حنان القرني - صيدلانية سعودية

تسويق الدواء: بين الابتذال والنزاهة

يُمنح الصيادلة والأطباء الثقة بلا حدود؛ فالمرء يأتمنهم على روحه وماله وأهله، والمرضى يصدّقون ادّعاءاتهم، ويقتنعون بمزاعمهم، من دون أن يطلبوا منهم حُجةً أو دليلاً. وقد تحقّقت هذه الثقة بناءً على اقتناع أكثر الناس بالطب الحديث المبنيّ على التجربة والبرهان، بوصفه أفضل مرجعية ممكنة للتداوي في هذا الزمن. لكن المرض عوز وحاجة، والمريض تحت وطأة أوجاعه، ومشقة عذاباته، قد يتعلّق بأيّ وهم يمنحه إياه أيّ مُدَّعٍ أو مصطنعٍ للقدرة على الشفاء؛ فتجد المرضى يتزاحمون على أبواب الأفّاكين والدجالين، يشترون منهم أملاً لا عاقب له، ورجاءً لا مآب إليه. ولا فرق بين الدجّال المدّعي والأطباء والصيادلة إلا في الصدق والأمانة؛ فالفئة الأولى تدّعي ما لا تملك البرهان عليه، والفئة الثانية تُوصي بما تؤيّده الدراسات العلمية، وتثبته التجارب؛ لذلك يصبح أيّ طبيب أو صيدلي دجالاً في اللحظة التي يقرّر فيها أن يخون ثقة المريض به ويضلّله.

لذلك فمن المهمّ أن نفهم دوافع هذه الفئة من الأطباء والصيادلة الذين يتاجرون بجهل مرضاهم وثقتهم، فيدفعونهم إلى شراء أدوية منخفضة الجودة أو مرتفعة السعر، أو يحثّونهم على استخدام الدواء من دون الحاجة إلى استخدامه؛ لأن أول خطوة لمعالجة الظواهر السيئة هي فهم أسبابها، وتجفيف منابعها. ويبدو أن الدافع الأكبر لهؤلاء الذين يخذلون مرضاهم هو عمليات التسويق غير الأخلاقية التي تحفز الأطباء والصيادلة إلى أن يكونوا ترساً في ماكينة صناعة الأرباح في سوق الدواء المحلي.

سوق الدواء السعودي

حكاية طويلة يمكن أن تُحكى عن سوق الدواء في المملكة العربية السعودية، الذي يعدّ أحد أكبر أسواق الدواء في المنطقة، وأسرعها نمواً؛ فمع أنه لا يزال ناشئاً إلا أنه استطاع أن يحقّق خلال السنوات الخمس الماضية دخلاً يزيد على أحد عشر مليار ريال سعودي. ومن الطبيعي أن نمو سوق الدواء السعودي المطّرد أوجد حاجةً إلى إنشاء هيئة تشريعية تُعنى بضبط السوق وتنظيمه؛ لذلك استُحدثت الهيئة العامة للغذاء والدواء مطلع سنة ١٤٢٤هـ/ ٢٠٠٣م لتكون جهةً تنظيميةً تسعى إلى مراقبة كلّ ما يتعلّق بتجارة الدواء والغذاء وضبطها، بدءاً من فسح المنتجات المستوردة، والتأكّد من جودة المصانع المحلية، وصولاً إلى فرض قواعد تنظيمية لتسويق الغذاء والدواء.

وإذا التفتنا إلى تاريخ تسويق الدواء في المملكة العربية السعودية، وآليات المنافسة التي استمر عليها السوق خلال العقود السابقة، سنفهم إلى أيّ مدى كانت مهمة ضبط السوق وتنظيم فوضاه شاقةً ومعقدةً؛ فنحن نتعامل مع شركات الدواء العالمية والمحلية التي ظلّت زمناً تعمل من دون رقابة ولا حساب.

تمتدّ خبرات شركات الدواء العالمية على مدى عقود طويلة، ولها سجلها الحافل بالجرائم الأخلاقية والمهنية في تسويق الدواء، أو إخفاء المعلومات التي قد تمنع تحقيق الأرباح، وغير ذلك مما اشتهرت به من الممارسات غير الأخلاقية التي تهدف إلى زيادة الأرباح، ولو على حساب أرواح البشر. ويعدّ نجاح شركات الدواء المحلية جزءاً من نمو الاقتصاد الوطني، لكنها تقف موقفاً ضعيفاً في منافسة شرسة مع شركات عالمية تفوقها جودةً وإمكانيات، وهو ما جعل تنظيم فوضى التسويق الدوائي مهمةً عسيرةً وطويلة الأمد وتدريجية؛ فلا يمكن أن تتبدّل الحال بين ليلة وضحاها، ولن نستطيع أن نضبط السوق في مدة وجيزة، بل نحتاج إلى زمن نعمل خلاله على تنظيم الاضطراب وضبط الفوضى بصبرٍ ومثابرةٍ.

أخلاقيات ممارسة تسويق المستحضرات الصيدلانية

ظهرت الخطوة الأولى في مسيرة ضبط السوق أخلاقياً سنة ١٤٣٣هـ/ ٢٠١٢م حين دشّنت هيئة الغذاء والدواء (مدوّنة أخلاقيات ممارسة تسويق المستحضرات الصيدلانية)، التي كشفت عن توجّه الهيئة إلى مراقبة السوق أخلاقياً وقانونياً، وجدّيتها في ذلك. لكن سوق الدواء الذي عُرف عالمياً بتاريخه الطويل في عمليات التسويق غير الأخلاقية جعل مهمة إصلاح السوق، والقضاء على مظاهر التسويق غير الأخلاقية فيه، مهمةً ليست باليسيرة.

كان إصدار هذه المدوّنة خطوةً في الاتجاه الصحيح، لكن إحباط ممارسات التسويق غير الأخلاقية وتجريمها يتطلّبان خطوات أخرى كثيرة، من أهمها: النقد المستمرة للظاهرة، وكشف أسبابها، وما هذا المقال إلا محاولة للتصدي لتناولها، وإزاحة الستار عن بعض أسرارها. وهناك ستة محاور مركزية في تأثيرها في مستوى الانضباط الأخلاقي في تسويق الدواء، هي:

مصلحة المريض أولاً

يتعلّق أول المحاور المؤثّرة في الانضباط الأخلاقي في عملية تسويق الدواء بالمحور الرئيس والمركزي لمفهوم الرعاية الصحية في جميع مرافقها؛ كالمستشفيات، والصيدليات، ومصانع الدواء، ومراكز الأبحاث الطبية، وهو مصلحة المريض؛ إذ لا يمكن أن يوجد سوق دواء أخلاقي ما لم تتقدّم مصلحة المرضى على ما سواها، وتُسلِّم جميع الأعراف والأخلاقيات الطبية والقوانين العالمية بذلك، وتعترف به.

ويتأسّس مفهوم مصلحة المريض على فرعين، هما: عدم الإضرار بالمريض، وتحقيق المنفعة العلاجية له. والواقع أن معظم ممارسات التسويق الدوائي في السوق السعودي تتنبّه وتهتمّ بضرورة عدم المساس بالفرع الأول، وهو عدم الإضرار بالمريض، خوفاً من الملاحقة القانونية، أو استجابةً للضمير الأخلاقي، لكن المشكلة الحقيقية تمسّ الفرع الثاني؛ إذ يتّجه بعض الصيادلة والأطباء إلى دفع المرضى إلى استخدام بعض الأدوية والمستحضرات الطبية التي لا تنفع المريض من دون وجود حاجة علاجية؛ بحجة أن هذه الأدوية إن لم تنفع المريض فلن تضرّه. وبحسب دراسة نُشرت عام ٢٠١٤م في مجلة (الصيدلة) السعودية، فإن ٤٣% من الصيادلة العاملين في الصيدليات التجارية يقومون ببيع الدواء الذي لا ينفع المريض ولا يضرّه، وتبدو هذه النسبة كبيرةً، وتقابلها نسبة كبيرة من الأطباء الذين يكتبون لمرضاهم أدويةً ليسوا في حاجة إليها. ولدى هؤلاء الصيادلة والأطباء بالتأكيد أسباب تدفعهم إلى غشّ مرضاهم، واستغلال جهلهم، وتختلف هذه الأسباب لدى الصيادلة عنها لدى الأطباء، لكنها على اختلافها تقود إلى النتيجة ذاتها: استغلال جهل المريض وثقته في الحصول على منافع شخصية.

فساد البيئة

تمتلك معظمَ الصيدليات -مع الأسف- شركاتٌ كبيرةٌ تحتكر قطاع الصيدليات التجارية في المملكة، وتحرص إدارة هذه الشركات على أن تتعاون الصيدلية مع كبريات شركات الدواء المحلية والعالمية وفق علاقة تبادل منافع يضيع فيها حقّ المريض ومصلحة المجتمع؛ فتقدّم شركات الدواء خصوماتٍ ودعماً متعدّد الأشكال للصيدليات الكبيرة مُقابل أن تُدخل هذه الصيدليات منتجاتها في قائمة الأدوية والمستحضرات التي تتركّز فيها عمليات الترويج داخل الصيدلية، وتعمل إدارة هذه الصيدليات على تقديم حوافز تصل إلى ٢٠٠% من الدخل الشهري للصيادلة العاملين فيها نظير قيامهم بترويج الأدوية الموجودة في القائمة. وحين نتأمّل مثل هذه الجرائم التسويقية، التي يشترك فيها ثلاثة أطراف: شركات الدواء، والصيدليات الكبيرة، والصيادلة العاملون فيها، سنفهم أننا نواجه تحدياً لا يُستهان به في محاولتنا ضبط سوق الدواء أخلاقياً؛ إذ لا نواجه الصيادلة بوصفهم أفراداً يمكن ردعهم بالقانون، بل نواجه أيضاً تكتّلات تجارية متعددة الأطراف، ومتشابكة المصالح.

أما في المستشفيات، فنجد أن الفساد يتفاوت حسب بيئة المستشفى، ومدى ضبط المستشفى موظفيه؛ ففي بعض المستشفيات لا تجرؤ أيّ شركة أدوية مهما انحدر مستوى الضبط الأخلاقي فيها على تسويق منتجاتها بطريقة لا أخلاقية، وفي مستشفيات أخرى نجد الفريق الصحي من أطباء وممرّضين وصيادلة يتغاضون عن الأسلوب التسويقي غير الأخلاقي الذي يصدر عن ممثّلي شركات الأدوية، بل ربما يدفعونهم إلى ذلك عبر التصريح أو التلميح بتأثير المزايا والحوافز الشخصية التي تقدّمها شركات الدواء إليهم، وهو ما يجعل العبء الأخلاقي مشتركاً بين الطرفين؛ فلا يمكن أن نلوم قطاع التجارة الدوائية من دون أن نلوم شركاءهم في قطاع الرعاية الصحية.

ويتفشّى هذا السلوك غير الأخلاقي بقبول الحصول على منافع شخصية في القطاع الخاصّ للرعاية الصحية، متمثّلاً في مستشفيات وصيدليات القطاع الخاصّ، ويرجع ذلك -كما يبدو- إلى الطبيعة الربحية التي يتأسّس عليها هذا القطاع، وهو ما يجعل العاملين فيه خاضعين لفكرة تبادل المنافع، وهي فكرة غير مرفوضة في حدِّ ذاتها إلا حين يكون المريض ضائعاً وسطها؛ فكيف يمكن لطبيب أو صيدلي القبول بجعل مصلحته الشخصية بوصلة يؤسّس عليها قراراته الطبية؟ وهل يمكن للطبيب الذي أقسم بأن يخلص لمرضاه، ويحرص على مصالحهم، أن يبيع ضميره في مقابل مصلحة شخصية منقضية؟

يجب ألا تخرج علاقة شركات الدواء بالعاملين في القطاع الصحي عن محور مصلحة المريض؛ فالقيمة التي تتوقّعها منشآت القطاع الصحي وموظفوها من شركات الدواء يجب أن تصبّ في مصلحة المريض، والربح الذي تسعى إليه شركات الأدوية يجب أن تحوزه بناءً على ما تقدّمه من منفعةٍ للمريض، ويجب أن نرفض بصرامةٍ ونُجرِّم خروج العلاقة بين الطرفين عن هذا المحور؛ لأن قبول تفشّي تقديم الحوافز الشخصية إلى الأطباء والصيادلة وصنّاع القرار في القطاع الصحي، بوصف ذلك وسيلةً تخدم شركات الدواء في المنافسة السوقية، يعني أننا نقتل الوسائل التنافسية الأكثر نفعاً للمرضى، والسوق الدوائي، وقطاع صناعة الدواء، والبحث العلمي في المملكة.

التنافس مطلوب.. لكن

المنافسة بين شركات الدواء مطلوبة، ولولا التنافس لكان إيقاع التطور الدوائي العالمي أبطأ بكثير مما هو عليه الآن. صحيحٌ أن الأهداف الربحية التي تسيطر على مفهوم المنافسة في تجارة الدواء وصناعته عالمياً قد تُرينا بعض الممارسات غير المقبولة أخلاقياً، لكننا -بشكل عامّ- لا نستطيع أن نُنكر أن التنافس في السوق الدوائي العالمي كان دائماً حافزاً إلى تطوير صناعة الدواء. وينطبق هذا الأمر أيضاً على السوق المحلي؛ فما دامت مصانع الدواء وشركاته المحلية تعتمد في منافستها مع الشركات العالمية على إرضاء أصحاب القرار بالحوافز الشخصية، والقسائم المجانية، وتذاكر السفر، وغيرها من الوسائل المبتذلة لكسب المنافسة، فلن تضطرّ يوماً إلى أن ترفع مستوى جودة منتجاتها، أو أن ترفع ميزانيات الأبحاث والتطوير الدوائي لإيجاد منتج يستطيع منافسة بقية المنتجات في السوق العالمي من حيث الجودة والابتكار؛ فليس من المنطقي أن نجد دعماً محلياً من قطاع الرعاية الصحية للشركات الدوائية المحلية -ولو بقصد دعم الاقتصاد المحلي- من دون أن نرى في المقابل تطوراً مرضياً في قطاع صناعة الدواء محلياً.

إنني أدعو إلى أن نقسو على الصناعة الدوائية المحلية قليلاً؛ لنحفزها إلى أن تحسّن مستوى منتجاتها، وتبتكر جرعاتٍ وتركيباتٍ وأشكالاً صيدلانيةً لا تتوافر في سوق الدواء العالمي؛ لتقدّم ميزة تنافس بها الشركات العالمية، أملاً في أن نصل يوماً ما إلى صناعة دوائية تكتشف وتطوّر أدوية جديدة غير مسبوقة. والأهمّ من كلّ ذلك أن الشركات المحلية لن تستطيع دخول سوقي الدواء الأمريكي والأوروبي، اللذين يمثّلان ٨٠% من سوق الدواء العالمي، ما لم تحسّن المستوى الأخلاقي لتسويقها منتجاتها، وتُلزم موظّفيها قواعد وضوابط أخلاقية وقانونية صارمة؛ فدخول أسواق الدواء الغربية يعني الوصول إلى الجزء الأكبر من سوق الدواء العالمي، وحدوث ارتفاع ضخم في أرباح الشركات الدوائية، لكنه ارتفاع مصحوب بمخاطرة التعرّض لغرامات مالية ضخمة إن ثبت تورّط إحدى الشركات، ممثّلةً في أيّ موظف من موظفيها، في تجاوز أخلاقي أو قانوني يتعارض مع أنظمة الدول الغربية وتشريعاتها. ويجب أن يُؤخذ في الحسبان كذلك أن شركات الدواء ومصانعه التي تُوجد في السوق المحلي مسؤولة عن تحريك قطاع البحث الدوائي ودعمه في الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث المحلية؛ فعلى الرغم من أن البديهي أن يكون لشركات الدواء دور رائد في مجال دعم البحوث الدوائية محلياً إلا أن واقع الحال يُثبت أن شركات الدواء المحلية والعالمية في سوق الدواء المحلي لا تكاد تؤدّي دورها تجاه الدعم العلمي والبحثي محلياً، بل تتملّص من واجبها في رصد بيانات المشكلات المتعلقة بالدواء؛ أي: ما يُعرف بـ(التيقّظ الدوائي pharmacovigilance)، الذي يهتمّ برصد ومتابعة كلّ المشكلات التي قد تطرأ على المنتج بعد وجوده في السوق؛ كالمشكلات التصنيعية، ومشكلات التخزين، أو الآثار والمشكلات الجانبية التي تظهر مع استخدام الدواء.

التدريب والتيقّظ الدوائي:

ما يُؤسف له أن كثيراً من شركات الدواء العالمية والمحلية لا تقدّم التدريب الكافي لموظفيها للقيام بدورهم في عملية التيقّظ الدوائي بشكل مُتقن؛ لذلك ربما يكون من واجب هيئة الغذاء والدواء إلزام الشركات بتدريب موظفيها عبر منهج مفصّل تضع الهيئة محاوره؛ إذ لا تقتصر أهمية التيقّظ الدوائي على رصد الأدوية التي تعاني خللاً تصنيعياً، ومنع استخدامها؛ فهذا هو العائد القصير المدى من برامج التيقّظ الدوائي، أما العائد الطويل المدى والأهم فهو ما نحصل عليه عن طريق رصد هذه البيانات؛ فمثلاً: يمكن عن طريق رصد الآثار الجانبية التي تحدث بشكل متوقّع، أو تطرأ بشكل غير متوقّع، لدى المرضى في المستشفيات المحلية أن ندرس مدى شيوع الآثار الجانبية للدواء في المجتمع المحلي، وأسباب هذا الشيوع؛ كالاختلافات الجينية، أو نمط الحياة متضمّناً العادات الغذائية، أو الأمراض الشائعة محلياً، وبالطبع يمكن إنتاج نشرات دوائية محلية تقدّم معلومات أكثر دقةً عن شيوع الآثار الجانبية، والمخاطر المحتملة من استخدام الدواء، أو الطريقة المثلى لتخزينه في الظروف المناخية المحلية المختلفة عن ظروف التخزين في بلد المنشأ؛ لذلك فعلى هيئة الغذاء والدواء أن تلزم شركات الأدوية بإجراء بحوث خاصّة تحدّد ظروف التخزين المثالية للمنتج الدوائي في البيئة والمناخ المحلي قبل تسجيله.

إنني أتوق إلى اليوم الذي يصبح فيه طلب إجراء البحوث الدوائية في الظروف المحلية نهجاً شائعاً للحصول على المنفعة من شركات الدواء، بدلاً من شيوع الأسلوب المُبتذل في طلب منافع شخصية لا تعود بالمصلحة على المرضى أو أنظمة الرعاية الصحية أو المجتمع.

آفة الرشوة:

يُؤسفني أن أقول: إن الرشوة تبدو أهم مشكلات قطاع تسويق الدواء لدينا، وتنتشر ظاهرة الرشوة على مستويين، وفي قطاعين مختلفين: لدى بعض المسؤولين في القطاع الحكومي، ولدى بعض الأطباء والصيادلة في القطاع الخاصّ، وإن كانت هذه الرشوة قد تمتدّ إلى غير هؤلاء. وأشهر ثلاثة مسوّغات تُستخدم في المستشفيات والصيدليات لتسويغ الرشوة هي:

نحن لا نطلب حافزاً للقيام بعمل غير قانوني أو غير أخلاقي، بل نقوم بواجبنا الطبيعي في شراء الأدوية أو بيعها، وهذا العمل نؤدّيه بحوافز أو من دونها.

لدينا شركات متنافسة، وعلينا أن نُفاضل بينها؛ لذلك من الطبيعي أن نعدّ الحوافز التي تقدّمها الشركات إحدى وسائل المفاضلة.

شركات الدواء تحقّق أرباحاً خرافيةً عبر سياسات رأسمالية تهتمّ بالأرباح من دون الالتفات إلى المجتمع والفقراء من المرضى، سواء محلياً أم عالمياً.

ولنقض المسوّغ الأول لا بدّ من توضيح مفهوم الرشوة حسب نظام مكافحة الرشوة السعودي الصادر سنة ١٤١٢هـ؛ إذ ينصّ هذا النظام على أن كلّ موظف طلب لنفسه أو لغيره، أو قبل أو أخذ، وعداً أو عطيّةً لأداء عمل من أعمال وظيفته، أو يزعم أنه من أعمال وظيفته، ولو كان هذا العمل مشروعاً، أو للامتناع عن عمل من أعمال وظيفته، أو يزعم أنه ليس من أعمال وظيفته، ولو كان هذا الامتناع مشروعاً، أو يخلّ بواجبات وظيفته، يعدّ الموظف مُرتشياً، ويُعاقب بالسجن مدةً تصل إلى عشر سنوات، وبغرامةٍ تصل إلى مليون ريال. وجاء في هذا النظام أيضاً: «ولا يؤثّر في قيام الجريمة اتجاه قصد الموظف إلى عدم القيام بالعمل الذي وعد به». أما تعريف منظمة الشفافية العالمية للرشوة، فهو: عرض أو وعد أو تقديم أو قبول أو طلب فائدة كحافز مقابل عمل غير قانوني أو غير أخلاقي يمكن أن يكون على شكل قروض أو هدايا أو مكافآت أو مزايا أخرى.

ونجد -من خلال استقراء هذين التعريفين- أن النظام السعودي لا يشترط أن يكون العمل المُقدَّم مقابل المنفعة عملاً مخالفاً للقانون أو للأخلاق، بل حتى تلقّي الحوافز مقابل العمل الذي يقوم به الموظف بوصفه جزءاً من مهامه من دون الإخلال بوظيفته يعدّ رشوةً صريحةً. وهكذا، فلا يكون من المنطقي أن نرى تلقّي الحوافز من شركات الدواء مقابل رجحان كفتهم في المناقصات الدوائية، أو في عملية صرف الدواء، أمراً مشروعاً حسب النظام السعودي أو حسب الشريعة الإسلامية.

ويستند المسوّغ الثاني في قبول الرشوة في مجال التسويق الدوائي إلى وجود شركات متعدّدة في السوق، وهو ما يجعل المفاضلة بينها أمراً صعباً في كثيرٍ من الأحيان، لكن أبسط طالبٍ في كلية الصيدلة يفهم أن الوسيلة المثلى للمفاضلة بين المنتجات المنافسة هي مقارنتها من ناحيتي الفعالية والسعر؛ ففي مثل هذه الحالة يمكن إرغام شركات الأدوية على تخفيض أسعار منتجاتها خوفاً من خسارة العملاء، والبديهي أن التنافس بين المنتجات المتشابهة يعتمد على سعر المنتج وجودته، وليس على الحوافز التي تقدّمها الشركة إلى المستشفى أو الموظفين فيه.

ويبدو المسوّغ الثالث منطقياً ومقبولاً جداً؛ فكما تنتفع شركات الدواء من المجتمع فإن عليها أن تقدّم إلى هذا المجتمع منفعةً مقابلةً، وليس من المقبول أبداً أن تتملّص هذه الشركات من دورها الضروريّ في خدمة المجتمع ودعمه، لكن من غير المنطقي أن تكون خدمة المجتمع التي تقدّمها الشركات موجّهةً إلى عملائها الذين هم مصدر أرباحها؛ فالعلاقة بين الشركة وعملائها يجب أن تظلّ محصورةً في محورين: جودة المنتج، وسعره؛ فهي تقدّم لهم أدوية ومنتجات طبية بجودة محدّدة تتلقّى نظيرها السعر المستحقّ حسب تكلفة صناعته ونقله ووفرة الدواء أو ندرته، أما مسؤولية الشركات تجاه المجتمع فتُترجم عبر تخصيص جزء مُعلن من أرباحها لدعم المستشفيات الخيرية أو مراكز غسيل الكلى التي تخدم فئات فقيرة غير مشمولة بالعلاج المجاني الحكومي، أو تغطية شركات التأمين، أو غير ذلك من أشكال الدعم الدائم للمجتمع.

السياسة الوظيفية في شركات الأدوية:

تعتمد سياسة شركات الدواء الوظيفية على تخصيص مكافأة سنوية أو نصف سنوية لموظّفيها مقابل تحقيقهم الهدف المطلوب من المبيعات، وتعدّ هذه السياسة حافزاً للموظفين؛ إذ لا يمكن أن يتساوى الموظف الجادّ والموظف العابث، وتكون المشكلة هنا عندما تُصبح المكافأة السنوية للموظّف أعلى من دخله السنوي أو تساويه؛ فحينئذٍ قد يُصبح هاجس الموظف بتحقيق هدف المبيعات مُتعارضاً مع معياره الأخلاقي، وضميره الديني، وقد يسلك الموظف أيّ طريقة ممكنة، أخلاقيةً كانت أم غير أخلاقية، بغرض الحصول على المكافأة؛ لذلك يشيع الاعتقاد بين كثير من الناس أن العمل في شركات الدواء هو بالضرورة غير أخلاقي، وأنا أتفهّم شخصياً هذا الرأي، لكنني لا أوافقه؛ فمن دون المكاتب العلمية لشركات الأدوية العالمية، ومن دون وجود صناعة دوائية محلية، سيكون على المجتمع مواجهة نقص متكرّر في الإمداد الدوائي، ولن يكون من السهل تقدير الاحتياج المحلي للدواء، كما أننا في حاجة إلى الجهد العلمي الذي يبذله موظّفو المكاتب العلمية لشركات الأدوية في إيصال المعلومة الصحيحة عن الدواء، واستخداماته، وآثاره الجانبية، والطريقة المُثلى لاستخدامه، ومستجدات البحوث العلمية المتعلقة به؛ لرفع مستوى الرعاية الصحية محلياً.

وفي الختام، يهمّني أن أوضّح أن الرعاية الصحية لا يمكن أن تتحسّن ما لم تتكامل جميع مرافقها وتنضبط وتسعى إلى تقديم مصلحة المرضى على كلّ ما سواها، ولن يحدث ذلك ما لم تتغيّر طبيعة العلاقة بين شركات الأدوية وعملائها من الشركات الصيدلية أو المؤسسات الصحية الحكومية أو الخاصة أو الأفراد من الأطباء والصيادلة، ولا يبدو من السهل ضبط هذه العلاقة، لكن ذلك ليس مستحيلاً إذا شدّدت الجهات المسؤولة على ضرورة الانضباط في عمليات تسويق الدواء لدى الطرفين، واهتمّت بتوضيح معايير التنافس الأخلاقي والمقبول بين شركات الدواء، وأهمها: تحسين جودة المنتج، أو تخفيض سعره.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *