د. أبو بكر خالد سعد الله - عالم رياضيات جزائري، أستاذ في المدرسة العليا للأساتذة بالقبة

لم يحدث في التاريخ أن تألّق رجل علمٍ إلى حدِّ أنه يكتب مقالةً من 330 كلمة تجعله يفوز بجائزة نوبل في الاقتصاد بعد مضيّ قرابة نصف قرن على نشرها، ثم يتألّق مرةً أخرى فيُحرز جائزة آبل Abel -أرفع وسام في الرياضيات- بعد مرض عضال ألمّ به مدة 30 سنة، ويشاء قدر الرجل أن يلقى مصرعه في حادث سيارة مع زوجته بعد تسلّم هذه الجائزة بأربعة أيام.

ولد جون فوربس ناش John Nash يوم 13 يونيو عام 1928م في مدينة بلوفيلد Bluefield الأمريكية، وتُوفِّي يوم 23 مايو عام 2015م في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية وقد بلغ من العمر 86 سنة.

بين البيت والمدرسة

كانت أُمُّه مُدرِّسة في المرحلة الابتدائية، أما والده فكان مهندساً كهربائياً. ووجد ناش عنايةً فائقةً من والديه؛ فقد كان أبوه يعامله كما يتعامل مع الكبار، بينما عكفت والدته على تعليمه بنفسها، ولم يكتشف مُعلّموه مواهبه الخارقة مبكراً، بل كانوا يرونه متخلّفاً اجتماعياً. وعندما بلغ ناش سنّ الثانية عشرة أثبت أنه قادر على إجراء تجارب علمية مبهرة في البيت، واتّضح أنه يتعلّم في البيت أكثر مما يتعلّم في المدرسة، وكان أهله يوصونه بالاهتمام بالنشاط الاجتماعي؛ مثل: زيارة الأقارب، والرياضة، وغيرهما، ولم يكن ناش يمتنع عن ذلك، لكنه كان يجد صعوبةً في أداء هذه المهام.

أبرز ناش في البداية اهتماماً بالرياضيات والكيمياء عندما بلغ 14 عاماً من العمر، وأبرز مهارات كبيرة في الرياضيات، ولم يكن يفكّر آنذاك في التخصّص فيها، بل كان ينوي التخصّص في الهندسة الكهربائية سالكاً مسلك أبيه المهندس. ومن المعلوم أن ناش واصل تجاربه الشخصية في الكيمياء، والمؤلم أنه كان له ضلع في صناعة متفجرات أدّت إلى وفاة أحد زملائه من التلاميذ.

من الهندسة إلى الرياضيات

فاز ناش بمنحة دراسية عام 1945م، وقبلته جامعة كارنيجي ميلون Carnegie Mellon، التي كانت تُسمَّى آنذاك: معهد كارنيجي للتكنولوجيا، للحصول على شهادة في الهندسة الكيميائية، لكنه سرعان ما أظهر اهتماماً متزايداً بالرياضيات، فراح يدرس التحليل الرياضي والنسبية. وكان جون سينج John Synge (1897- 1995م) -رئيس قسم الرياضيات- قد لاحظ، ومعه أساتذة آخرون، مواهب ناش الخارقة في مجال الرياضيات، فأوصوه بالتخصّص في هذا العلم. وهكذا، مال ناش إلى الغوص في العلوم الرياضية، وشارك في مسابقاتها، وفاز فيها. وبقدر ما كان أساتذته يُثنون على مواهبه كان زملاؤه من التلاميذ والطلبة يُفرطون في الاستهزاء به، ولولا قامته وقوة جسده لكان الوضع أسوأ؛ لذلك زادت عزلته.

حصل ناش على الماجستير عام 1948م، وقُبِل لدراسة الرياضيات في جامعات هارفارد وبرينستون وشيكاغو، وكلّها من ألمع الجامعات في الرياضيات آنذاك. وتردّد ناش كثيراً في اختيار الجامعة المناسبة، ثم قرّر في النهاية الالتحاق بجامعة برينستون بعد تشجيع أستاذته، وحصوله على أفضل منحة دراسية تقدّمها هذه الجامعة. أظهر ناش موهبةً خارقةً في الرياضيات المجردة، لكنه كان يتجنّب حضور المحاضرات، والمعروف أن المتغيّبين عن الدروس يركّزون في التعلّم عبر الكتب مباشرةً، لكن ذلك لم يكن حال ناش؛ إذ كان يقضي وقته في تطوير أبحاثه الشخصية في هذا المجال، ونجح في ذلك نجاحاً باهراً.

توازن ناش وجائزة نوبل

المدهش حقاً أنه في عام 1949م، حين كان ناش يعدّ أطروحة الدكتوراه، كتب مقالاً لم يَنَلْ ما يستحقّه من الاهتمام، لكنه أحرز بفضله جائزة نوبل في الاقتصاد بعد مضيّ 46 سنة على تاريخ نشره؛ فقد وضع فيه أساس ما يُسمَّى (توازن ناش) في نظرية الألعاب. وهذا المفهوم نجده سارياً في شتى المجالات، سواء تعلّق الأمر بتحليل الإستراتيجيات الانتخابية، أم الأسباب المؤدية إلى الحروب، أم أعمال المجموعات الضاغطة، أم التنبؤات بالأحداث.

دعنا نقدّم فكرةً بسيطةً عن (توازن ناش): هبْ أنك تلعب ضد خصم، وأن بإمكانكما اتّباع إستراتيجيتين في اللعبة، نرمز لهما بالرمزين: س، ص. وتوازن ناش هو وضع في هذه اللعبة لا يستطيع أيّ لاعب -انطلاقاً منه- تغيير إستراتيجيته مع تحسين نسبة أرباحه. لنفرض أن اللعبة تقضي بما يأتي:

– يربح كلّ منكما دينارين إن اخترتما معاً الإستراتيجية (س).

– إن اخترتَ أنتَ الإستراتيجية (س)، واختار خصمك الإستراتيجية (ص)، كان ربحك ديناراً.

– إن اخترتَ أنتَ الإستراتيجية (ص)، واختار خصمك الإستراتيجية (س)، فمقدار ربحك سيكون ثلاثة دنانير، والعكس بالعكس.

– إن اخترتما معاً الإستراتيجية (ص) فسيكون ربحك ديناراً واحداً.

في هذا المثال يحدث توازن ناش عندما تختاران معاً الإستراتيجية (ص)؛ إذ يكون ربح كلّ منكما عندئذ ديناراً واحداً؛ لأنه لو تحوّل أحدكما إلى الإستراتيجية (س) فستسقط قيمة ربحه إلى صفر.

يقول عن ناش زملاؤه في الدراسة: إنه كان دائماً مصدر أفكار رياضية جديدة لا يجدونها عند غيره، كما كان يبتكر ألعاباً رياضيةً، سُمِّي بعضها باسمه. ويُروى أنه شرح لأينشتاين ذات يوم جملةً من المفاهيم الرياضية المعقدة التي ترتبط بالجاذبية، ودام ذلك ساعةً أو يزيد، فنصحه أينشتاين بالتعمّق في الفيزياء، ويبدو أن أحد الفيزيائيين نشر بعد عدة سنوات الأفكار نفسها التي قدّمها ناش لأينشتاين.

ناش والحرب الباردة

نال ناش الدكتوراه من جامعة برينستون عام 1950م، وكانت عن نظرية الألعاب. وفي صيف السنة نفسها عمل في مؤسسة ذات طابع سياسي إستراتيجي تستخدم نظرية الألعاب في دراساتها؛ فكان خبيراً بارزاً في موضوع الحرب الباردة، وظلّ يعمل هناك عدة سنوات، مجتهداً في توظيف نظرية الألعاب في الإستراتيجيات العسكرية والدبلوماسية. وفي خريف عام 1950م عاد إلى برينستون ليعمل في حقل الرياضيات المجرّدة، وكان دائماً يرى نفسه متخصّصاً في الرياضيات البحتة، وأثبت فيها عدة براهين، لكن أعماله لم يكن يُنظر إليها آنذاك بوصفها أعمالاً بارزة، وهو ما زاد من تعاسته. وفي عام 1952م، نشر ناش بحثاً قيماً في أرقى مجلة رياضية، فاشتهر بين الرياضيين، ومع ذلك ظلّ عدد من أساتذة برينستون يعترضون على انتسابه إلى الجامعة بحكم طبعه العدائي الذي يُبدي فيه التحدي والغرور والسلوك الصبياني. وفي العام نفسه، بدأ ناش التدريس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الشهير، ومما يُؤسف له أن محاضراته كانت غير اعتيادية، ولم يرضَ عنها الطلاب، وكان يجري أبحاثاً عميقة في الهندسة والمعادلات التفاضلية الجزئية، وواصل البحث في هذا المجال، وحصل على نتائج مبهرة حتى عام 1956م، نشر آخرها عام 1958م.

خيبة أمل وفصام

في عام 1958م نفسه نشر الرياضي الإيطالي الذائع الصيت إنيو دي جيورجي De Giorgi مقالاً يشمل النتيجة التي نشرها ناش، فأصيب ناش بخيبة أمل كبيرة، خصوصاً أن دي جيورجي استخدم طرائق أخرى في برهانه، وكانت ميدالية فيلدس Fields -المعادلة لجائزة نوبل، التي تُمنح مرة كلّ أربع سنوات- قد ضاعت منه في ذلك العام؛ لأن نتيجته الرئيسة لم تُنشر قبل اجتماع لجنة التحكيم. وقدّم ناش في العام التالي محاضرةً عن (فرضية ريمانRiemann )، وهي مسألة استعصى حلّها إلى الآن، وأدرك المتتبّعون حينها أن المُحاضِر لم يكن يتمتّع بكلّ قواه العقلية، وتبيّن على إثرها أنه مصاب بالفصام الزوراني. وظلّ ناش كذلك نحو ثلاثين سنة، فتقطّعت به السبل، وخضع للعلاج المتواصل في المستشفيات، ومن سلوكياته الغريبة أنه غادر الولايات المتحدة الأمريكية طالباً اللجوء إلى سويسرا، مدّعياً أن جلاّديه -الوهميين- يلاحقونه.

تاه ناش في الأرض، حتى إن زوجته الثانية طلّقته عام 1963م، ومع ذلك ظلّت مهتمةً برعايته، حتى عادا وتزوّجا مجدّداً عام 2001م. وفي أواخر ثمانينيات القرن الماضي خرج ناش من نفقه المظلم، وعاد إلى الظهور في الأوساط الجامعية، وفاز عام 1994م -كما أسلفنا- بجائزة نوبل في الاقتصاد تقديراً لأعماله عن نظرية الألعاب، وأُخرج على إثر ذلك عام 2001م فلم عن حياته بعنوان: (العقل الجميل)، اعتمد السيناريو فيه على كتاب الصحفية سيلفيا نصار. وتقديراً لما قدّمه ناش في حقل المعادلات التفاضلية الجزئية منحته الأكاديمية النرويجية للعلوم والآداب يوم 19 مايو عام 2015م جائزة آبل الشهيرة المخصّصة لعلماء الرياضيات من دون غيرهم. والمحزن أنه عند عودة ناش إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد الاحتفال بالجائزة النرويجية ركب هو وزوجته سيارة أجرة في ضواحي ولاية نيوجيرسي، وكانت الفاجعة حين فقد السائق السيطرة على سيارته، وارتطمت بحاجز على الطريق السريع أودى بحياة الزوجين. أولم يقُل المتنبي: ذو العلم يشقى في النعيم بعقله؟ ذلك كان حال جون ناش من المهد إلى اللحد.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *