طارق راشد - أبو ظبي- الإمارات

كيف تتدهور «جيناتنا التعليمية» بينما ترتفع نسبة الذكاء الجماعي؟

هل تحدّد الجينات ذكاءنا؟ هذا هو السؤال الذي يحفز البحث في مجال الجينات وعلم النفس منذ ظهور هذين العلمين، لكن لم تتمّ الإجابة عن هذا السؤال حتى يومنا هذا؛ فعلى الرغم من أن جيناتنا هي التي تحدّد مهاراتنا المعرفية إلا أن هذه المهارات تتأثر كذلك بالبيئة المحيطة بنا.

إننا أصبحنا نعرف في الوقت الحالي أن الجينات التي تحدّد قدرتنا على تحقيق مستوى عالٍ من التعليم بدأت بالتدهور على مدار الثمانين عاماً الماضية، ويعتقد العلماء أن تلك العملية هي جزء من الانتقاء الطبيعي. ويميل مَن يدرسون سنوات أطول، ويُضفون في الوقت نفسه أهمية على التعليم، إلى إنجاب عدد أقلّ من الأطفال؛ فقد قام علماء الجينات في آيسلندا بعمل دراسة توصّلت إلى أن الأفراد الذين يمتلكون الجينات التي تسهم في الحصول على مستوى أعلى من التعليم لديهم عدد أقلّ من الأبناء، وهو ما يعني أن تلك الصفات الوراثية صارت نادرةً بين تجميعة الجينات، ونتج من ذلك انخفاض متوسط نسبة الذكاء بمقدار 0.04 نقطة في كلّ عقد. وعند أخذ جميع العوامل المسؤولة عن تطور التعليم في الحسبان فإن هذا التطور يمكن أن يصل إلى 0.3 من نسبة الذكاء في كلّ عقد. وتنقل صحيفة (دي فيلت) الألمانية عن كاري ستيفانسن -رئيس شركة فكّ الشفرة الجينية في آيسلندا- قوله: «من المثير للاهتمام أن نرى أن العوامل الجينية المسؤولة عن قضاء مدة أطول من الزمن في المنظومة التعليمية صارت أكثر ندرةً في التجميعة الجينية».

وتوضّح النتائج كذلك تأثير الجينات المسؤولة عن التعليم في الخصوبة؛ إذ يميل مَن يمتلكون نسبة أكبر من (جينات التعليم) إلى إنجاب عدد أقلّ من الأطفال، وهو ما يشير إلى أن مَن لديهم استعداداً وراثياً للحصول على مستوى مرتفع من التعليم لديهم استعداد وراثي كذلك لإنجاب عدد أقلّ من الأطفال. وقام الباحثون الذين أجروا الدراسة بتحليل التركيبة الجينية لأكثر من 100 ألف شخص في آيسلندا ممّنولدوافيالمدة(1910-1990م)،وأخذوامستوىتعليهمفيالحسبان.

هل الأفراد الذين يتمتّعون بالذكـــــــاء في طـريقــهــــم إلى الانقراض؟

لا تقلق؛ فهذا الأمر لا يعني أن الجنس البشري صار غبياً بشكل متزايد؛ لأن هناك آليات لتعويض خسارة هذه الجينات. على كلّ حالٍ، صار التعليم متاحاً أمام عدد أكبر من الناس في الوقت الحالي؛ فحتى لو أنجب الأفراد الأقلّ ذكاءً عدداً أكبر من الأطفال فإن العناصر الأخرى بخلاف العوامل الجينية، مثل المدارس والمؤسسات التعليمية، يمكن أن تُبطل مفعول هذا الانخفاض المتواصل، وعلى حدّ قول الباحثين: ففي حالة عدم حدوث ذلك فإن هذا الانخفاض في (جينات التعليم) يمكن أن يكون له تأثير جذري في ثقافتنا؛ إذ يقول ستيفانسن: «إذا استمر هذا التوجّه قروناً فإنالتبعاتستكونكبيرة».

وأوضحت الدراسة الآيسلندية للمرة الأولى أن الجينات المرتبطة بالذكاء يمكن قياسها، لكن لها تأثير ضئيل نسبياً في مستوى تعليمنا. وعلى الرغم من حقيقة أنه قد ثبت اتّباع تركيبتنا الجينية توجّهاً تنخفض فيه (جينات التعليم) إلا أن متوسط نسبة الذكاء في الدول الصناعية يزداد بصورة منتظمة، يقول ستيفانسن: «لو واصلنا تحسين المؤسسات التعليمية من حيث الوفرة والجودة فمن المتوقّع أن نحسّن كذلك مستويات التعليم داخل المجتمع كله، لكن الله وحده يعلم مدى كون تدهور الميل الوراثي إلى الحصول على مستويات أعلى من التعليم ذا تأثير كبير في المجتمع الإنساني».

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *