د. عبدالله الحاج - رئيس التحرير

الدواء: من الشعوذة إلى النانو

يرتبط الدواء بالإنسان ارتباطاً وثيقاً، بل هو مكوّن من مكوّنات وجوده؛ فالألم والشفاء من طبائع الإنسان التي فطره عليها الله عزّ وجلّ، يقول تعالى: ‭}‬وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ‭{‬ (الشعراء: 79، 80)؛ فقد قرن سبحانه وتعالى الطعام والشراب بالمرض والعلاج دلالةً على ارتباطها معاً؛ لذلك بحث الإنسان عن الدواء منذ وعيه ووجوده على هذه الأرض؛ فالأشجار والنباتات والأعشاب ومكوّنات الحيوانات والطيور كلها كانت أجزاء من الأدوية التي استعملها الإنسان؛ فكلما كانت الطبيعة المحيطة بالإنسان ثريّةً بالنباتات والأشجار والأعشاب كانت صيدلية الدواء أكثر تنوّعاً وثراءً. وفي الوقت نفسه، قد يكون من هذه الأشياء ما هو ضارّ وسامّ؛ فالمناطق الصحراوية -مثلاً- قد لا تعرف من الأدوية والعلاجات إلا العدد اليسير من الأعشاب والنباتات، ليس لقلّة أعداد النباتات بها فقط، وإنما أيضاً لقلّة عدد الأمراض التي يتعرّض لها رجل الصحراء؛ فالبعوض -مثلاً- الذي يحمل كثيراً من الأمراض نادر في الصحراء؛ لأنه يعيش ويتكاثر في المستنقعات. وقد لا يبدو غريباً أن أول وأشهر طبيب عربي نشأ وظهر في الطائف، وهي منطقة خصبة متنوّعة النباتات.

وعندما عجز الإنسان عن إيجاد العلاج الشافي له كان يلجأ إلى السحر والشعوذة، وما زالت هذه الممارسات قائمةً إلى وقتنا الحاضر، وإن كانت بدرجاتٍ أقلّ عما ذي قبل. لكن صناعة الدواء تطوّرت في القرن الأخير، وأصبحنا على مشارف صناعة الدواء (النانوية)؛ أي: باستخدام تقنيات النانو في تصنيع الأدوية، وهو تطوّر قد يقلب صناعة الدواء رأساً على عقب؛ فكثير من الأدوية غير قابلة للذوبان بسهولة في الماء، وهو ما يسبّب صعوبةً في امتصاصها في الدم والأنسجة، إضافةً إلى أن الأدوية التي يجري تناولها عن طريق الفم ذات كفاءة منخفضة؛ لذلك تأتي التقنية النانوية بما يُسمَّى (غوّاصات نانوية)، وهي تحمل الدواء إلى العضو المريض مباشرةً، وتسبح داخل دم الإنسان. وهناك كثير من الأبحاث في هذا المجال، وهو مجال يتّسع باستمرار؛ لأن صناعة الدواء المعتمدة على تقنية النانو تُقدَّر بنحو 140 مليار دولار.

لو أخذنا أمراض السرطان مثالاً واحداً فقط، فقد توصّل الباحثون في جامعة شيكاغو الأمريكية إلى تطوير علاج يستخدم جزيئات النانو، ونجح هذا العلاج في التجارب التي أُجريت على الفئران، وقضى على الخلايا السرطانية المستهدفة، كما استطاع القضاء على الخلايا السرطانية الثانوية النائية التي ينشرها الورم في أجزاء متفرّقة من الجسم. وقد حصل الباحثون على هذه النتائج من دون إضافة أيّ مواد خلوية سامة؛ فلم يستخدموا أيّ نوع من أدوية العلاج الكيميائي.

وهناك بحوث تجرى الآن على أنواع من الجسيمات النانوية المصنّعة من الأحماض النووية لاستخدامها مسابر يمكنها اكتشاف خلايا السرطان التي تجول داخل دم الإنسان، ويقول باحث من جامعة نورث ويسترن في ولاية إلينوي الأمريكية: هذا البحث قد يقود إلى جسيمات نانوية تحمل مواد كيميائية للتشخيص وأدوية العلاج، وقد تتمكّن هذه الجسيمات من إزالة خلايا سرطانية يصعب الوصول إليها قبل أن تنتشر إلى أمكنة جديدة في الجسم.

ما زلنا في أول الطريق النانوي الذي قد يفتح صفحةً جديدةً في تاريخ البشرية تجبُّ ما قبلها.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *