيسينّا) -كما هو معروف باللاتينية- ألّف كتابه هذا «لافتقاد العرب والإغريق على السواء إلى كتاب يُعلّم مهنة الطب كموضوع متكامل ومتّصل». وظلّ كتاب (القانون) مُستخدماً بوصفه كتاباً تعليمياً في مدرسة مونبلييه الطبية حتى أواخر عام 1650م. وعلى الرغم من تبنّي ابن سينا نظرية الأخلاط الأربعة القديمة أساساً نظرياً لكتابه (القانون) إلا أن هذا الأمر يبدو اليوم بعيداً من الصواب، مثلما هو حال علاجه مريضاً مستذئباً (مجنوناً يُتوّهم أنه مُسخ ذئباً)، لكن كتاب (القانون)، بوصفه موسوعةً طبيةً تعليميةً تنقسم إلى: طب نظري، وطب عملي، ظلّ عملاً غير مسبوق حتى بداية القرن العشرين، على الأقلّ طبقاً لرأي البروفيسور جون أوركوهارت John Urquhart، الذي كتب في (المجلة الطبية البريطانية) عام 2006م قائلاً: «لو أنك في عام 1900م، وكنتَ ملقًى في عُزلةٍ، وفي وضع يائسٍ، تحتاج إلى مرشد يدلّك على مطبّب عملي، فأيّ كتاب ترشّحه من جانبك؟ لو حدث هذا لوقع اختياري على ابن سينا».

التكنولوجيا الإسلامية

اعتمد جون فريلي في حديثه عن التكنولوجيا بصفة رئيسة على كتابين حديثين، هما: (التكنولوجيا الإسلامية: تاريخ مصوَّر) لأحمد يوسف الحسن ودونالدهيل، و(العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية) لدونالدهيل. والكتابان مترجمان إلى العربية، ويتضمّنان فصولاً عن الهندسة الميكانيكية، والهندسة المدنية، والتقنية العسكرية، والسفن والملاحة، والتقنية الكيميائية، والمنسوجات والورق والجلود، وتقنية الزراعة والغذاء، والمناجم والتعدين، والحرف الصناعية، وانتقال التكنولوجيا من العالم الإسلامي إلى الغرب.

السَّرديات العلمية الفلسفية

بعد وفاة شمس الدولة عام 1021م خلفه ابنه سامان الدولة، الذي أعاد تعيين ابن سينا وزيراً له، لكن ابن سينا لم يكن متأكداً من استمرار نظام رعايته الجديدة، واحتياطاً منه لما يُراهن عليه لجأ إلى التخفّي في منزل صديق، وبدأ يتراسل سراً مع حاكم منافس، هو علاء الدولة أمير أصفهان، لكن مراسلاته السِّرية انكشفت على يد تاج الملك وزير سامان الدولة، الذي عرف مكان اختفائه، وأخذه إلى السجن في قلعة فردجان على مسافة خمسة وخمسين ميلاً من همدان. وكان ابن سينا يائساً من خروجه هذه المرة، فصبَّ أحزان مشاعره في أبيات قصيدة بالغة العذوبة، جاء فيها:

دخـــــــولي باليقين كــمـــا تراه

وكلّ الشـــــك في أمـــــر الــخــروج

أكمل ابن سينا خلال الأشهر الأربعة التي قضاها في قلعة فردجان ثلاثة أعمال: أحدها رسالة طبية في (القولون)، وهو موضوع أصبح فيه خبيراً من خلال معالجته شمس الدولة، والثاني كتاب (الهداية) الذي يتضمّن قسماً كاملاً عن (ميتافيزياء النفس العاقلة)، والثالث (رسالة حي بن يقظان)، وهي حكاية رمزية للعقل البشري والفكر الإنساني ألهمت الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل (1105- 1185م) ليؤلّف (سرديةً) في الموضوع نفسه، وبالعنوان نفسه، عن شاب وحشي يعيش وحيداً في جزيرة صحراوية في المحيط الهندي، ويصل من خلال تفكيره الفطري إلى أعلى مستويات المعرفة. ترجم الرواية إلى اللاتينية عام 1671م إدوارد باكوك الأصغر، وترجمها سيمون أوكلي أول مرة إلى الإنجليزية عام 1708م، ولعلّ إحدى هاتين الترجمتين أوحت إلى الكاتب الإنجليزي دانيال ديفو كتابة روايته (روبنسون كروزو) المنشورة عام 1719م، ويقال: إن هذه الرواية أثّرت في كلٍّ من: توماس هوبز، وجون لوك، وإسحق نيوتن، وغيرهم.

إحياء التراث بين الأصالة والمعاصرة

أشار المؤلف في الفصل الأخير بعنوان (تراث العلم الإسلامي) إلى الجهود المعاصرة لإحياء التراث العلمي الإسلامي، وأثر ذلك في انبعاث فكر جديد لدى جيل من العلماء انطلقوا من خلال احتكاكهم بالمجتمع العلمي العالمي. وتجسّد هذا الإحياء على نحوٍ مثيرٍ في مسيرة الفيزيائي الباكستاني عبدالسلام (1926- 1996م)، الذي أصبح عام 1979م أول مسلم يحصل على جائزة نوبل بالمشاركة مع آخرَيْن في الفيزياء. وُلد عبدالسلام في باكستان، وتعلّم فيها قبل أن يذهب إلى كامبريدج ويحصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء، وبعدها شغل منصب كرسي في Imperial College في لندن، إلى أن أحيل على التقاعد. أدى عبدالسلام دوراً رائداً في تأسيس أهم وكالتين علميتين حكوميتين في باكستان: وكالة الطاقة الذرية، ولجنة أبحاث الفضاء وطبقات الجو العليا التي كان مديرها المؤسّس، وكان أيضاً ذا تأثير في تأسيس خمس كليات علوم متميّزة لإمداد الطلاب الباكستانيين بتعليم العلوم على غرار ما يتمّ في الغرب، وأسّس عام 1964م المركز الدولي للفيزياء النظرية في تريستا إحدى المؤسسات البحثية العالمية الرائدة، ونشأ هذا المركز، الذي أُعيدت تسميته على شرفه، من اعتقاده المتحمّس بأن «الفكر العلمي تراث مشترك تتقاسمه الإنسانية».

وهكذا، أكمل واحد من أعظم العلماء المسلمين في العصور الحديثة المرحلة الأخيرة من الملحمة الثقافية التي بدأت منذ أكثر من ألف عام في (بيت الحكمة) ببغداد حيث ترجمت مخطوطات من بلاد الإغريق إلى العربية، وكانت المرحلة الأولى من رحلة أخذت العلم إلى الغرب، وأخيراً إلى العالم الأوسع، ثم أعادته في نهاية المطاف إلى بلاد الإسلام.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *